أفريقيا برس – ليبيا. قال الجنرال الأميركي المتقاعد جيمس إل. جونز، إن ليبيا تمثل اليوم “اختبارًا استراتيجيًا حاسمًا” لمدى استعداد الولايات المتحدة للقيام بدور قيادي في منطقة البحر المتوسط، محذرًا من أن استمرار السياسة الأميركية الحالية القائمة على الانكفاء يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لملء الفراغ.
وفي مقال نشرته صحيفة جيروزاليم استراتيجيك تريبيون، اعتبر جونز، الذي شغل منصب المستشار السابق للأمن القومي الأميركي والقائد الأسبق للقيادة الأوروبية الأميركية، أن ليبيا ظلت على مدى أكثر من عقد نموذجًا لتدخل دولي غير مكتمل، حيث تحررت من نظام سلطوي لكنها لم تنجح في بناء دولة مستقرة ذات مؤسسات أمنية موحدة وقادرة على فرض سيادتها.
وأضاف أن تداعيات الأزمة الليبية لم تعد محصورة داخل حدود البلاد، بل انعكست على أمن البحر المتوسط بأكمله، من خلال تصاعد الهجرة غير النظامية، وتزايد التنافس الجيوسياسي، وتنامي النفوذ الخارجي على حساب الاستقرار الإقليمي، خاصة على الجناح الجنوبي لحلف الناتو.
وأوضح جونز أن الجهود الدولية التي ركزت خلال السنوات الماضية على المسارات السياسية وتنظيم الانتخابات ووقف إطلاق النار، أخفقت بسبب غياب بنية أمنية وطنية موحدة، مشددًا على أن “الدولة تبدأ من الأمن”، وأن أي عملية سياسية لا يمكن أن تنجح في ظل تعدد القوى المسلحة وغياب قيادة عسكرية مركزية.
واعتبر أن شرق ليبيا الذي يخضع لسيطرة مليشيات حفتر يشهد درجة من السيطرة الأمنية مقارنة بمناطق أخرى من البلاد، وهو ما يفرض – بحسب قوله – التعامل مع الوقائع الميدانية بدل تجاهلها، دون أن يعني ذلك تبرير ممارسات سابقة أو الانحياز لطرف بعينه.
وأكد جونز أن “الانخراط لا يعني التأييد، بل هو وسيلة للنفوذ”، محذرًا من أن امتناع واشنطن عن التواصل مع الأطراف المسيطرة فعليًا على الأرض سيمنح قوى إقليمية ودولية أخرى فرصة توسيع حضورها العسكري والسياسي والاقتصادي في ليبيا.
وحدد الجنرال الأميركي المتقاعد أربعة أسباب تجعل ليبيا قضية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة: منع عودة التنظيمات المتطرفة، والحفاظ على استقرار الحلفاء الأوروبيين في مواجهة الهجرة غير النظامية، وضمان أمن إمدادات الطاقة، والحد من تمدد المنافسين الدوليين على السواحل الجنوبية للمتوسط.
ودعا جونز الإدارة الأميركية إلى تبني سياسة أكثر فاعلية تقوم على تعيين مبعوث رفيع المستوى لتنسيق الجهود بين المؤسسات الأميركية والعمل الوثيق مع الحلفاء الأوروبيين، مع تحويل أولوية الدبلوماسية من المسارات السياسية وحدها إلى توحيد القطاع الأمني بوصفه مدخلًا أساسيًا لتحقيق المصالحة الوطنية.
كما شدد على ضرورة الانخراط المدروس مع القوى الأمنية القائمة في شرق وغرب ليبيا بهدف دمجها تدريجيًا في إطار وطني موحد يخضع لسلطة مدنية، بدل استمرار وجود مؤسسات موازية تعمّق الانقسام.
وختم جونز بالقول إن استمرار حالة الجمود سيؤدي إلى ترسيخ واقع الانقسام وفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية، معتبرًا أن “القيادة الأميركية لا تعني التدخل العسكري المباشر، بل تعني توجيه الجهود الدولية نحو بناء دولة ليبية موحدة وقادرة على بسط سيادتها”.





