محمد ديحاني
أفريقيا برس – الصحراء الغربية. إرسال رئيس الجمهورية الصحراوية الأخ إبراهيم غالي لوزير خارجيته محمد يسلم بيسط إلى واشنطن في هذا الشهر ليس تفصيلاً بروتوكولياً يمكن المرور عليه عرضاً، بل هو في ذاته رسالة سياسية واضحة المعنى: القيادة الصحراوية أرادت أن تقول لواشنطن، وللعالم من ورائها، إن موضوع الزيارة ليس تسييراً إدارياً لملف ثانوي، بل يتعلق بجوهر القضية الصحراوية: حق الشعب في تقرير المصير والاستقلال، وأن الطرف المفاوِض هو “دولة” تتشبث بسيادتها، لا “جماعة محلية” تبحث عن فتات صلاحيات تحت سقف احتلال مفروض.
على مستوى الدلالة، لو كانت جبهة البوليساريو في وارد قبول أي حل يُختزل في ترتيبات “حكم ذاتي” تحت السيادة المغربية، أو مجرد تحسين شروط إدارة الاحتلال، لاكتفت بإرسال وفد تقني أو مستوى أدنى من القيادة السياسية، وربما لجعلت الأمم المتحدة هي الواجهة الظاهرة للتحرك.
اختيار وزير الخارجية، ومعه الممثل لدى الأمم المتحدة والممثل في واشنطن، يعني أن الجبهة تتعامل مع هذه الجولة باعتبارها امتداداً لمسار الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، لا تراجعاً عنه.
هذا المستوى من التمثيل ترجمة عملية لخطاب سياسي ظل ثابتاً: لا تنازل عن جوهر الحق، مع استعداد للتفاوض حول الصيغ، شرط أن تبقى مرجعية الاستقلال وتقرير المصير هي الإطار الأعلى.
المفارقة أن كثيراً من “الروايات” التي سرت حول ما جرى في واشنطن جاءت أساساً من تسريبات منسوبة إلى مصادر في الرباط، أو “مصادر دبلوماسية” لا تُعرَّف إلا بوصفها قريبة من الدوائر المغربية، ثم جرى تدويرها في وسائل إعلام دولية مقيمة فعلياً في العاصمة المغربية وتتحرك في فضائها الأمني والسياسي.
هذا النمط من التسريب معروف لدى الصحفيين المخضرمين: مراسل أجنبي يقيم في الرباط، يتردد على نفس المطاعم والفنادق والصالونات والحانات التي يرتادها مسؤولون وأمنيون ودبلوماسيون، يُمنح من حين لآخر “سبقاً” على شكل رواية جاهزة عن كواليس اجتماع أو لقاء، فيسارع إلى نشرها دون تمحيص كافٍ، ثم تُعاد ترجمتها وتضخيمها وكأنها “حقيقة دولية”.
لا يمكن التعامل مع هذه “التسريبات” بوصفها وقائع ثابتة.
كل ما قيل عن أن الوفد الصحراوي “قُدم له إنذار بثلاثة خيارات”، أو أنه “قبل ضمنياً بمناقشة الحكم الذاتي كحل وحيد”، أو أنه “وُضع تحت تهديد التصنيف الإرهابي”، يظل في خانة الإشاعات ما لم يصدر عن جهة رسمية بيان او تصريح.
الصمت الذي أعقب الزيارة ليس دليلاً على صحة الرواية المغربية، بل قد يكون، بالعكس، علامة على أن الوفد يدرس ما عُرض عليه ضمن رؤية شاملة، وأن القيادة تختار أن تتحدث في الوقت المناسب، بصوتها هي، لا عبر تسريبات خصومها.
تحليل سلوك جبهة البوليساريو في السنوات الأخيرة يؤكد أنها لم تذهب إلى واشنطن في موقع المستسلم، بل في موقع الطرف الذي يرفع سقف الورقة السياسية بالتوازي مع استمرار الكفاح الميداني.
الجبهة لم تُعلن في أي لحظة، لا قبل الزيارة ولا بعدها، قبولها بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأفق نهائي.
على العكس، الخطاب الرسمي ظل يكرر أن أي مفاوضات يجب أن تُبنى على الاعتراف المسبق بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وأن الجبهة لا تملك أصلاً صلاحية التفاوض حول مبدأ هذا الحق، لأنه ملك للشعب لا للنخبة القيادية.
هذا الموقف المبدئي يجعل من الصعب منطقيّاً تصديق روايات تُصوِّر الوفد وكأنه ذهب ليوقع على نهاية المشروع الاستقلالي.
إرسال وزير الخارجية بالذات يحمل أيضاً بعداً آخر: تذكير للولايات المتحدة بأن الطرف الصحراوي ليس مجرد “حركة مسلحة” بل كيان سياسي مؤسساتي له حكومة وهيئات تمثيلية وعلاقات دبلوماسية مع عشرات الدول والاتحادات القارية.
الوزير الذي يتنقل بين عواصم العالم، ويشارك في قمم الاتحاد الأفريقي وحركة عدم الانحياز، ويُستقبل بصفته ممثلاً لدولة، حين يذهب إلى واشنطن فهو لا يذهب ليطلب امتيازات بل ليعيد طرح ملف شعب ما يزال على قائمة تصفية الاستعمار الأممية.
بهذا المعنى، مستوى التمثيل نفسه فعل مقاومة رمزية ضد محاولة اختزال القضية في “ملف جهوي” داخل الدولة المغربية.
اللافت أن معظم “القصص” التي رُويت عن الاجتماعات ركزت على ما يريده المغرب أو ما تريده واشنطن، بينما غابت تماماً رواية ما طرحه الوفد الصحراوي نفسه.
لم نقرأ في تلك التسريبات مثلاً كيف ذكّر الوفد بالقرارات الأممية السابقة التي تنص بوضوح على حق تقرير المصير، ولم نسمع كيف ناقش خيار “الاتفاق الحر” الذي يجمع بين الاعتراف بسيادة الشعب الصحراوي وتفاوضه الحر على شكل العلاقة مع المغرب.
كل التركيز انصب على تصوير اللقاء كمسرح لإملاءات أمريكية على طرف ضعيف، دون أي اعتراف بأن الجبهة ما زالت تمتلك هامش رفض ومقاومة.
هذا التحيز في السرد ليس بريئاً.
حين تُهمّش رؤية صحراوية مدروسة لصالح رواية أحادية المصدر، يتحول الإعلام الدولي إلى أداة لتطبيع خطاب الاحتلال، وإلى شريك في محاولة خلق انطباع عالمي بأن القضية حُسمت وأن ما تبقى مجرد ترتيبات تقنية.
من هنا تأتي أهمية التشديد على أن أي حديث عن “قبول” أو “تراجع” صحراوي يبقى بلا قيمة سياسية وأخلاقية ما لم يصدر في شكل بيان رسمي أو خطاب واضح من القيادة، يواجه به الشعب والرأي العام الدولي، لا عبر همسات في صالونات الرباط.
النقد هنا لا يطال فقط الإعلام القريب من المغرب، بل أيضاً جزءاً من الصحافة الدولية التي تقبل، عن وعي أو عن جهل، لعب دور قناة لرسائل أجهزة استخباراتية.
حين يكتفي مراسل أجنبي بجلسة عشاء مع “مصدر دبلوماسي” واحد ليكتب مقالاً عن “ما جرى في واشنطن”، دون أن يسعى للحصول على تعليق من الطرف الصحراوي أو من دوائر أممية مستقلة، فهو لا يمارس الصحافة بل يشارك في صناعة دعاية سياسية، حتى لو تصور أنه يسبق الآخرين في “الأخبار الحصرية”.
من زاوية صحراوية، الموقف المنطقي اليوم هو التعامل مع كل هذه الروايات بكثير من الحذر.
إلى أن يصدر عن الجبهة توضيح رسمي، تبقى كل الأحاديث عن “شروط أمريكية قاسية” و”خيارات ثلاثة” مجرد جزء من حرب نفسية تهدف إلى كسر معنويات الصحراويين، ودفعهم إلى الاعتقاد بأن قيادتهم استسلمت أو ستستسلم قريباً.
الرد على هذه الحرب النفسية لا يكون بالانجرار وراء ردود فعل انفعالية، بل بالتشبث بمرجعية واضحة: الحق في الاستقلال لا يسقط بالتقادم ولا بالضغوط، وأي مفاوضات لا تستند إلى هذا الحق تبقى ناقصة شرعياً مهما حظيت من دعم دولي.
في المقابل، لا يعني هذا إنكار أن ميزان القوى الدولي يميل اليوم بشكل واضح ضد المشروع الاستقلالي.
اعترافات متتالية، قرار أممي منحاز، ضغوط أمريكية وأوروبية، كلها وقائع لا يمكن تجاهلها.
لكن تحويل هذه الوقائع إلى “قدر لا يُرد” هو بالضبط ما تريده الرواية المغربية.
هنا تكمن أهمية قراءة ما جرى في واشنطن كحلقة في صراع طويل، لا كنهاية القصة.
وفد من هذا المستوى لا يُرسل ليوقّع على الإعدام و الإبادة، بل ليختبر النيات، ويفتح مساحات، ويكسب وقتاً مع الحفاظ على الخط الأحمر: هوية الشعب وحقه.
الخلاصة ان إرسال وزير الخارجية الصحراوي إلى واشنطن هو في ذاته إعلان بلسان الفعل لا القول أن الجبهة ما زالت ترى نفسها ممثلاً لشعب يسعى إلى الاستقلال، لا وسيطاً على حكم ذاتي داخل دولة أخرى.
وأن كل ما يُروّج من تسريبات عن تنازلات كبرى يبقى، إلى أن يثبت العكس بوثيقة رسمية، مجرد إشاعات تخدم أجندة الاحتلال.
في هذه اللحظة الدقيقة، يحتاج الصحراويون إلى يقظة سياسية وإعلامية: عدم التسرع في تصديق كل ما يُنشر، ومطالبة قيادتهم بتوضيح رسمي في الوقت المناسب، مع الحفاظ على بوصلة واضحة: المفاوضات تكتيك، لكن الحق في الحرية والاستقلال هو الأصل الذي لا يُقايض.
الجسم الإعلامي الصحراوي الدولي خصوصا:يجب اعادة بناء جسم صحفي حقيقي يكون صاحب المبادرة ويعلم خبايا هذا العالم النافذ وهذا لا يمكن إلا بدعم حقيقي مادي ومعقول وبصلاحيات موسعة في المجال، ولا أتحدث هنا عن جمعيات التضامن مع الشعب الصحراوي (مرهقة بكثرة المشاريع المختلفة)،بل جمعيات مختصة و بمؤهلات و ادوات جديدة، النهج السابق و الحالي خطا قاتل.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الصحراء الغربية عبر موقع أفريقيا برس





