قراءة مختلفة في خلفيات وأهداف مؤتمر برلين حول السودان

4
قراءة مختلفة في خلفيات وأهداف مؤتمر برلين حول السودان
قراءة مختلفة في خلفيات وأهداف مؤتمر برلين حول السودان

عباس محمد صالح، باحث مهتم بالقضايا السياسية والفكرية والسياسات الاقليمية

أفريقيا برس – السودان. أثار مؤتمر برلين الدولي من أجل السودان، الذي عُقد في 15 أبريل/نيسان، وكذلك الاجتماع التحضيري السابق له في أديس أبابا (من 10 إلى 12 أبريل/نيسان)، جدلاً واسعاً. فبالرغم من أن الهدف المعلن للمؤتمر كان توحيد السودانيين، إلا أنه في واقع الأمر أدى إلى توسيع الهوة بين الأطراف المعنية، والتي كان من المفترض أن تتوحد مواقفها تمهيداً لحوار سوداني- سوداني شامل.

الحقيقة أن المؤتمر، كما سيتبين، سعى لتحقيق أهداف خفية تخدم مصالح أطراف خارجية أكثر مما تخدم السودانيين أنفسهم، بغض النظر عن مواقف هؤلاء السودانيين – سواء كانوا مع المؤتمر أو ضده، أو متفقين مع قضاياه ومخرجاته أو مختلفين.

في ضوء الخلافات والانقسامات التي أحدثتها الدعوة إلى انعقاد هذا المؤتمر، وتحديداً حول مسألة المشاركة فيه، كذلك أدت نتائجه إلى مزيد من الاستقطاب والانقسام والتشظي، بدلاً من توحيد المواقف وتحقيق التوافق. وبالتالي، سيبقى التدخل الخارجي عاملاً معقداً لحل الصراع في السودان، بل قد يُسهم في تفاقمه.

بناء على ذلك، عكس تأخر صدور المخرجات النهائية للمؤتمر- والاكتفاء بإعلان “مبادئ برلين للسودان” في 30 نيسان/أبريل، وليس بياناً ختامياً متوافقاً عليه بين المشاركين، لنحو أسبوعين من انعقاده- حجم الخلافات وغياب التوافق بين أطرافه، فضلًا عن تضارب أجندات القوى الخارجية، لا سيما بين الرياض وأبوظبي. ويشير ذلك إلى أن “المجموعة الخماسية” -وبصفتها محاولة لوضع حد لتضارب المبادرات الخارحية- ستواصل، بعد مؤتمر برلين، المسار ذاته من التعثر الذي طبع تجربة “الرباعية”، إذ لم تُفضِ الجهود إلى توحيد الموقف السوداني، بل كشفت عن انقسام الفاعلين الخارجيين إزاء مقاربات حل الصراع.

ما وراء المؤتمر: الأهداف، التنظيم، والمشاركون

أُقيم مؤتمر برلين بتنظيم مشترك بين الاتحاد الأفريقي وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية. ووفقاً للوثائق المتداولة، فإن الهدف هو التوصل إلى “إعلان مبادئ” موسع، يركز على تمثيل المدنيين من “الطرفين” – أي الداعمين للقوات المسلحة والداعمين للتمرد على حد سواء – وكذلك “تعزيز الحوار بين مختلف الفرقاء المدنيين”.

وجاء هذا المؤتمر بعد مؤتمري باريس (2024) ولندن (2025)، اللذين ركزا بشكل أساسي على القضايا الإنسانية العامة. أما مؤتمر برلين فقد جاء مع حلول الذكرى السنوية الرابعة للحرب في السودان، واستمرار فشل الجهود الرامية إلى إنهائها.

في ظل التضارب وتقلب المواقف بين الأطراف المعنية بالمشاركة، تمت دعوة ما بين 40 إلى 50 مشاركاً سودانياً، كان من المفترض أن يتم تقسيمهم بالتساوي بين ممثلين سياسيين وممثلين عن المجتمع المدني والمهنيين. لكن سرعان ما أثيرت مسألة “العدالة في توزيع الدعوات”، حيث اعتُبر التوزيع الذي تم غير عادل ولا شفاف.

إنّ ما يميز مؤتمر برلين عن المبادرات والوساطات السابقة هو أنه ركز هذه المرة على قضايا سياسية وعسكرية معاً، مع مشاركة “المدنيين” بشكل أساسي. الهدف هو تصميم مستقبل “العملية السياسية وإجراءات خفض التصعيد”، بالإضافة إلى بحث “تشكيل حكومة مدنية ديمقراطية كاملة الصلاحيات”، تكون أساساً لأي عملية سياسية قادمة.

بعبارة أخرى، كان هدف المنظمين من وراء هذا المؤتمر والاجتماع التحضيري وما قبله من تحركات، هو توحيد المجموعات السياسية المدنية، وصياغة تصور لمسار سياسي يتوفر فيه حد أدنى من التوافق بين المشاركين. وهذا من شأنه أن يمكن هذه الأطراف من المشاركة في حوار وطني شامل، بعد أن يتم استبعاد “المتحاربين” – وتحديداً الحكومة المعترف بها دولياً، والإسلاميين بطبيعة الحال.

فما سبق يقود إلى ملاحظة مهمة: لقد تحولت المؤتمرات الخارجية – مثل مؤتمر برلين – ومع خضوع “المجموعة الخماسية” لنفوذ ومصالح خارجية، إلى مجرد أداة لتمرير حلول مفروضة على أصحاب السودانيين. وهي بذلك تغذي الصراع والانقسام والتنافس، بدلاً من أن تكون عاملاً مساعداً على الحوار للوصول إلى حلول وتسويات نهائية ودائمة.

نتيجة لذلك، نجد الأطراف السياسية تتسابق للمشاركة في هذه المؤتمرات، حتى لو كانت تلك المشاركة على حساب تماسكها الداخلي، أو الأهداف والبرامج السياسية التي كانت تجمعها ككتل وتحالفات. كما أن هذه التدخلات الخارجية تضعف فرص التوصل إلى إجماع أو توافق حول القضايا الوطنية الكبرى، مما سيعقد لاحقاً مهمة “المجموعة الخماسية” نفسها، التي ستجد صعوبة في البناء على ما راكمته من تواصل وحوارات مع قوى وأحزاب مدنية، تمهيداً لحوار سياسي شامل “يملكه السودانيون”.

في هذا المؤتمر، تم استبعاد الحكومة السودانية والقوات المسلحة، وكذلك قوات “الدعم السريع” وحكومتها الموازية، بحجة أنهم “طرفا الحرب”. لكن اللافت هو أنه وفي إطار التخطيط لضمان أغلبية مضمونة لكتلة سياسية محددة، تم تخصيص 10 دعوات لمجموعة “صمود” برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و10 لغرف الطوارئ، ودعوات أخرى للجان المقاومة، بالإضافة إلى ممثلين آخرين مقربين من هذه المجموعة أو يُراهن عليهم للعب الدور نفسه في المؤتمر وما بعده وهو ما أحدث انقسامات حتى بين هذه المجموعات.

ولتحقيق هذه الغاية، سبق مؤتمر برلين اجتماع تحضيري عُقد في الفترة من 10 إلى 12 نيسان/ أبريل، تضمن ورشة عمل بهدف تحديد كتلة “صمود” وحلفائها كقاعدة أساسية، وضمان تركيز المشاركين في الاجتماع على أجندة مختارة بعناية، وذلك لإظهار بعض أشكال “الشمولية” في مواجهة ردود الأفعال الرافضة للمؤتمر ومقاطعة قوى سياسية مهمة له.

إن انعقاد الاجتماع التحضيري في أديس أبابا، بعد أن تم ضمان مشاركة بعض المجموعات السياسية لتمرير انعقاد مؤتمر برلين، كرس في واقع الأمر منهجاً خطيراً من الإقصاء الممنهج. فتم حرمان بعض المشاركين من السفر لحضور المؤتمر لأسباب واهية، كما تم التحكم في حصص مشاركة أطراف مختارة ومفضلة، ما خدم أصحاب الأجندات الشخصية والضيقة على حساب المصالح العامة الحقيقية.

بشكل عام، وفي ضوء رهان بعض الأطراف على تحقيق بيان “المجموعة الرباعية” الصادر في 12 سبتمبر/أيلول 2025، وتعثر هذه المجموعة بسبب الخلاف السعودي-الإماراتي والحرب الأميركية-الإسرائيلية الأخيرة، وتصلب موقف القوات المسلحة ورفضها للضغوط، فإن مؤتمر برلين يهدف إلى حشد دعم دولي لتحقيق الأهداف الآتية:

1. جعل مخرجات المؤتمر أساساً للجهود الدولية والإقليمية بشأن الصراع في السودان، من خلال دمج نهج عمل وأهداف “المجموعة الرباعية” داخل “المجموعة الخماسية” التي أصبحت إطاراً مقبولاً دولياً.

2. الالتفاف على الحل الوطني الذي طرحته الحكومة السودانية (خارطة طريق) والذي وافقت عليه وأيدته غالبية أعضاء “الخماسية”، ولكنه يتعارض مع مصالح أطراف خارجية.

3. حشد الدعم الدولي لأغلبية “مدنية” يتم تحديدها مسبقاً، وذلك بجعل مجموعة “صمود” الفريق السياسي المفضل لدى الدوائر الدولية في أي تسوية قد تتم في السودان.

4. نزع الشرعية عن الحكومة الحالية وإضعافها، تمهيداً لترتيبات سياسية دستورية جديدة في البلاد، قد تؤدي إلى حكومة انتقالية جديدة “بقيادة مدنية”.

5. دعم الأجندة الإماراتية وغسل صورتها، فالإمارات هي الراعي الرئيسي للتمرد والمجموعات المدنية المتحالفة معه، وليس كما يتم تقديمها كطرف محايد ضمن “الرباعية” أو غيرها.

انطلاقاً من انعقاد مؤتمر برلين، يفترض المسار الحالي أن الضغوط الدولية الممارسة على “طرفي الحرب” قد تثمر عن وقف لإطلاق النار، على نحو ما جاء في خارطة طريق “المجموعة الرباعية” في 12 أيلول/ سبتمبر 2025، والتي تمثل سقفاً إماراتياً واضحاً.

معضلة توحيد المدنيين: “تقسيم المقسم”

يتسم المشهد السياسي في السودان بسيطرة قوى وتكتلات ترفع شعارات الديمقراطية والمدنية، لكنها لا تحققها على أرض الواقع ولا تنطبق عليها. ومنذ عام 2019، أصبح المجال السياسي يقوم على الاستقواء بالخارج، وتمكين هذا الخارج من رسم حدود وتفاعلات المشهد السياسي الداخلي. لذلك، فإن تصميم عملية سياسية على هذا الأساس، انطلاقاً من مؤتمر برلين، لن يكون سوى فرصة أخرى ضائعة.

ما يجعل الأمر أكثر سوءاً هو الافتراض الساذج الذي تتبناه الدوائر الخارجية تجاه الوضع في السودان، حيث يتم اختزال الصراع إلى مجرد مواجهة بين “مدنيين” يتوقون للديمقراطية و”غير مدنيين” (يشمل ذلك العسكر والإسلاميين والقوى التقليدية). بناءً على هذا الافتراض، يُعتقد أن الدعم الدولي لجهود توحيد “المدنيين” يمكن أن يحقق نتائج إيجابية.

لهذا السبب، بُذل جهد كبير من قبل أطراف خارجية منخرطة في الشأن السوداني، ركز بشكل أساسي على توحيد “أصوات المدنيين” وجعلهم قوة مؤتمنة على الانتقال السياسي في مرحلة الحرب وما بعدها، واستئناف المسار الديمقراطي. ولهذا، كان لا بد من توحيدهم في كتلة أو ائتلاف واحد.

من الأمثلة على ذلك، ما ظلت تقوم به الدبلوماسية الألمانية آنيت ويبر، بصفتها الممثلة الخاصة للاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي، حيث انخرطت مبكراً في جهود توحيد المدنيين. لكن الانشقاقات عصفت بمجموعة “صمود” نفسها، التي انقسمت إلى عدة مجموعات على أساس اكتساب “شرعية الخارج” في مواجهة “شرعية الداخل”.

وبشكل أكثر تحديداً، فإن توزيع الدعوات للمؤتمرات الخارجية على أساس تكتلات ولافتات تم بطريقة انتقائية تهدف إلى تمثيل مجموعات محددة بشكل أكبر، وتقليص تمثيل أطراف أخرى. هذا التقسيم – إلى مجموعات سياسية، مجتمع مدني، شخصيات قومية أو مستقلة، لجان مقاومة، غرف طوارئ، إضافة إلى فئات نسوية وشبابية – يهدف إلى تحقيق الأهداف الإماراتية بالسياسة، بعد أن عجزت عن تحقيقها بالحرب.

وعطفاً على ذلك، لقد أحدثت التدخلات الخارجية انقساماً كبيراً بين الأطراف السياسية السودانية، وعكست في الوقت نفسه تحيزات الخارج. حتى أن الفاعلين الخارجيين باتوا متوافقين على فرض تقسيم القوى والكتل السياسية السودانية إلى فريقين أساسيين:

الفريق الأول: مجموعة “صمود”، المدعومة إماراتياً، والمُكملة لمشروع مجموعة “تأسيس” المتحالفة مع قوات الدعم السريع. وهذه المجموعة تشهد بدورها صراعات بين تياراتها المختلفة.

الفريق الثاني: مجموعة “القوى الوطنية” أو “الكتلة الديمقراطية” الداعمة للقوات المسلحة، بما فيها الحركات السياسية المدنية. وهذه المجموعة أيضاً متشظية وضعيفة جداً ومنقسمة على نفسها.

لكن حتى هذا التقسيم لا يحقق متطلبات تأسيس تكتلات سياسية صلبة قائمة على حدود دنيا من التوافق، يمكن أن تمهد لحوار مدني شامل. فهذا التقسيم يتجاهل حقيقة أن داخل هذه التحالفات والتكتلات صراعات وتنافسات تؤدي إلى حالة دائمة من التشظي، وقد تنتج عنها انقسامات أخرى في ضوء نتائج مؤتمر برلين. بالإضافة إلى أن غالبية مكونات هذه التحالفات المتنافسة والمتصارعة تفتقر إلى الديمقراطية داخلها، وداخل التحالفات التي تنضم إليها.

“الخداع السياسي”: لعبة نزع الشرعية وإضفائها

يقع الفاعلون في المجتمع الدولي – وربما بشكل متعمد، كما في حالة “الخماسية” – في بعض أشكال التضليل عند رسم خرائط القوى والتكتلات على الساحة السودانية، حيث يُضفون شرعية سياسية على البعض وينزعونها عن منافسين آخرين غير مرغوب فيهم. وهم لا ينطلقون من تعريف موضوعي للحد الفاصل بين “العنف” و”المدنية” و”السلمية” و”الديمقراطية”، وهو أمر تفرضه حساسية السياق السياسي المعقد في السودان، خاصة بعد اندلاع الحرب الحالية. وبدلاً من ذلك، يكتفون بتوصيفات خطابية أو ذاتية ضيقة، أو بتوصيفات تفرضها الأطراف الخارجية.

إن التصنيف السائد الذي تتبناه هذه الدوائر الخارجية، والذي يعتمد فقط على الموقف من حرب أبريل/نيسان كمعيار، هو نهج خاطئ وخطير ومضلل. فهذه الأطراف تتجنب توصيف ما جرى في البلاد منذ 2023 على حقيقته: أنه تمرد وعدوان خارجي صريح، وليس مجرد اختلاف في المواقف بين القوى أو صراعات بين الأطياف السياسية.

في إطار هذا التصنيف، تُقدم الأطراف الخارجية مجموعات مثل “صمود” على أنها جهة مدنية محايدة، رغم المؤشرات القوية على تورطها في دعم المجهود الحربي عبر الفضاءات الإعلامية والسياسية (تصريحات، مواقف، بيانات). وهي بذلك تؤدي وظيفة مُعدة لها مسبقاً: الدعم السياسي للأطراف المتورطة في إشعال الحرب، وفي مقدمتها أبو ظبي.

في الواقع، فإن تصنيف المواقف على الساحة السودانية إلى “داعمي الحرب” و”مناهضي الحرب” هو تضليل متعمد. فالمجموعات “المناهضة للحرب” هي في الواقع منحازة لطرف محارب، وتخدم أجندة أكبر داعم للحرب: الإمارات العربية المتحدة. وفي المقابل، يتم إضعاف وإقصاء أطراف أخرى، بما فيها مؤسسة القوات المسلحة، التي يتم التعامل معها كفصيل سياسي وليس كمؤسسة دستورية معنية بحماية وحدة البلاد وسيادتها، خاصة في حالات التمرد والصراع الخطير.

ورغم المساواة بين الشرعية الدستورية للقوات المسلحة وحكومة الأمر الواقع المعترف بها دولياً (حتى من قبل ألمانيا نفسها)، فإن استبعاد مجموعة “تأسيس” لم يكن لأنها تمثل أحد “طرفي الحرب” – فرغم هويتها المدنية، هي مجرد مجموعات خرجت من عباءة “تقدم” (“صمود” حالياً) – بل لأن أبو ظبي تراهن على مجموعة “صمود” وليس على “تأسيس”. فتعزيز نفوذ “صمود” وتقديمها كمجموعة مدنية محايدة، لجعلها قوة أساسية لقيادة الانتقال السياسي مجدداً، هو سياسة تخدم أجندات أبو ظبي، التي تستطيع التضحية بـ “تأسيس” والدعم السريع (بعد أن تشوهت صورتهما داخلياً وخارجياً)، ولكن شريطة ضمان وجود قوي لـ “صمود”.

لهذا، سعى منظمو مؤتمر برلين إلى إعطاء “صمود” حصة أكبر من المشاركين، لتصبح عملياً صاحبة الأغلبية في المؤتمر. فإذا تم فرز المواقف السياسية الحقيقية للمشاركين، فسنجد أن الموالين لمجموعتي “صمود” و”تأسيس” حصلوا على تمثيل كبير، بهدف تمكينهم من العودة لقيادة “الانتقال السياسي” من جديد في حال تم إنهاء الحرب وفقاً للترتيبات الجارية حالياً. وهذا يثبت أنهم جزء من مشروع واحد ترعاه قوى خارجية لتحقيق مصالحها في السودان.

وفي هذا السياق، سبق المؤتمر ورشة عمل في أديس أبابا، خُصصت حصراً لمجموعات مدنية مستهدفة مسبقاً، بهدف تعزيز حضورها في برلين وفي الفعاليات القادمة لـ “الخماسية”، وصولاً إلى حوار سوداني-سوداني شامل “يملكه السودانيون”. لكن المؤتمر في برلين هذه المرة له هدف سياسي واضح: نزع الشرعية عن أطراف فاعلة مثل القوات المسلحة والحكومة القائمة، ومنحها لأطراف أخرى.

وكما هو مخطط له مسبقاً، سيشكل اجتماع برلين أساساً لعملية الحوار السوداني-السوداني مستقبلاً، وسيحدد من سيشارك فيه. لكن نتائجه كانت بلا معنى، في ظل المقاطعة الواسعة له، والإصرار على هندسة عملية سياسية معدّة سلفاً من حيث المشاركون والأجندة والنتائج المتوخاة.

ألمانيا وسياساتها الخارجية: تمركز حول النخب

لفهم دوافع عقد مؤتمر برلين الدولي بشأن السودان والحرص على إشراك توجهات سياسية محددة، لا بد من الوقوف على توجهات السياسة الخارجية لألمانيا. تقوم هذه السياسة على تعزيز التوجهات العلمانية والديمقراطية، ودعم البلدان التي تمر بتحولات أو مقدمات نحو هذه الأهداف، مع التركيز على التوجهات الليبرالية والمجتمع المدني والناشطين. وفي حالة السودان، هناك إغراء أكبر، لأنه يجمع بين أوضاع الصراع وما بعدها، والانتقال السياسي، وأخيراً معضلة إقصاء الإسلاميين كتيار شعبي وكنظام حكم سابق.

درجت ألمانيا على الاستثمار في النخب السياسية، خاصة في العالم الثالث. وفي السودان، هناك الكثير من أطياف النخب ذات التوجهات العلمانية والليبرالية المرتبطة بذلك. لذا، فإن السودان ما بعد 2019 يمثل حقلاً مثالياً لتطبيق جوانب سياساتها الخارجية.

هناك أيضاً ظاهرة “الإعجاب المفرط” بالانخراط الشبابي والنسوي في الحراك السياسي. فالدوائر والمنظمات الألمانية تنظر إلى مشاركة هذه الفئات في الاحتجاجات على أنها ظاهرة سياسية جديرة بالدعم، وقد تساعد في تحقيق انتقال ديمقراطي.

لذلك، تنشط – بطريقة أو بأخرى، وخاصة في مرحلة بعد اندلاع الحرب – مؤسسات ألمانية بارزة مثل “بيروغوف”، و”فريدريش إيبرت”، و””هاينريش بول، و”كونراد أديناور”، و”معهد ماكس بلانك للسلام الدولي وسيادة القانون”، إلى جانب منظمات دولية أخرى، في دعم برامج وأنشطة مختلفة في السودان أو ذات صلة بقضاياه الراهنة. وهذه الاهتمامات تندرج في إطار أجندات السياسة الخارجية الألمانية.

في هذا الصدد، لا يزال فولكر بيرتس، الممثل الخاص للأمين العام في السودان والرئيس السابق لـ “يونيتامس”، يشكل ويرسم التحركات الألمانية تجاه السودان، بما في ذلك مؤتمر برلين الحالي، ويعزز التوجهات الخارجية بحكم إحاطته بالأوضاع. كما تضطلع وزارة الخارجية الألمانية، عبر الشراكات الدولية وتمويل المنظمات العاملة في الوساطة وبناء السلام وحل الصراعات، بدور كبير في رسم أجندة منظمات غير ألمانية تنشط في السودان، وتحديداً بناء قدرات مجموعات مدنية وشبابية، أو إجراء حوارات مع مجموعات سياسية معينة.

في سياق مواز، تنشط منظمة “Promediation” الفرنسية، المتخصصة في الوساطة في تيسير الحوار بين المجموعات السياسية المختلفة، والتي أصبحت من أكثر المنظمات الغربية انخراطاً في الشأن السوداني. قادت هذه المنظمة مؤخراً محاولات حوار مع مجموعات إسلامية، يُنظر إليها دولياً على أنهم “مفسدون محتملون” لأي عملية سياسية، وعامل في عرقلة إنهاء الحرب عبر التفاوض. الهدف من هذا الحوار هو تليين مواقف الإسلاميين، وتقسيمهم إلى “صقور” و”حمائم”، وبالتالي إضعافهم ككتلة جماهيرية ما زالت نشطة ذات قاعدة شعبية مؤثرة.

وبناء على ذلك، تقوم “Promediation” بهذه المهمة بالنيابة عن الدول الغربية، التي تمضي في مسارات أخرى موازية لعزل الإسلاميين ونزع شرعيتهم، ومنع أي عودة لهم إلى الساحة، وترفض مشاركتهم في أي حوارات مباشرة أو رسمية.

إلى جانب الحوار مع الإسلاميين، أصبحت “Promediation” مؤخراً منخرطة أيضاً في حوارات وورش عمل مع مجموعات مدنية، سواء مع أو ضد “طرفي الحرب”. وهذا يساعد في رسم خرائط القوى بموازين وأحجام قبل منح الشرعية والتمثيل في اجتماعات مثل مؤتمر برلين الأخير. لكن هذا الانخراط فشل في رسم خريطة لفاعلين حقيقيين ذوي أوزان سياسية يمكن الرهان عليهم، سواء في الحوار الوطني أو في ترتيبات إنهاء الصراع بقيادة “الخماسية”.

خاتمة

كما سبقت الإشارة، ومع تجاهل الدور الإماراتي الخطير والمدمر في تأجيج الصراع في السودان، والإصرار على خدمة أجنداتها عبر الآليات الدولية المختلفة، فإن مؤتمر برلين كان حلقة أخرى من حلقات الفشل الدولي تجاه الأوضاع في السودان وليس سبيلاً للحل.

إن تمرير مخرجات هذا المؤتمر مقدمات سياسية معدة مسبقاً، وتحديد أطراف معينة، واستغلال الصراعات والتنافس بين الأطراف السياسية، وإحداث انقسامات أكثر حدة وسط الجميع، ستكون له تداعيات وعواقب وخيمة. بل إن الصراع في المراحل المقبلة قد يتحول إلى مواجهة بين معسكرين: معسكر الخارج وحلفائه من بعض القوى السياسية، ومعسكر الداخل.

كما أن السعي لهندسة تسوية سياسية لخدمة أجندات خارجية، وجر بعض القوى السياسية المتصارعة وأصحاب المصالح الشخصية الضيقة لإضفاء شرعية على هذا المسار، والرهان على تحركات خارجية لفرضها – مع تجاهل الحكومة السودانية – هي مقاربة غير واقعية تماماً، ولا يُتوقع أن تنجح حالياً.

ختاماً، ورغم سيادة مبدأ احترام سيادة الدول وعدم المساس بها، فإن مؤتمر برلين قد كرّس في الواقع سابقة خطيرة في السياسة الأفريقية، إذ يتم التآمر على انتهاك سيادة دولة، ونزع شرعية حكومتها المعترف بها دولياً، لمصلحة مشروع خارجي واضح سعى لفرض أجنداته عبر بندقية التمرد، وعندما فشل، يحاول الآن تمريرها عبر الآليات الدولية والإقليمية مثل المجموعة “الخماسية” حالياً.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here