اكتشاف جديد قد يغير مستقبل تصميم السفن

3
اكتشاف جديد قد يغير مستقبل تصميم السفن
اكتشاف جديد قد يغير مستقبل تصميم السفن

أفريقيا برس – السودان. بعد أكثر من مئة عام على غرق سفينة تيتانيك، التي قدمت للعالم آنذاك باعتبارها “غير قابلة للغرق”، لم يتوقف سؤال واحد عن ملاحقة العلماء والمهندسين “هل يمكن فعلا صناعة سفن لا تغرق أو تكاد لا تغرق؟”.

اليوم يعيد فريق بحثي من جامعة روتشستر الأمريكية فتح هذا الملف القديم عبر ابتكار بسيط في مظهره عميق في دلالاته وهو عبارة عن أنابيب معدنية يمكنها أن تبقى طافية حتى مع امتلائها بالثقوب وغمرها طويلا في الماء.

معدن يطفو “تقريبا إلى الأبد”

يعتمد الابتكار على معالجة السطح الداخلي لأنابيب من الألومنيوم باستخدام الليزر، بحيث يصبح هذا السطح فائق الكراهية للماء (Superhydrophobic) ومُهندسا ببنية دقيقة للغاية على مستويي الميكرو والنانو عبر حفر ونتوءات متناهية الصغر.

هذه البنية تجعل الماء يفضّل الابتعاد عن السطح بدل الالتصاق به، فيتشكل داخل الأنبوب جيب مستقر من الهواء يعمل مثل “وسادة طفو” تمنع الماء من ملء الأنبوب فيبقى خفيفا وقادرا على البقاء عند السطح حتى بعد الغمر المتكرر.

ولزيادة موثوقية هذا الجيب الهوائي، أضاف الباحثون حاجزا داخليا يقسم الأنبوب إلى تجويفين. وبهذا، حتى إذا تسرب الماء من أحد الجانبين، يبقى جزء كاف من الهواء محبوسا في الجهة الأخرى محافظا على الطفو.

في التجارب المخبرية، أظهرت أنابيب بطول يقارب نصف متر قدرة على الطفو لأسابيع في خزانات مائية تحاكي ظروفا قاسية، وحتى بعد ثقبها بعدد كبير من الثقوب لم تغرق.

عندما تُقلّد التكنولوجيا الطبيعة

الفكرة ليست غريبة على عالم الأحياء، فالدراسة تستلهم حلولا استخدمتها الطبيعة منذ ملايين السنين، من بينها:

عنكبوت “جرس الغطاس”: الذي يعيش تحت الماء داخل فقاعة هواء يبنيها ويحتفظ بها بفضل شعيرات طاردة للماء.

النمل الناري: الذي يشكّل طوافات حية فوق سطح الماء مستفيدا من الأسطح المقاومة للبلل في أجسام أفراده.

في الحالتين لا يكون الهواء مجرد فراغ، بل عنصرا بنيويا في الطفو، وهذا بالضبط ما تحاول التقنية الجديدة تحقيقه، ولكن باستخدام المعدن بدل الأنسجة الحية.

من أنبوب صغير إلى هياكل بحرية

الدراسة المنشورة في مجلة “المواد الوظيفية المتقدمة” (Advanced Functional Materials) تحت عنوان “أنابيب معدنية عائمة فائقة الكراهية للماء قابلة للاستعادة بالتصميم الهندسي”، تقترح توسيع هذا المبدأ من أنبوب نصف متر إلى هياكل أكبر.

الفكرة التطبيقية بسيطة من حيث المبدأ:

ربط عدد كبير من هذه الأنابيب المعالجة لتشكيل منصات عائمة أو أجزاء من بدن السفينة.

حتى في حال تعرض هذه الهياكل لثقوب أو تصدعات، يبقى جزء كبير من الأنابيب محتفظا بجيوب الهواء مما يحافظ على الطفو العام للهيكل.

بهذا المعنى لا نتحدث عن سفن “لا تغرق أبدا”، بل عن سفن تملك هامش أمان أعلى بكثير، وتحتاج إلى ظروف أكثر قسوة بكثير كي تغرق بالكامل.

استخدامات تتجاوز السفن

لا يقتصر الابتكار على الملاحة التقليدية، بل يفتح الباب أمام تطبيقات أوسع، من بينها:

منصات عائمة للطاقة المتجددة: خصوصا تلك التي تستغل طاقة الأمواج، إذ تتطلب الهياكل استقرارا طويل الأمد فوق الماء.

عوامات وبنى تحتية بحرية: مثل عوامات الإرشاد والمنصات البحثية والجسور العائمة.

معدات وروبوتات بحرية: تُترك في البيئات البحرية لفترات طويلة وتحتاج إلى مقاومة الغرق حتى عند حدوث أعطال.

مكاسب محتملة وأسئلة صعبة

إذا نجحت هذه التقنية في الانتقال من المختبر إلى البحار المفتوحة، فقد تحمل آثارا اقتصادية وبيئية مهمة:

تقليل احتمال غرق السفن كاملة: ومنح وقت أطول لعمليات الإنقاذ.

الحد من حجم الكوارث البيئية: في حوادث ناقلات النفط أو السفن المحملة بمواد خطرة.

دعم مشاريع الطاقة المتجددة البحرية: عبر منصات أكثر موثوقية وأقل كلفة في الصيانة.

لكن الطريق لا يزال طويلا، فالدراسة تترك أسئلة مفتوحة أبرزها تكلفة المعالجة بالليزر على نطاق صناعي ضخم ومقاومة الملوحة والتآكل ونمو الكائنات البحرية على الأسطح المعالجة، وأيضا كيفية دمج هذه الهياكل مع أنظمة السلامة الحالية والمعايير الدولية لبناء السفن.

بين الحلم والواقع

رافق حلم “السفينة التي لا تغرق” التاريخ الصناعي منذ القرن 19، لكنه اصطدم مرارا بواقع البحر القاسي، والجديد في هذا البحث أنه لا يعد بمعجزة، بل بمنهج هندسي واضح يتلخص في فهم فيزياء السطح واستلهام حلول من الطبيعة وتحويلها إلى تصميم بسيط قابل للتكرار والتوسيع.

وما بين تيتانيك -التي غرقت رغم وعود عصرها- وأنابيب معدنية صغيرة “تأبى الغرق” في المختبرات، يمتد مسار طويل من الابتكار، قد لا ينهي حوادث البحر لكنه قد يجعلها -يوما ما- أقل فتكا بالبشر وأقل قسوة على البيئة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here