أفريقيا برس – السودان. توصلت لجنة التشاور الأمني والسياسي بين السودان وجنوب السودان إلى تفاهمات جديدة تهدف إلى احتواء خطر المقاتلين والمرتزقة القادمين من جنوب السودان والمنخرطين في القتال إلى جانب قوات الدعم السريع، إلى جانب تهدئة التوتر في منطقة أبيي المتنازع عليها، ومنع أي طرف من اتخاذ خطوات أحادية يمكن أن تغير وضعها القانوني أو الإداري القائم.
واختتمت اللجنة اجتماعاتها في جوبا بعد ثلاثة أيام من المباحثات، ووقع رئيساها، وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون، ووزير الدفاع وشؤون قدامى المحاربين في جنوب السودان الفريق أول شول طون، على القرارات والمخرجات التي تم التوصل إليها.
وتكتسب عودة اللجنة إلى العمل أهمية خاصة، باعتبار أنها أول اجتماعات لها منذ اندلاع الحرب في السودان قبل أكثر من ثلاثة أعوام، في وقت أصبحت فيه الحدود المشتركة بين البلدين إحدى ساحات التداخل العسكري والأمني الأكثر حساسية في الحرب السودانية.
احتواء المقاتلين وتأمين الحدود
ركزت المباحثات على ملف المقاتلين القادمين من جنوب السودان الذين يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع، وسط اتهامات سودانية سابقة بوجود شبكات تجنيد ونقل مقاتلين عبر الأراضي الجنوبية.
وفي المقابل، أكدت جوبا عدم صلتها بهذه العناصر، واعتبرت أن المجموعات المسلحة التي تنشط في المناطق الحدودية تمثل مصدر تهديد مشترك، لما تسببه من انتشار للسلاح والفوضى وتسهيل عمليات التهريب والاتجار غير المشروع عبر الحدود.
واتفق الطرفان على تعزيز التعاون الأمني لمنع تسلل المسلحين، وتفعيل اتفاقات أمنية سابقة، وعدم إيواء أي جماعات مسلحة معادية للطرف الآخر، إلى جانب تكثيف التنسيق بين الأجهزة العسكرية والأمنية في البلدين.
كما شملت التفاهمات تأمين المنشآت النفطية وخطوط نقل الخام من جنوب السودان عبر الأراضي السودانية إلى موانئ التصدير على البحر الأحمر، وهو ملف بالغ الحساسية بالنسبة إلى جوبا التي تعتمد بصورة كبيرة على عائدات النفط.
وتعني هذه النقطة أن أمن الحدود لم يعد ينظر إليه من منظور عسكري فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة باستمرار تدفق النفط الجنوبي، وبالتالي بالمصالح الاقتصادية والأمنية للبلدين.
أبيي.. عقدة الحدود المفتوحة
الجانب الأكثر حساسية في اجتماعات جوبا تمثل في ملف أبيي، المنطقة الغنية بالنفط والواقعة بين السودان وجنوب السودان، والتي ظلت منذ انفصال الجنوب عام 2011 واحدة من أبرز بؤر النزاع بين البلدين.
واتفق الطرفان على تفعيل بروتوكول أبيي واتفاق الترتيبات المؤقتة الموقع عام 2011، والعمل على إنشاء إدارة مدنية مشتركة، مع الالتزام بعدم اتخاذ أي إجراءات أحادية من شأنها تغيير الوضع القائم في المنطقة.
ويحمل هذا التفاهم أهمية سياسية كبيرة، خصوصًا في ظل تجدد الخلافات بشأن مستقبل أبيي والإجراءات الإدارية والسياسية المتعلقة بها.
وتؤكد الخرطوم أن أي تغيير في وضع المنطقة يجب أن يتم من خلال الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، في حين لا يزال مستقبل أبيي النهائي معلقًا منذ سنوات بسبب الخلاف حول حق التصويت في الاستفتاء الذي كان مقررًا لتحديد تبعيتها.
وتنص الترتيبات التي سبقت استقلال جنوب السودان على إجراء استفتاء لسكان أبيي بشأن مستقبل المنطقة، إلا أن الخلاف حول من يحق لهم المشاركة، ولا سيما بين مجتمع دينكا نقوك والمسيرية، أدى إلى تعطيل الاستفتاء بصورة متكررة.
كما سبق أن لجأ الطرفان إلى التحكيم الدولي بشأن حدود أبيي، قبل أن يصدر قرار في عام 2009 أعاد ترسيم نطاق المنطقة، وأخرج عددًا من حقول النفط من حدودها.
الحرب السودانية تعيد رسم الحسابات
وتأتي التفاهمات الجديدة في وقت فرضت فيه الحرب السودانية منذ أبريل/نيسان 2023 واقعًا أمنيًا جديدًا على الحدود.
فاستمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أدى إلى زيادة حركة السلاح والمقاتلين والمهربين عبر الحدود، ورفع مخاطر انتقال الصراع إلى جنوب السودان، الذي يواجه أصلًا تحديات سياسية واقتصادية وأمنية داخلية.
وتتهم الخرطوم جهات مرتبطة بجنوب السودان بالسماح بمرور مقاتلين وأسلحة ومعدات عسكرية إلى قوات الدعم السريع، بينما تحرص جوبا على النأي بنفسها عن الحرب وتؤكد عدم انخراطها الرسمي فيها.
وفي هذا السياق، فإن التفاهم على منع استخدام أراضي أي من البلدين لشن أعمال عسكرية ضد الآخر يمثل محاولة لمنع تحول الحدود إلى جبهة جديدة للحرب السودانية.
كما أن مصلحة جنوب السودان في منع اتساع الحرب تبدو واضحة؛ فكلما اقترب القتال من حدوده، زادت احتمالات تدفق اللاجئين والسلاح والمقاتلين، وارتفعت الضغوط الاقتصادية والأمنية على جوبا.
النفط.. العامل الذي يفرض التعاون
إلى جانب البعد الأمني والسياسي، يمثل النفط أحد أقوى دوافع التقارب بين الخرطوم وجوبا.
فجنوب السودان يعتمد على تصدير إنتاجه النفطي عبر البنية التحتية السودانية وصولًا إلى البحر الأحمر، ما يجعل استمرار تشغيل خطوط الأنابيب والمنشآت المرتبطة بها مصلحة مشتركة لا يمكن فصلها عن الأمن الحدودي.
وقد أظهرت الحرب أن أي اضطراب في السودان يمكن أن يتحول بسرعة إلى تهديد مباشر للاقتصاد الجنوبي، خصوصًا في ظل محدودية البدائل أمام جوبا لتصدير نفطها.
ولهذا فإن اتفاق الطرفين على حماية المنشآت النفطية وخطوط النقل قد يكون من أكثر مخرجات اجتماعات جوبا قابلية للاستمرار، لأنه يرتبط بمصلحة اقتصادية مباشرة لكلا البلدين.
حدود بطول 1800 كيلومتر
ولا تقتصر الخلافات بين السودان وجنوب السودان على أبيي، إذ لا تزال عدة مناطق حدودية محل نزاع أو خلاف حول الترسيم والتبعية، من بينها دبة الفخار والمقينص وكاكا التجارية وكافي كنجي-حفرة النحاس.
وتكتسب الحدود الممتدة لنحو 1800 كيلومتر أهمية استراتيجية كبيرة بسبب انتشار التجمعات السكانية والثروة الحيوانية والمياه والموارد الطبيعية على جانبيها، فضلًا عن النشاط التجاري وحركة الرعي التقليدية.
وتعني هذه المعطيات أن أي فراغ أمني في الحدود يمكن أن يتحول إلى صراع على الموارد أو إلى ممر لتهريب السلاح والمقاتلين، وهو ما يجعل التعاون الأمني بين الخرطوم وجوبا ضرورة تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية.
هل تمثل التفاهمات بداية مسار جديد؟
رغم أهمية الاتفاقات التي خرجت بها اجتماعات جوبا، فإن اختبارها الحقيقي لن يكون في البيانات والالتزامات، وإنما في قدرتها على الصمود أمام تطورات الحرب السودانية.
فالطرفان يواجهان ضغوطًا كبيرة، كما أن ملف أبيي لم يحسم طوال أكثر من عقد، والخلافات بشأن الحدود والمقاتلين والنفط يمكن أن تعود إلى الواجهة مع أي تصعيد عسكري جديد.
ومع ذلك، فإن استئناف عمل لجنة التشاور الأمني والسياسي يحمل دلالة مهمة: الخرطوم وجوبا تدركان أن استمرار الحرب السودانية دون قنوات اتصال مباشرة قد يحول الحدود المشتركة إلى منطقة صراع مفتوح.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تفاهمات جوبا باعتبارها محاولة لإقامة حاجز سياسي وأمني بين الحرب السودانية والحدود الجنوبية، وحماية المصالح النفطية، ومنع أبيي من التحول مجددًا إلى شرارة مواجهة بين البلدين.
لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطًا بعامل أكبر من قدرة الخرطوم وجوبا وحدهما، وهو مستقبل الحرب في السودان. فإذا استمر الصراع واتسعت رقعته، فإن ضبط الحدود سيصبح أكثر صعوبة، أما إذا بدأت خريطة النفوذ العسكري في الاستقرار، فقد تتحول التفاهمات الحالية إلى أساس لتسوية أوسع تشمل أبيي وبقية المناطق الحدودية المتنازع عليها.
وفي جميع الأحوال، تبدو جوبا والخرطوم أمام خيار واضح: إما تحويل الحدود إلى مساحة للتعاون تحمي الأمن والنفط وحركة السكان، أو السماح لها بأن تصبح امتدادًا جديدًا للحرب السودانية، بما يحمله ذلك من مخاطر على البلدين معًا.





