خلفية وأبعاد ملف التعويضات السودانية لأميركا

9
جريدة بريطانية:خلفية وأبعاد ملف التعويضات السودانية لأميركا
جريدة بريطانية:خلفية وأبعاد ملف التعويضات السودانية لأميركا

افريقيا برسالسودان. “لجأت الحكومة السابقة إلى خيار بديل عبر الوصول إلى تسوية قانونية مع أسر الضحايا خارج المحاكم”. وجاء بيان وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الأربعاء الماضي، بحصول الولايات المتحدة على 335 مليون دولار من السودان كتعويضات لضحايا تفجير السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، وتفجير المدمرة “يو أس أس كول” عام 2000، ومقتل الدبلوماسي جون غرانفيل عام 2008، مبشراً بمزيد من التعاطي الإيجابي بين واشنطن والخرطوم، بانتظار أن تسفر الأيام المقبلة عن تبعات هذه الرحلة الشاقة التي تكبدها السودان منذ ربط اسمه بقائمة الدول الراعية للإرهاب.

حصانة سيادية

وصرح السفير معاوية عثمان خالد، القائم بالأعمال السوداني الأسبق بواشنطن (في الفترة بين عامي 2014 و2018)، لـ”اندبندنت عربية”، بأن “كل القضايا التي رفعها مواطنون أميركيون ضد السودان أمام المحاكم الأميركية ارتكزت على تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب في عام 1993 من قبل إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون. وحجب هذا التصنيف الحصانات السيادية عن السودان من ضمن دول أخرى صنفت كذلك راعيةً للإرهاب وهي الحصانات المكفولة للدول بموجب القانون الدولي، إلا أن الولايات المتحدة وفي نهج أحادي شاذ تقدم قوانينها الخاصة على القانون الدولي وتعليها فوق الاتفاقيات الدولية المعمول بها وفوق الأعراف الراكزة والمستقرة في التعامل بين دول العالم. وهنالك قانون محدد شرعه الكونغرس، هو قانون الحصانات السيادية الأجنبية لعام 1976، الذي يحد من حصانات الدول، ويجعلها عرضةً للمقاضاة أمام المحاكم الأميركية متى ما وجد ما يستدعي ذلك التقاضي”.

وأضاف خالد أنه “بعد وقوع تفجيري السفارتين الأميركيتين وتفجير المدمرة الأميركية (يو أس أس كول) في عام 2000، أقدم مواطنون أميركيون، من المتضررين وأسرهم، على رفع قضايا مدنية ضد السودان طالبوا فيها بتعويضات مالية، وللمفارقة فإن الحكومة الأميركية وبعد قيامها بتحقيقاتها المطلوبة لم توجه أي اتهام للسودان بالضلوع في هذه الحوادث أو المشاركة الفعلية فيها، وبالقطع لم يشارك أي مواطن سوداني في هذه العمليات الإرهابية، ولكن ربما لسوء حظ السودان فإن الدول التي جرت الحوادث على أراضيها، أو بمشاركة مواطنين منها، لم تكن أي منها مصنفة كدولة ترعى الإرهاب، لذلك لم يكن بوسع ذوي الضحايا الأميركيين رفع قضايا تعويض بمواجهة هذه الدول التي تحظى بحصانة سيادية كاملة، وعمدوا في المقابل إلى مقاضاة السودان”.

قرينة بعيدة

وقال القائم بالأعمال السوداني السابق “عندما اتهمت الحكومة الأميركية رسمياً تنظيم القاعدة بالضلوع في تدبير العمليات الإرهابية الثلاث وتنفيذها، استفاد محامو الضحايا من قرينة بعيدة، وهي أن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن كان يقيم في السودان خلال الفترة من عام 1991 وحتى عام 1996، كرجل أعمال ومستثمر. وفي ذلك التاريخ لم يصنف بن لادن كإرهابي، إذ تأخر تصنيفه إلى ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001”. وزاد أنه “من الحقائق الجوهرية هنا، أن السودان طرد المستثمر بن لادن من أراضيه عام 1996 بناءً على طلب قدمته الحكومة الأميركية إلى الخرطوم، وكان ذلك قبل سنتين من حادثة السفارتين وقبل أربع سنوات من حادثة المدمرة كول. وعلى الرغم من ذلك فإن ضحايا العمليات الإرهابية المعنية مضوا في مقاضاة السودان بهذه القرينة واستجابت لهم المحاكم الأميركية المختصة، بيد أن الحكومة السودانية السابقة غلبت الرؤية السياسية على الرؤية القانونية في التعامل مع هذه القضايا وامتنعت عن المثول أمام المحاكم الأميركية على الرغم من تكليفها شركة محاماة أميركية في عام 2006 لمتابعة هذه القضايا”.

وواصل خالد “كان هذا الأمر مثار جدل داخلي بين السياسيين والقانونيين السودانيين، ما أتاح للقضاء الأميركي فرصة إصدار أحكام غيابية ضد السودان بدفع تعويضات مالية للضحايا وأسرهم، وضاعفتها بمبالغ إضافية كعقوبات تأديبية لعدم مثول السودان أمام القضاء في مراحل التقاضي الأولية، وقد بلغت الأحكام في جُملتها 10.8 مليار دولار”.

أحكام غيابية

في المقابل، رأى متخصص سوداني في مجال القانون (طلب حجب اسمه) أن “قرار التعويضات ليس قانونياً، لأنه لا علاقة للسودان بأي من الحادثتين الإرهابيتين. كما أن أسامة بن لادن في زمن وقوع الحادثتين، كان قد غادر السودان إلى أفغانستان، كما ليست هناك اعترافات وما من دليل مادي على ذلك، ولكن الخطأ الذي وقعت فيه الحكومة السابقة ووزير العدل الأسبق محمد بشارة دوسة، هو اتخاذ قرار عدم الذهاب وعدم إرسال مستشارين سودانيين أو تعيين محامين أميركيين، وتبعاً لذلك صدر الحكم غيابياً، ويعد الحكم الغيابي أضعف أنواع الأحكام، إذ إنه بمجرد ظهور الطرف الثاني (السودان) وتقديم أدلته، كان من الممكن تغيير مجريات الحكم أو إلغاؤها بالكامل، ولكن السودان لم يستفد من هذه الفرصة”.

وتابع “أما بالنسبة إلى قتل جون غرانفيل، فإن الدولة السودانية ليست مسؤولة قانونياً عن قتله لأن من قتله هم أفراد غير منتمين إلى الحكومة، وهي قضية عادية مفترض أن يحاكموا فيها بصورة فردية. وعندما سقط النظام توصلت الحكومة الانتقالية مع الإدارة الأميركية إلى تسوية سياسية. وفي رأيي أنه لو تريثت الحكومة الانتقالية وصمدت على الموقف القائل إن السودان ليس مسؤولاً عن هذه الحوادث، كان بإمكانه كسب القضية مهما طال عهدها”.

من الامتناع إلى التعاطي

وأوضح القائم بالأعمال الأسبق في واشنطن أنه “في مراحل لاحقة بدءاً من عام 2015، عدل السودان من سياسة الامتناع إلى التعاطي البناء بعد حدوث بعض التحولات الإيجابية في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، وكلف السودان شركة محاماة كبرى استئناف الأحكام الصادرة ضده، ونتج عن هذا التعاطي وصول السودان إلى مراحل متقدمة في استئنافه ما بين المحاكم العليا للولايات التي جرى فيها التقاضي، وصولاً إلى المحكمة العليا الفيدرالية، أعلى سلطة قضائية في أميركا. وكسب السودان بعض الأحكام في مسيرة الاستئناف هذه، وخسر معظم طلبات الاستئناف التي تقدم بها، ما جعل الأحكام الصادرة ضده مؤيدة من المحكمة العليا الفيدرالية، بالتالي تعد واجبة النفاذ، ولذلك لجأت الحكومة السودانية السابقة إلى الخيار البديل كأهون الشرّين، وهو الوصول إلى تسوية قانونية مع أسر الضحايا خارج المحاكم، تشمل الضحايا والمتضررين الأميركيين وغير الأميركيين من كينيا وتنزانيا”. وتابع “خضع مسار التسوية لجهد سياسي كبير في السودان والولايات المتحدة استغرق سنوات عدة، إذ بدأ طرق باب مسار التسوية منذ نهايات عام 2017، وتم ربط التسوية القانونية بعملية سياسية متكاملة، اتفق الطرفان على أن تفضي إلى إلغاء تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب في حال نجاح مشروع التسوية التي كانت تحتاج، إلى جانب العمل السياسي، إلى جهد قانوني كبير لإعداد اتفاقية التسوية، وجهد تشريعي مكمل عبر الكونغرس لاعتمادها وإصدار تشريع يعيد الحصانة السيادية إلى السودان، فضلاً عن قبول الكونغرس باتجاه الإدارة الأميركية نحو إلغاء تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب وعدم الاعتراض على هذه الخطوة”.

سحب الدعاوى ولفت خالد إلى أن “الحكومة الحالية واصلت في ذات الاستراتيجية إلى أن بلغت بها مرحلة النجاح المطلوب أخيراً، باكتمال التسوية وصدور جزء من التشريعات القانونية المكملة ودفع مبلغ التعويضات المتفق عليه بين السودان وبقية الأطراف فعلياً عبر التسوية القانونية، والبالغ 335 مليون دولار، وهو بلا شك مبلغ معقول عند قياسه بمبالغ الأحكام الصادرة فعلياً عن المحاكم. وشملت التعويضات، إلى جانب ضحايا حادثتي السفارتين وحادثة المدمرة كول، أسرة موظف المعونة الأميركية جون غرانفيل الذي قتل في الخرطوم في عام 2008، وباكتمال تسديد المبالغ للصندوق الحكومي الأميركي الذي سيوزعها على مستحقيها، قام المدعون في كل القضايا بسحب دعاواهم القضائية من كل المحاكم وقبل القضاة هذا السحب، بالتالي طويت تماماً ملفات القضايا التي صدرت فيها أحكام مسبقة ضد السودان في ما يتصل بهذه الحوادث، فيما تبقت دعاوى أخرى متصلة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر لا تزال في طور التقاضي ولم يفصل فيها القضاء بعد”.

اندماج دولي في سياق متصل، أكد المستشار الإعلامي السابق بمجلس الوزراء فايز السليك لــ”اندبندنت عربية”، أن “خطوة التسوية مع الإدارة الأميركية بدأها القائم بالأعمال الأسبق في واشنطن، معاوية عثمان خالد، إلا أن الحكومة السابقة لم تتعامل مع الملف بجدية، وبعد تولي عبد الله حمدوك رئاسة حكومة الثورة، فتح الملف مباشرةً مع الإدارة الأميركية وتولى فريق فني ومحامون متابعة الملف مع السفارة السودانية بواشنطن بمتابعة مباشرة من قيادة الحكومة الانتقالية”. وتابع “بعد المفاوضات ودفع التعويضات يمكن القول إن السودان عاد إلى الاندماج في المجتمع الدولي، وأتوقع علاقات أرحب مع كل دول العالم وهذا بدوره سينعكس إيجاباً على ملفات الاقتصاد والسلام ونجاح الفترة الانتقالية”.

نقلة جوهرية

وعن أبعاد الوصول إلى التسوية القانونية ونتائجها، أوضح القائم بالأعمال الأسبق بواشنطن معاوية خالد، أنها “أفضت إلى إلغاء تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب، ما يفتح أمام الخرطوم فرصاً كبيرة في مجالات مختلفة أهمها إمكانية إعفاء ديون السودان من خلال مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (هيبيك)، وهي سانحة تاريخية إن أحسنت الحكومة القائمة اغتنامها فإن من شأنها أن تحدث نقلة جوهرية في مسار الاقتصاد السوداني. بيد أن ذلك يحتاج دون شك إلى عمل سياسي متكامل في الداخل لتحقيق التوافق الوطني والتراضي العام لتوظيف كل الطاقات نحو البناء والتعمير دون إقصاء، إذ لا يكفي الحديث عن وجود رغبة دولية فقط في مساندة السودان، ذلك أنه بالنظر إلى المشاهد الماثلة في كثير من الدول الخارجة من نزاعات أو تلك التي شهدت تغيراً في أنظمة الحكم فيها، نجد أن أغلبها لا يزال يعاني ويتعثر في مسارات الانتقال الصعبة، هذا مع الإشارة إلى أن أكثر الدول المعنية لم تكن مصنفة برعاية الإرهاب ولم تفرض عليها عقوبات شاملة ولم تواجه أحكاماً قضائية قاسية كالتي واجهها السودان. ولتخطي مثل هذه التجارب المتعثرة لا بد من اعتبار أن الحصانة السيادية الكبرى المطلوب تثبيتها هي التوافق الوطني العريض والاتفاق الغالب حول جوهر القضايا الوطنية الرئيسة، يأتي ذلك مسنوداً بمؤسسات حكم فاعلة ومؤسسة تشريعية منتخبة ودستور دائم”.

اختراقات إيجابية من جهته، أوضح فتح الرحمن الأمين، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة النيلين، أن “قضية التعويضات وكسب السودان الحصانة السيادية حتى لا تتم مقاضاته مرةً أخرى، أدت إلى انخراطه في المجتمع الدولي وزيارات مسؤولين أميركيين على رأسهم وزير الخارجية السابق مارك بومبيو، نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا، أندرو يونغ والرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير وغيرهم”. وتابع الأمين أنه “بالإضافة إلى ذلك، هناك حل ملفي انتهاك حوق الإنسان، والنزاعات الداخلية، ما أحدث اختراقات إيجابية على مستوى الحصار الدبلوماسي والاقتصادي الذي كان مفروضاً طيلة 30 سنة، تبعه التزام الولايات المتحدة بالقرض التجسيري. وطلب السودان شراكة وتدخل أميركي في قضية سد النهضة، كما أصدر الكونغرس تشريعاً لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان، ودعوة السعودية المؤسسات المالية الدولية في مؤتمر المانحين ببرلين في يونيو (حزيران) الماضي، لدعم الاقتصاد السوداني، ودخول السودان في شراكات إقليمية أهمها ملف السلام مع “إسرائيل” وتوقيع اتفاقيات وبروتوكولات أمنية واقتصادية وسياسية مع مصر”.