ذهب السودان.. من إنقاذ الاقتصاد إلى تمويل الحرب

19
ذهب السودان.. من إنقاذ الاقتصاد إلى تمويل الحرب
ذهب السودان.. من إنقاذ الاقتصاد إلى تمويل الحرب

أفريقيا برس – السودان. مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تحولت البلاد إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، فيما برز الذهب بوصفه أحد أهم الموارد التي تغذي اقتصاد الحرب، بعدما كان يُنظر إليه، عقب فقدان معظم عائدات النفط، باعتباره أحد أبرز البدائل القادرة على دعم الاقتصاد وتوفير العملة الصعبة. ويطرح هذا التحول سؤالاً أساسياً: كيف انتقل الذهب من مورد اقتصادي كان يُفترض أن يساعد السودان على تجاوز أزماته إلى مصدر رئيسي لتمويل السلاح وتعزيز قدرات الأطراف المتحاربة؟

من النفط إلى الذهب

بدأ التحول بصورة واضحة عقب انفصال جنوب السودان عام 2011، عندما فقدت الخرطوم نحو ثلاثة أرباع إيراداتها النفطية، وهو ما دفع الحكومة إلى البحث عن مصادر بديلة للدخل. وفي مقدمة هذه المصادر جاء الذهب، الذي شهد قطاع تعدينه توسعاً سريعاً، خصوصاً في المناطق النائية والغنية بالموارد المعدنية. وبحلول عام 2018، أصبح نحو 13 في المئة من السكان منخرطين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أنشطة مرتبطة بتعدين الذهب، في مؤشر على اتساع القطاع وتحوله إلى مصدر اقتصادي رئيسي بالنسبة إلى ملايين السودانيين. لكن توسع التعدين لم يجرِ بمعزل عن بنية السلطة. فقد ارتبط قطاع الذهب خلال عهد الرئيس المعزول عمر البشير بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية والعسكرية، وحصلت شخصيات ومؤسسات مرتبطة بالنظام والأجهزة العسكرية والأمنية على امتيازات وشركات وأصول، الأمر الذي ساهم في تحويل الموارد المعدنية إلى جزء من منظومة النفوذ السياسي والاقتصادي.

الذهب في قلب نفوذ الدعم السريع

كان الذهب أحد الموارد التي ساعدت قوات الدعم السريع على بناء قاعدة اقتصادية مستقلة. فمنذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي، توسع نفوذ القوات في مناطق غنية بالمعادن، خصوصاً في دارفور، ومن أبرزها منطقة جبل عامر الغنية بالذهب في شمال الإقليم. ومع مرور الوقت، امتد النشاط إلى مناطق أخرى في دارفور وجنوب كردفان، في وقت كانت فيه مؤسسات وأجهزة أمنية وعسكرية أخرى تسعى بدورها إلى السيطرة على أجزاء من قطاع التعدين والتجارة. ولم يقتصر الصراع على الذهب على عمليات الاستخراج، بل امتد إلى عمليات الشراء والتصدير. ففي عام 2016، أنشأ جهاز الأمن السوداني شركة «السبائك»، التي تولت شراء الذهب نيابة عن الدولة، بتمويل من البنك المركزي، في خطوة عكست الأهمية المتزايدة للمعدن النفيس في إدارة الاقتصاد السوداني. ومنذ عام 2019، برزت شركة «الجنيد»، المرتبطة بقوات الدعم السريع، بوصفها أحد أبرز اللاعبين في قطاع الذهب، لتزداد بذلك الصلة بين الثروة المعدنية والبنية الاقتصادية والعسكرية للقوى المتنافسة.

مورد مشترك لاقتصاد الحرب

مع اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، لم يعد الذهب مجرد مورد اقتصادي، بل تحول إلى عنصر أساسي في الصراع على الأرض والنفوذ. وتشير تحليلات بحثية إلى أن الذهب يمثل مصدراً رئيسياً للدخل بالنسبة إلى طرفي الحرب، إذ تساعد عائداته في شراء الأسلحة والوقود والسلع وتوفير الموارد اللازمة لاستمرار العمليات العسكرية. وبذلك، أصبحت السيطرة على مناطق التعدين وطرق نقل الذهب وتجارته جزءاً من الصراع الأوسع. فكل منطقة غنية بالذهب يمكن أن تمثل مصدراً للتمويل، وكل طريق تجاري يمكن أن يتحول إلى شريان اقتصادي وعسكري، بينما باتت المناجم الواقعة في مناطق النزاع عرضة للتنافس والنهب وفرض الإتاوات. ولا تقف أهمية الذهب عند حدود المناطق التي يستخرج منها، إذ إن جزءاً كبيراً من قيمته يتحدد في مراحل لاحقة، من خلال شبكات التجميع والتجارة والتهريب والتصدير. وهذا يجعل السيطرة على مراكز التجارة والأسواق وطرق النقل لا تقل أهمية عن السيطرة على المناجم نفسها.

من عائدات الذهب إلى شراء السلاح

أدى استمرار تدفق الأموال من الذهب إلى توفير قدرة أكبر للأطراف المتحاربة على شراء المعدات العسكرية والحصول على الإمدادات، وهو ما ساهم في تغيير طبيعة الحرب السودانية. فالصراع الذي ارتبط في مراحله الأولى بصور المركبات المسلحة والأسلحة التقليدية، تطور تدريجياً إلى حرب تستخدم فيها تقنيات عسكرية أكثر تقدماً، بما في ذلك الطائرات المسيّرة الهجومية والاستطلاعية والصواريخ والأسلحة بعيدة المدى. وأصبحت المسيّرات واحدة من أبرز أدوات الحرب، مع استخدام أنواع مختلفة منها من قبل الأطراف المتصارعة وحلفائها. وتشير المعطيات المتعلقة بالنزاع إلى تزايد الهجمات الجوية بالمسيّرات، بما جعل مساحات واسعة من الأراضي السودانية عرضة للاستهداف، ورفع مستوى الخطر الذي يواجهه المدنيون. وبحسب بيانات متخصصة في رصد النزاعات المسلحة، تجاوز عدد المدنيين الذين قتلوا في هجمات بالمسيّرات خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 2500 شخص، في مؤشر على اتساع استخدام هذه التكنولوجيا وتأثيرها في مسار الحرب.

ثروة تتحول إلى عبء

المفارقة السودانية تكمن في أن الذهب لم يكن في الأصل جزءاً من المشكلة، بل كان يُنظر إليه كفرصة للخروج من أزمة فقدان عائدات النفط. غير أن ضعف مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوة، وارتباط النشاط الاقتصادي بالمؤسسات العسكرية والأمنية، جعلت هذه الثروة تتحول تدريجياً إلى مصدر لتمويل الصراع. وفي ظل استمرار الحرب، يصعب فصل الاقتصاد عن العمليات العسكرية. فالمناجم توفر الأموال، والأموال تشتري السلاح، والسلاح يسمح بالسيطرة على مزيد من الأراضي والمناجم والطرق التجارية، لتنشأ دائرة يصعب كسرها ما لم تتوقف مصادر تمويل الحرب. كما أن استمرار نشاط الذهب خارج إطار مؤسسات الدولة يضعف فرص الاستفادة منه في تمويل الخدمات العامة وإعادة بناء الاقتصاد. فبدلاً من توجيه عائداته إلى قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية وإعادة الإعمار، تتحول نسبة كبيرة من القيمة الاقتصادية للمعدن إلى تمويل شبكات مسلحة وتجارية مرتبطة بالنزاع.

اقتصاد الحرب يطيل أمد الصراع

تكشف تجربة السودان أن الموارد الطبيعية لا تتحول بالضرورة إلى محرك للتنمية. ففي الدول التي تعاني ضعف المؤسسات وانقسام السلطة، يمكن للثروة المعدنية أن تصبح عاملاً لتغذية النزاعات بدلاً من الحد منها. وفي الحالة السودانية، أدى فقدان النفط إلى دفع الدولة نحو الذهب، لكن غياب نظام شفاف وموحد لإدارة القطاع سمح بتغلغل القوى العسكرية والأمنية والتجارية فيه. ومع اندلاع الحرب، أصبح الذهب أحد الأعمدة التي تستند إليها قدرة الأطراف المتحاربة على الاستمرار. وهكذا انقلبت معادلة الذهب في السودان بصورة كاملة. فالمعدن الذي كان يُعوّل عليه لتعويض خسارة النفط وإنقاذ الاقتصاد أصبح جزءاً من اقتصاد حرب يوفر الأموال اللازمة لشراء السلاح وإدامة القتال. وفي النهاية، يدفع المدنيون الثمن الأكبر من هذه المعادلة؛ إذ تتحول ثروة كان يفترض أن تكون رافعة للتنمية والاستقرار إلى مصدر لتمويل العنف، بينما تتراجع قدرة الدولة على الاستفادة من مواردها، ويزداد الاقتصاد ارتباطاً بمسارات الحرب والتهريب والنفوذ المسلح.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here