الجيش يتقدم ميدانيًا والدعم السريع يردّ بالمسيّرات

19
الجيش يتقدم ميدانيًا والدعم السريع يردّ بالمسيّرات
الجيش يتقدم ميدانيًا والدعم السريع يردّ بالمسيّرات

أفريقيا برس – السودان. تدخل الحرب في السودان مرحلة جديدة تتزامن فيها التحولات الميدانية على الأرض مع تصعيد متزايد في حرب الطائرات المسيّرة، في وقت يواصل فيه الجيش السوداني تعزيز مواقعه في عدد من الجبهات، ولا سيما في شمال كردفان، بينما تحاول قوات الدعم السريع تعويض الضغوط الميدانية عبر توسيع نطاق الهجمات الجوية واستهداف المدن والمواقع الحيوية.

وتبرز مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، في قلب هذا التحول، باعتبارها عقدة عسكرية ولوجستية رئيسية في وسط البلاد، وموقعًا يتقاطع عنده الصراع على الطرق والإمدادات مع المعركة الأوسع حول مستقبل السيطرة على كردفان.

وشهدت الأبيض، الأربعاء، هجومًا بطائرات مسيّرة، قالت مصادر عسكرية إن قوات الدعم السريع شنته، بينما تمكنت الدفاعات الأرضية من إسقاط عدد من المسيّرات قبل بلوغ أهدافها.

وأدى سقوط إحدى المسيّرات داخل مقر مدني في منطقة السوق الكبير إلى أضرار مادية كبيرة، فيما أفادت مصادر طبية بمقتل مدنيين اثنين وإصابة ستة آخرين.

وجاء الهجوم بعد أيام من استهداف منشآت حيوية في المدينة، بينها مرافق مرتبطة بالكهرباء والوقود والمياه، في مؤشر على أن الضغط العسكري لا يستهدف القوات الموجودة على خطوط التماس فقط، وإنما يمتد إلى البنية التحتية التي تعتمد عليها المدينة في استمرار الحياة اليومية.

الأبيض.. أكثر من عاصمة إقليمية

تكتسب الأبيض أهميتها من موقعها الجغرافي الذي يجعلها حلقة وصل بين وسط السودان وغربه وشماله، فضلًا عن كونها مركزًا إداريًا واقتصاديًا وعسكريًا مهمًا.

وخلال الأسابيع الماضية، عزز الجيش مواقعه في محيط المدينة واستعاد مواقع وطرقًا مهمة، من بينها بارا وأم قرفة وجبرة الشيخ، وهي مناطق تمنحه قدرة أكبر على التحكم في الحركة بين الأبيض والمناطق الواقعة شرقًا.

وتبرز أهمية ما يعرف بـ”طريق الصادرات” بصورة خاصة، إذ يمثل أحد المسارات الرئيسية التي يمكن من خلالها ربط الأبيض بمحاور أم درمان والخرطوم. والسيطرة على هذا الطريق لا تعني فقط اختصار المسافات، بل تمنح الجيش هامشًا أوسع للمناورة ونقل القوات والإمدادات.

وبذلك تتحول معركة شمال كردفان إلى معركة على الجغرافيا بقدر ما هي معركة عسكرية؛ فالطرف الذي يسيطر على الطرق يستطيع التأثير في حركة القوات والوقود والذخيرة والمواد الغذائية، وبالتالي في قدرة الخصم على الاستمرار في القتال.

المسيّرات.. سلاح التعويض

في مقابل التقدم البري للجيش، تبدو قوات الدعم السريع أكثر اعتمادًا على الطائرات المسيّرة، خصوصًا في استهداف المناطق التي يصعب الوصول إليها بقوات برية مباشرة.

وهذا التكتيك يسمح للقوة المهاجمة بإبقاء مدن ومواقع عسكرية بعيدة عن خطوط القتال تحت التهديد، من دون الحاجة إلى السيطرة عليها ميدانيًا.

وخلال الفترة الأخيرة، امتدت الهجمات إلى أم درمان والخرطوم بحري، كما طالت الأبيض وعطبرة والدامر، وهو ما يعكس اتساع المسافة التي تستطيع المسيّرات الوصول إليها.

وتحمل هذه الاستراتيجية هدفين متداخلين: الأول إلحاق خسائر مباشرة بالقوات والمنشآت، والثاني إجبار الجيش على توزيع قدراته الدفاعية وحماية عدد أكبر من المدن والمواقع بدل تركيز قواته في الجبهات التي يحقق فيها تقدمًا بريًا.

وبهذا المعنى، فإن المسيّرات أصبحت أداة لـ”تشتيت الانتصار البري”، إذ يمكن أن يحقق الجيش مكاسب على الأرض، لكنه يظل مضطرًا إلى الاحتفاظ بموارد عسكرية ودفاعية لحماية المناطق التي أصبحت خلف خطوطه.

تعدد الجبهات

لا تقتصر استراتيجية الدعم السريع على الهجمات الجوية، بل تتزامن مع محاولات لإبقاء الجيش أمام تحديات متعددة في مناطق مختلفة.

وتكتسب جبهات النيل الأزرق والمناطق الحدودية أهمية خاصة في هذا السياق، إلى جانب التطورات المتواصلة في دارفور.

كما أن التقارب بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية ـ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، ضمن تحالف “تأسيس”، يفتح نظريًا المجال أمام توزيع الضغط على الجيش عبر محاور جغرافية متباعدة.

لكن طبيعة هذه التحالفات وتطورها على الأرض تظل متغيرة، ولذلك فإن تأثيرها العسكري الفعلي يعتمد على مدى قدرتها على التنسيق وتوفير خطوط إمداد مستقرة.

دارفور ومعركة الإمدادات

في غرب السودان، تتخذ الحرب طابعًا مختلفًا، إذ ترتبط السيطرة على الأرض بالتحكم في طرق الإمداد العابرة للحدود.

ويحاول الجيش الحد من قدرة الدعم السريع على تثبيت نفوذه في دارفور وتأمين طرق الإمداد القادمة من جهة تشاد، بينما تسعى قوات الدعم السريع إلى الحفاظ على الممرات التي تمكنها من نقل المقاتلين والأسلحة والوقود وتعزيز مواقعها في الإقليم.

وهنا تلتقي معركة دارفور مع معركة كردفان؛ فكل تقدم أو تراجع في إحدى المنطقتين يمكن أن يؤثر في الأخرى، لأن السيطرة على الطرق والممرات تحدد قدرة كل طرف على نقل موارده بين ساحات القتال.

هل يتغير ميزان الحرب؟

تكشف التطورات الأخيرة عن مفارقة أساسية في الحرب السودانية: الجيش يبدو أكثر قدرة على تحقيق مكاسب برية في بعض المحاور، بينما يحاول الدعم السريع تعويض ذلك بقدرة أكبر على شن ضربات بعيدة المدى.

لكن هذا لا يعني أن كثافة الهجمات بالمسيّرات تكفي وحدها لتغيير ميزان السيطرة. فالسيطرة العسكرية المستدامة تحتاج إلى قوات على الأرض، وقدرة على حماية الطرق والمنشآت وإدارة المناطق التي يتم الاستيلاء عليها.

في المقابل، لا يمكن التقليل من أثر المسيّرات؛ فهي قادرة على رفع تكلفة أي تقدم للجيش، وإرباك خطوط الإمداد، وإبقاء المدن الواقعة خلف الجبهات في حالة تهديد مستمر.

والأخطر أن انتقال الهجمات إلى عطبرة والدامر، إلى جانب تجدد استهداف أم درمان والخرطوم بحري، يعني أن العمق الجغرافي للحرب يتوسع تدريجيًا.

وبذلك لم تعد المعركة السودانية محصورة في خطوط تماس واضحة، بل أصبحت حربًا متعددة الطبقات: تقدم بري للسيطرة على المدن والطرق، وضربات مسيّرة لاستنزاف الخصم، وصراع على خطوط الإمداد، ومحاولات لفتح جبهات جديدة.

وفي هذه المعادلة، تبدو كردفان واحدة من أهم مفاتيح المرحلة المقبلة. فإذا تمكن الجيش من تثبيت مكاسبه حول الأبيض وتأمين طرقها باتجاه الوسط، فقد يعزز قدرته على ربط مناطق سيطرته وتقليص هامش حركة الدعم السريع. أما إذا نجحت قوات الدعم السريع في تعطيل هذه الطرق واستنزاف القوات المتقدمة عبر المسيّرات وفتح جبهات موازية، فقد تتحول المكاسب البرية إلى عبء طويل الأمد.

لذلك فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: من يسيطر على مدينة جديدة؟ بل من يستطيع حماية ما يسيطر عليه، وتأمين طرقه، وإجبار خصمه على توزيع قوته على أكبر مساحة ممكنة؟ وهذه هي المعركة التي قد تحدد شكل المرحلة المقبلة من الحرب السودانية.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here