
نسرين سليمان
أفريقيا برس – ليبيا. مشروع المصالحة الذي تبناه المجلس الرئاسي الليبي وأشرف على تنفيذ خطواته، وهو يتجه إلى أولى الخطوات العملية الفعلية، تعرض لانتقادات ضربت أساس وهدف هذا المشروع، ألا وهو إشراك جميع الفئات المتناحرة والبعد عن التوجهات والتحيز لأي طرف كان، وبقي عرضة للتشكيك والاتهام بالتحيز لطرف تيار سبتمبر، الذي كان له حضور قوي رغم انسحابه بشكل صوري في اليوم الأول من انطلاق هذا المشروع.
الملتقى التحضيري لمؤتمر المصالحة الذي انطلق قبل أيام واختتمت فعالياته أمس، كان الهدف منه توفير أرضية لمسار مصالحة صحيح، تجمع كافة الفئات المتضررة والمستضعفة والمتمسكة بطرف معين والرافضة للحوار أيضاً، وبالفعل كان جيداً، وسار الافتتاح بحضور شخصيات ذات شأن رفيع لدعم هذا المشروع، إلا أنه ومنذ مرور اليوم الأول له ظهرت أصوات معترضة ومتهمة للمجلس الرئاسي بتجاوز أكبر الفئات تضرراً من الحروب التي حدثت بعد الثورة كمهجري مدينة بنغازي التي دخلها حفتر قبل سنوات، فضلاً عن المتضررين من النظام السابق.
بدأت الانتقادات بعد تداول شائعات تفيد باستثناء شخصيتين تمثلان ثورة السابع عشر من فبراير، فضلاً عن ارتباط أحدهما بالمتضررين من الحرب التي قادها حفتر على بنغازي واستبعادهم من الحضور استجابة لرغبة ممثلي تيار سبتمبر وداعمي سيف الإسلام القذافي، فضلاً عن تغليب هذا التيار من ناحية العدد وعدم وضوح هوية ممثلي التيارات المدعوة، ما دعا كثيرين إلى التشكيك في مصداقية وشفافية هذا الملتقى.
وعلى إثر ذلك، قابلت “القدس العربي”الشخصيتين التي ذكرت وسائل الإعلام أخباراً تفيد باستبعادهما، وكان أولهما رئيس رابطة ضحايا مجزرة أبوسليم التي قتل فيها القذافي 1200 شخص في يوم واحد، فضلاً عن كونه رمزاً من رموز الثورة الليبية، وعضو بالمجلس الوطني الانتقالي سابقاً فتحي تربل، وقال إنه التقى في وقت سابق بعضو المجلس الرئاسي عبد الله اللافي الذي أخبره بقرب انعقاد مؤتمر عن المصالحة، وبرغبتهم في إشراكه ضمن الحاضرين، مضيفاً أنه أبدى موافقته على الفور وزودهم برقم الهاتف الخاص به، إلا أنه تفاجأ بأخبار انعقاد الملتقى دون التواصل معه مع أنه يمثل فئة كبيرة، وهو ضحايا مجزرة سجن أبوسليم على الأقل.
وتابع تربل أنه قد تم استثناء تيار فبراير بشكل كامل من الحضور في الملتقى فضلاً عن استثناء مهجري مدينة بنغازي الفئة التي تمثل خمسين ألف عائلة مهجرة منذ سنوات دون رجوع، موضحاً أن معايير اختيار التمثيل للتيارات المتصارعة كانت غير واضحة نهائياً في الملتقى، وجعلت الشكوك تحوم حول رغبة المجلس الرئاسي في إرضاء تيار سبتمبر دون غيره خلال هذا الملتقى.
وأضاف أن اعتراض أهالي ضحايا أبوسليم عن شكل التمثيل في المؤتمر دعا المجلس الرئاسي لمخاطبتهم لإرسال ممثل واحد عنهم رغم أن عدد الحاضرين في المؤتمر قد فاق المئة، وقد كان توقيت المخاطبة متأخراً جداً وبعد فوات الأوان، مستنكراً عدم إبداء المجلس لأي رد فعل بعد اعتراض تيار سبتمبر عن النشيد والعلم، موضحاً أن نشيد ليبيا وعلمها شأن دستوري وسيادي خاص ولا يحق لأحد الاعتراض عليه.
وأردف تربل أن هذا النوع من الملتقيات يجب أن يضم الجميع بشكل متساو وبدون استثناء حتى لا تتهم الجهة المنظمة للمؤتمر بالانحياز لطرف دون آخر وبترضية طرف على حساب أخر، فضلاً عن ضرورة عدم استثناء تيار فبراير لأن المصالحة لن تتم بطريقة صحيحة ومتوازنة في ظل غيابه، لأنه كان صاحب زمام المبادرة في التغيير قبل سنوات، وهو الطرف المخاصم من قبل تيار سبتمبر والمرفوض. ثاني الشخصيات التي تداولت وسائل إعلام محلية نبأ استبعادها هو عضو المجلس الانتقالي سابقاً ورمز آخر من رموز ثورة السابع عشر من فبراير المحامية انتصار العقيلي، التي قالت إنه «في كانون الثاني/ يناير 2022 تم ترشيحي من قبل السيد موسى الكوني بصفته عضو المجلس الرئاسي لعضوية اللجنة القانونية لإعداد قانون المصالحة الوطنية، وبالفعل تم التواصل معي وحضور الاجتماعات، ولكن بعد ذلك تم استبعادي بطريق غير مباشر من هذه اللجنة رغم تواصلي المتكرر والاستفسار عن عمل اللجنة حتى تفاجأت بالإعلان عن انطلاق مؤتمر المصالحة، وكذلك إتمام أعمال اللجنة القانونية» الأمر الذي يؤكد صحة المتداول.
وتابعت العقيلي أنها لا تعلم سبب استبعادها، إلا أن الواضح أن هذا الاستبعاد جاء ترضية لتيار سبتمبر كونها تمثل تيار فبراير، مضيفة أنه «في كل مرة كانت تتواصل وتستفسر يكن مجرد ردود دون تنفيذ».
وختمت العقيلي أن تيار سبتمبر رفض العلم والنشيد، فكيف له أن يرضى بمن يمثل تيار فبراير، منتقدة تجاهل الملتقى لفئة مهمة جداً، وهم مهجرو بنغازي والشرق الليبي بصفة عامة، فلم يشملهم المؤتمر ولم تتم دعوتهم.
ورغم أن «القدس العربي» حاولت أن تحصل على رد من الناطقة باسم المجلس الرئاسي نجوى وهيبة، حول هذه الأخبار إلا أنها تحدثت بشكل عام عن المؤتمر، حيث قالت إن المجلس الرئاسي وجه دعوة لكل القوى السياسية والإعلامية في ليبيا لتشارك بممثلين ومشاركين في الملتقى التحضيري لمؤتمر المصالحة الوطنية الذي عقده المجلس.
وتابعت أنهم يتوقعون وجود تنوع وتباينات داخل كل رأي سياسي، مشددة على حرص المجلس على مشاركة وإشراك الجميع دون أي إقصاء.
وأضافت وهيبة أن انسحاب عدد من ممثلي سيف الإسلام القذافي حدث في الافتتاح فقط، وربما هم الأجدر بتوضيح سبب انسحابهم، حسب قولها، إلا أنها استدركت قائلة إنهم كانوا حاضرين وبفعالية في لجان العمل والنقاش ووضع الصياغات والتوافقات الخاصة بعدد من القضايا الخلافية التي هي جزء من مسار المصالحة.
وأردفت وهيبة أن الملتقى، وكما قال عضو المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، يوم الافتتاح، أحد أهدافه هو استعادة الثقة على مستويات عدة سواء ثقة الليبيين في قدرتهم على الخروج بحلول داخلية بأنفسهم وليس من الخارج، أو ثقتهم في بعضهم، أو ثقتهم في مؤسساتهم ودورها في استعادة السلام.
وأوضحت أن هذا الهدف تحقق جزئياً عبر ما رأيناه من انخراط وتفاعل بنّاء بين المشاركين، معلنة أن الملتقى سيخرج بتوصيات متعددة حول عدد من القضايا الخلافية في مسار المصالحة كالعدالة الانتقالية وشواغل الهوية وغيرها.
وختمت وهيبة قائلة إن التوصيات سترفع للمؤتمر الجامع الأول للمصالحة، الذي ستقوده لجنة منبثقة عن ملتقى اليوم، مؤكدة أن المجلس الرئاسي حريص على أن تكون ملكية ملف المصالحة لليبيين أنفسهم دون إقصاء أو أحكام مسبقة.
وسبق للمجلس الرئاسي أن أعلن، في بيان، أن أكثر من 140 مشاركاً من جميع الأطراف والمكونات والمناطق الليبية ناقشوا قضايا مندرجة تحت مبحث الرؤية الاستراتيجية وهي الهوية الوطنية والعدالة الانتقالية والحكم الوطني واللامركزية والأمن الوطني.
وانطلقت فعاليات الملتقى التحضيري لمؤتمر المصالحة الوطنية، الأحد، وتواصل حتى الخميس، بحضور رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، وممثلين عن الاتحاد الأفريقي وعدد من السفراء المعتمدين لدى ليبيا وأعضاء من مجلسي النواب والدولة والمشايخ والأعيان من مختلف مناطق ليبيا.
المصدر: القدس العربي
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا اليوم عبر موقع أفريقيا برس




