أفريقيا برس – ليبيا. تجدد الجدل في المشهد الليبي على وقع أزمة جديدة تتعلق بفرض ضرائب على السلع المستوردة، بعدما أعلنت لجنة الاقتصاد والاستثمار بمجلس النواب إقالة رئيسها بدر النحيب على خلفية مخاطبة صادرة عنه بشكل منفرد بشأن فرض ضريبة على بعض السلع، في خطوة فجرت انقساما داخل المجلس ذاته وأعادت طرح تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار وحدود الاختصاص بين السلطات، بالتزامن مع إعلان حكومة الوحدة الوطنية رفضها القاطع لأي إجراءات أحادية تمس السياسة المالية والنقدية للدولة، ما وضع الملف في قلب مواجهة سياسية واقتصادية مفتوحة تنعكس تداعياتها مباشرة على السوق والأسعار والاستقرار النقدي في البلاد.
وأوضحت لجنة الاقتصاد والاستثمار في مذكرة داخلية موجهة إلى رئاسة مجلس النواب أن رئيسها المقال لم يرجع إلى أعضاء اللجنة ولم يعرض مقترحه عليهم للنقاش أو التصويت، معتبرة أن ما صدر عنه يمثل تجاوزا للصلاحيات وإخلالا صريحا بقواعد العمل البرلماني ومحاولة لفرض توجهات فردية خارج الأطر المؤسسية، مؤكدة أن تلك المخاطبة لا تمثل اللجنة ولا تعبر عن إرادة أعضائها أو المجلس، ومطالبة بإحالة الواقعة إلى التحقيق الفوري ومساءلة رئيس اللجنة عن هذا التصرف المنفرد واتخاذ إجراءات حاسمة تمنع تكرار مثل هذه التجاوزات مستقبلا، كما أبلغت هيئة الرئاسة بقرار إيقافه عن رئاسة اللجنة مؤقتا إلى حين انتخاب رئيس جديد يضمن استمرار عملها وفق القانون المنظم لعمل مجلس النواب ولجانه المختصة.
وفي موازاة ذلك، أصدر 107 أعضاء من مجلس النواب بيانا مشتركا نفوا فيه صدور أي قرار رسمي أو نافذ عن المجلس يقضي بفرض ضرائب جديدة أو أعباء مالية من أي نوع، مؤكدين أن المجلس بصفته السلطة التشريعية المختصة لم يعتمد أي تشريع بهذا الشأن خلال جلسة رسمية مكتملة النصاب ووفق الإجراءات القانونية والدستورية المعمول بها، وشددوا على أن أي مراسلات أو مخاطبات يتم تداولها أيا كانت الجهة الصادرة عنها، لا تعبر عن الإرادة الحقيقية للمجلس ولا تكتسب أي قوة قانونية أو صفة إلزامية ما لم تصدر عبر المسارات التشريعية الصحيحة، معلنين إخلاء مسؤوليتهم القانونية والدستورية الكاملة من أي إجراء لم يصدر عن المجلس مجتمعاً ولم يعتمد وفق اللائحة الداخلية، وداعين المتضررين إلى اللجوء للقضاء للطعن في أي إجراءات منسوبة لفرض ضرائب دون سند قانوني صحيح.
بدر النحيب، كان قد دافع في وقت سابق عن مشروع فرض ضرائب على بعض السلع الرأسمالية، مؤكدا في تسجيل متداول أن المقترح لا يستهدف السلع الأساسية مثل الدقيق والقمح والزيت والأرز، وأن الهدف منه يتركز على سلع كمالية أو غير أساسية، معتبرا أن الأمر لم يتحول إلى قانون وإنما هو مشروع قرار قابل للنقاش، غير أن طريقة طرحه للمقترح بشكل منفرد فجرت الأزمة داخل اللجنة وأدت إلى إقالته، في مشهد يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة التشريعية بشأن أدوات معالجة الاختلالات المالية.
على الضفة الأخرى، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية رفضها القاطع لما وصفته بخطوات أحادية من رئاسة مجلس النواب تمس السياسة المالية والنقدية للدولة، خاصة ما يتعلق بالشروع في فرض ضريبة على السلع المستوردة عبر تضمينها ضمن عمليات بيع النقد الأجنبي أو الاعتمادات المستندية دون تنسيق مع السلطة التنفيذية أو صدور قرار عن مجلس الوزراء، معتبرة أن اتخاذ تدابير ذات أثر مباشر على سعر الصرف ومستوى الأسعار خارج نطاق الاختصاص التنفيذي يعد تجاوزا لمبدأ الفصل بين السلطات ويؤدي إلى إرباك السوق وتعميق حالة عدم اليقين الاقتصادي.
وأكدت الحكومة أن جوهر أزمة ارتفاع سعر صرف الدولار يرتبط أساسا بالإنفاق الموازي خارج الميزانية المعتمدة، والذي بلغ -حسب وصفها- مستويات تفوق القدرة الاستيعابية للاقتصاد الوطني وتتجاوز الطاقة الحقيقية للدولة على التمويل دون الإضرار بالتوازنات النقدية، موضحة أن هذا الإنفاق أدى إلى تضخم الكتلة النقدية المحلية دون غطاء إنتاجي أو احتياطي أجنبي كاف، ما ولد طلبا مفرطا على النقد الأجنبي وضغوطا متصاعدة على سعر الصرف، وشددت على أن تحميل السلع المستوردة أعباء إضافية لن يعالج أصل الخلل، بل سينعكس مباشرة على أسعارها ويزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين، داعية إلى الالتزام الصارم بالبرنامج التنموي الموحد باعتباره الإطار المنظم للإنفاق العام وفق سقف مالي واقعي يحفظ الاستقرار النقدي.
في المقابل، تم تداول معلومات تفيد ببدء مصرف ليبيا المركزي تنفيذ قانون ضرائب يتعلق باستيراد السلع وفق نسب متفاوتة تشمل إعفاء السلع الأساسية من الضريبة وفرض نسب تتدرج بين 7 و12 و25 و35 وحتى 40 في المئة على سلع مختلفة من المواد الاستهلاكية ومواد البناء والأجهزة الإلكترونية والسيارات والتبغ، غير أن المصرف المركزي لم يصدر حتى الآن إعلانا رسميا يوضح تفاصيل آلية التطبيق أو توقيته، ما زاد من حالة الغموض في السوق وأثار مخاوف التجار والمستهلكين من موجة غلاء جديدة.
وتأتي هذه التطورات في سياق أزمة اقتصادية ممتدة تعاني فيها ليبيا من ضغوط على سعر الصرف وارتفاع في مستويات التضخم وتراجع في القدرة الشرائية، وسط انقسام مؤسساتي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وتباين في الرؤى بشأن أدوات الإصلاح المالي، ما يجعل أي خطوة تمس السياسة النقدية أو أسعار السلع موضع تجاذب سياسي حاد، وفي ظل غياب بيان رسمي حاسم يحسم الجدل تبقى السوق في حالة ترقب وانتظار لما ستسفر عنه التحقيقات داخل مجلس النواب ولما إذا كانت الحكومة والمصرف المركزي سيتجهان إلى تنسيق مشترك يضع حدا للجدل ويقدم معالجة شاملة لأزمة الاختلالات المالية بما يوازن بين متطلبات الاستقرار النقدي وحماية المواطنين من أعباء إضافية.





