نزوح كردفان يتمدد إلى أم درمان ويضاعف الأزمة الإنسانية

20
نزوح كردفان يتمدد إلى أم درمان ويضاعف الأزمة الإنسانية
نزوح كردفان يتمدد إلى أم درمان ويضاعف الأزمة الإنسانية

أفريقيا برس – السودان. وصلت دفعة جديدة من النازحين إلى منطقة إسكان الصفوة في أقصى غربي أم درمان، قادمة من منطقة سودري بولاية شمال كردفان، بعد رحلة نزوح شاقة فرضتها المعارك وتدهور الأوضاع الأمنية. وتضم الدفعة نحو 1700 شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، وفق حكومة الولاية، في موجة جديدة تكشف اتساع دائرة الحرب من مناطق القتال إلى المدن التي تحولت إلى ملاذات للمدنيين الفارين.

لكن الوصول إلى أم درمان لا يعني نهاية المعاناة. فالنازحون الذين تمكنوا من الفرار من خطر القتال يجدون أنفسهم أمام أزمة أخرى تتعلق بالغذاء والمياه والرعاية الصحية والمأوى، في ظل محدودية الموارد وتزايد أعداد الوافدين إلى مناطق غربي المدينة.

وتقول إحدى النازحات القادمة من شمال كردفان إن أسرتها غادرت سودري في ظروف بالغة الصعوبة، من دون أن تتمكن حتى من حمل الملابس والأغراض الأساسية. ولم تكن الرحلة إلى أم درمان أكثر أمانًا، إذ تعرض النازحون أثناء الطريق للتوقيف من قوة تابعة لقوات الدعم السريع، الأمر الذي زاد من حالة الخوف التي رافقتهم منذ مغادرتهم مناطقهم.

وبعد نحو أسبوع من وصولها إلى إسكان الصفوة، وجدت النازحة نفسها أمام سؤال أكثر إلحاحًا: كيف توفر الطعام والمياه لأطفالها؟ وتقول إن المساعدات التي وصلت إلى المنطقة محدودة، وإن الأسر النازحة أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على ما يقدمه السكان المحليون.

المياه تتحول إلى أزمة يومية

وتبرز المياه باعتبارها واحدة من أكثر المشكلات إلحاحًا بالنسبة إلى النازحين. فالانقطاع المتكرر يجبر بعض الأسر على شراء المياه، وهو أمر يفوق قدرة كثير من العائلات التي وصلت إلى المنطقة من دون مدخرات أو مصادر دخل.

وفي ظل محدودية الإمدادات، تعتمد الأسر الأشد فقرًا على ما توفره الجيرة والمساعدات المحلية. ومع استمرار تدفق النازحين، لا يتعلق الأمر فقط بتلبية احتياجات القادمين الجدد، وإنما بقدرة المجتمعات المضيفة نفسها على تحمل ضغط إضافي على مصادر المياه والغذاء والخدمات.

وتحذر المنظمات الإنسانية من أن النزوح المتكرر يضاعف الاحتياجات في المناطق المستقبلة، لأن الأسرة التي تصل إلى منطقة أكثر أمنًا لا تصل بالضرورة إلى مكان قادر على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.

من جحيم القتال إلى جحيم الاحتياجات

وتروي نازحة أخرى وصلت إلى إسكان الصفوة برفقة أطفالها الأربعة أن قرار مغادرة منزلها لم يكن اختياريًا، وأن الظروف الأمنية دفعتها إلى الرحيل. وتقول إن أصعب ما واجهته خلال الطريق كان الخروج مع الأطفال وسط مستقبل مجهول، قبل أن تبدأ بعد الوصول معركة جديدة لتأمين الطعام والاحتياجات الأساسية.

وتعتمد أسرتها، مثل أسر أخرى، على مساعدات محدودة يقدمها سكان المنطقة. غير أن هذه المساعدات، على أهميتها، لا تستطيع أن تعوض غياب الاستجابة الإنسانية المنتظمة، خصوصًا مع تزايد أعداد النازحين واستمرار وصول أسر جديدة من مناطق مختلفة.

وتكشف هذه الشهادات جانبًا أساسيًا من أزمة النزوح في السودان: فالفرار من منطقة القتال لا ينهي الأزمة، وإنما ينقلها إلى منطقة أخرى. وكلما طال أمد الحرب، تحولت مناطق الاستقبال إلى نقاط ضغط جديدة، تتراكم فيها احتياجات الغذاء والمياه والصحة والتعليم والمأوى.

آلاف النازحين في غرب أم درمان

لم تكن الأسر القادمة من سودري أول من يصل إلى إسكان الصفوة. فالمنطقة تستضيف آلاف النازحين الذين فروا خلال مراحل مختلفة من الحرب من الجنينة والفاشر والنهود وسودري ومناطق أخرى في دارفور وكردفان.

وتقول أسر نازحة وصلت إلى المنطقة قبل الوافدين الجدد إن المساعدات التي حصلت عليها كانت محدودة ومتقطعة، ولا تتناسب مع حجم الاحتياجات. ومع استمرار النزوح، أصبح توفير الدعم الإنساني أكثر إلحاحًا، خصوصًا أن غالبية الأسر فقدت مصادر دخلها أو ممتلكاتها خلال رحلة الفرار.

وهنا تتسع المشكلة من أزمة نزوح إلى أزمة قدرة على الاستيعاب. فالمناطق التي كانت توفر الحد الأدنى من الخدمات لسكانها باتت مطالبة باستقبال آلاف الأشخاص الإضافيين، في وقت تعاني فيه البنية الأساسية أصلًا من آثار الحرب ونقص الموارد.

219 ألف نازح من كردفان

وتعكس الأرقام حجم التحول الجاري في خريطة النزوح السودانية. فوفق بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، نزح نحو 219,319 شخصًا من إقليم كردفان خلال الفترة بين 25 أكتوبر 2025 و23 يونيو 2026، وسُجلوا في أكثر من ألف موقع موزعة على 89 محلية و14 ولاية سودانية.

وكانت المنظمة قد حذرت في يوليو من أن عدد النازحين الجدد من كردفان ارتفع بنحو 65% بين فبراير وأواخر يونيو 2026، في مؤشر على تسارع حركة النزوح مع تصاعد العمليات العسكرية في الإقليم. كما أشارت إلى وجود ما يقرب من مليون نازح في مناطق كردفان نفسها، ما يجعل الإقليم واحدًا من أبرز مراكز النزوح في السودان.

ولا تقتصر المشكلة على حركة السكان. فالنزوح الجماعي يضع المدن المستقبلة أمام اختبار يتعلق بقدرتها على توفير الغذاء والمياه والخدمات الصحية والمأوى. وقد حذر برنامج الأغذية العالمي في يوليو من تدهور سريع في الوضع الإنساني بمدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، مع وصول أعداد متزايدة من النازحين، مشيرًا إلى ندرة الغذاء والوقود والمياه وتجاوز بعض مراكز الاستضافة طاقتها الاستيعابية.

أزمة تتجاوز الغذاء والمأوى

وتزداد خطورة الوضع عندما تتزامن حركة النزوح مع ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي. فقد حذرت وكالات الأمم المتحدة في مايو 2026 من أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، مع وجود بؤر تعاني ظروفًا كارثية ومخاطر متزايدة للمجاعة في عدد من المناطق.

ويعني ذلك أن النازحين القادمين إلى أم درمان لا يواجهون فقط مشكلة العثور على مكان للإقامة، وإنما يصلون إلى بيئة اقتصادية وإنسانية مضغوطة أصلًا. وكل موجة نزوح جديدة ترفع الطلب على الغذاء والمياه والرعاية الصحية في وقت تتراجع فيه قدرة الأسر والمجتمعات المحلية على تحمل الأعباء.

ومن هنا تبدو المساعدات التي يقدمها السكان المحليون مهمة في إنقاذ الأسر النازحة على المدى القصير، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلًا عن استجابة إنسانية منظمة ومستدامة.

تحرك حكومي أمام اتساع الاحتياجات

وفي محاولة للاستجابة للوضع الجديد، وجه والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة وزارة التنمية الاجتماعية ومحلية أم درمان بالبدء في توفير الخدمات اللازمة للأسر الوافدة من سودري إلى غربي أم درمان.

وتشمل التوجيهات تهيئة بيئة صحية مناسبة، وتنظيم مخيم علاجي مجاني، وتوفير الأدوية للمرضى المصابين بأمراض مزمنة، مع إعطاء الأطفال وكبار السن أولوية خاصة، إلى جانب استمرار الإمداد الغذائي للنازحين.

غير أن التحدي لا يتعلق فقط بسرعة الاستجابة، بل باستمراريتها. فالوصول المتكرر لنازحين جدد يعني أن الاحتياجات لن تتوقف عند الدفعة الحالية، وأن أي استجابة مؤقتة قد تصبح غير كافية إذا استمرت العمليات العسكرية في كردفان.

النزوح كعنوان جديد للحرب

تكشف موجة النزوح من سودري إلى أم درمان أن الحرب السودانية لا تقاس فقط بخطوط الجبهات والسيطرة على المدن، وإنما أيضًا بحركة المدنيين الذين تدفعهم المعارك إلى تغيير أماكن إقامتهم مرارًا.

فالنازح الذي يغادر منطقة القتال بحثًا عن الأمان قد يجد نفسه بعد أيام أمام نقص المياه والغذاء والدواء، ثم يصبح مضطرًا للاعتماد على مجتمع مضيف يعاني بدوره من نقص الموارد.

وبذلك تتحول أم درمان ومناطق أخرى تستقبل الفارين من الحرب إلى جزء من المعركة الإنسانية، لا لأنها تشهد بالضرورة القتال نفسه، وإنما لأنها تتحمل تبعاته الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية.

ومع استمرار النزوح من كردفان ودارفور، فإن وصول 1700 شخص جديد إلى إسكان الصفوة لا يمثل مجرد حركة سكانية عابرة، بل مؤشرًا إضافيًا على أن الأزمة الإنسانية في السودان تتوسع جغرافيًا، وأن السؤال لم يعد فقط: أين يستطيع المدنيون الهروب من القتال؟ بل أيضًا: إلى أين يمكنهم الذهاب، ومن يستطيع توفير الحد الأدنى من الحياة لهم بعد الوصول؟

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here