حرب المسيّرات في السودان تخرج عن السيطرة

4
حرب المسيّرات في السودان تخرج عن السيطرة
حرب المسيّرات في السودان تخرج عن السيطرة

أفريقيا برس – السودان. في بلد اعتاد سكانه على أصوات المدافع منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبح ذلك الأزيز الخافت في السماء — الذي يسبق الانفجار بثوانٍ — جزءًا من يوميات الحياة، علامة على تحول نوعي في طبيعة القتال، وعلى دخول السودان مرحلة جديدة من الحروب التي تُدار عن بُعد. فالمسيّرات، التي بدأت كأداة مساندة محدودة، تحولت خلال أقل من عامين إلى عنصر مركزي يعيد تشكيل مسار الحرب، ويعمّق آثارها على المدنيين والبنية التحتية، ويضع البلاد في قلب سباق إقليمي على النفوذ العسكري والتقني.

ومع اتساع نطاق استخدامها، باتت الطائرات المسيّرة أحد أبرز ملامح الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إذ تُستخدم في الاستطلاع وجمع المعلومات وتنفيذ ضربات دقيقة، وفي استهداف مواقع عسكرية وبنى تحتية حيوية. وتكشف البيانات المتاحة حجم هذا التحول؛ فبحسب مشروع “بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة” (ACLED)، قُتل أكثر من 2500 شخص في ما يزيد على ألف غارة منذ اندلاع الحرب وحتى يناير 2024، بينما شهد الشهران الأولان من عام 2026 وحدهما نحو 198 ضربة، تسببت 52 منها في سقوط ضحايا مدنيين بلغ عددهم 478 شخصًا.

وتُظهر الأرقام تفاوتًا لافتًا في تأثير الضربات بين المناطق. فبينما تصدرت الخرطوم عدد الهجمات المسجلة، كانت معدلات الفتك أعلى في دارفور وكردفان، حيث سُجل مقتل 577 شخصًا في شمال دارفور وحدها، وأكثر من 1100 في ولايتي شمال وغرب كردفان. ويعكس هذا التفاوت هشاشة المناطق البعيدة عن المركز، حيث تصبح المجتمعات أكثر عرضة للرصد الجوي في بيئات مفتوحة تفتقر إلى وسائل الحماية.

وتشير هذه المعطيات إلى تحول استراتيجي عميق؛ فالمسيّرات لم تعد مجرد أداة تكتيكية، بل أصبحت وسيلة ضغط تعيد تشكيل طبيعة القتال. ويعتمد الجيش السوداني على منظومات تركية وإيرانية مثل “بيرقدار تي بي 2” و“مهاجر-6”، بينما طورت قوات الدعم السريع قدرات متنوعة تشمل منصات تجارية معدلة ومسيّرات انتحارية وأخرى بعيدة المدى مثل “وينغ لونغ-2” الصينية. ومع دخول تقنيات التشويش والحرب الإلكترونية إلى ساحة المعركة، تحوّل السودان إلى مختبر مفتوح لتجريب تقنيات القتال الحديثة.

ويرى محللون وفق جريدة ديسمبر أن هذا التنوع في مصادر التسليح وضع القرار العسكري السوداني ضمن شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية، وجعل البلاد ساحة اختبار ميدانية لمنظومات مسيّرة تبحث الدول الداعمة عن تقييم أدائها في ظروف حرب حقيقية. ويقول أحد المحللين السياسيين إن الصراع بين الطرفين “في جوهره صراع على السلطة”، وإن الضربات الجوية أصبحت وسيلة لإبقاء مناطق الخصم في حالة عدم استقرار، بما يعزز شرعية السيطرة ويطيل أمد الحرب.

لكن هذا التحول التقني يحمل كلفة إنسانية باهظة. فقد أصبحت البنية التحتية المدنية هدفًا متكررًا، بما في ذلك محطات الكهرباء والمياه والمطارات والأسواق. وفي بعض المناطق، أدت ضربات استهدفت منشآت كهربائية إلى انقطاعات واسعة عطّلت المستشفيات ومرافق المياه والاتصالات. ويقول أحد المستشارين في مجموعة بحثية إن “انخفاض الكلفة البشرية لاستخدام المسيّرات أسهم في تحويل الحرب من معارك حسم تقليدية إلى حرب استنزاف مفتوحة”، مشيرًا إلى أن تكرار استهداف منشآت خدمية يتجاوز “الخطأ العملياتي” ويعكس منطقًا استراتيجيًا يقوم على إضعاف بيئة الخصم.

وتتسع دائرة القلق الدولي مع تزايد الخسائر في صفوف المدنيين. فقد أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن “صدمته” من التقارير التي تشير إلى مقتل أكثر من 200 شخص منذ 4 مارس في كردفان والنيل الأبيض، محذرًا من استخدام مسيّرات قادرة على نشر أسلحة متفجرة ذات تأثير واسع في مناطق مأهولة. ودعا أطراف النزاع إلى الالتزام بالقانون الإنساني الدولي، ولا سيما الحظر على استهداف المدنيين.

لكن المساءلة القانونية تبدو أكثر تعقيدًا في ظل طبيعة الهجمات، إذ يمكن تنفيذ الضربات عن بُعد دون وجود مباشر في موقع الهجوم، ما يصعّب تحديد الجهة المسؤولة بدقة. وفي الوقت نفسه، أدى انتشار التكنولوجيا منخفضة الكلفة وتدفق التمويل الخارجي إلى توسيع نطاق استخدام المسيّرات، وخلق شبكات توريد ووسطاء ومصالح إقليمية مرتبطة بتدفق هذه التقنيات إلى السودان.

ورغم كثافة الضربات، لا يبدو أن التفوق الجوي يترجم إلى مكاسب ميدانية حاسمة. فبحسب محللين عسكريين، لا تؤدي الضربات وحدها إلى تغيير في ميزان السيطرة على الأرض ما لم تُقترن بعمليات برية قادرة على استغلال نتائجها. ويشير أحدهم إلى أن انخفاض كلفة الضربة مقارنة بكلفة الدفاع عنها يعزز نمط قتال قائم على الاستنزاف المستمر، ما يخلق دائرة مغلقة تُطيل أمد الحرب بدلًا من حسمها.

وفي المحصلة، أصبحت المسيّرات جزءًا ثابتًا من بنية الحرب السودانية، تمنح الأطراف القدرة على إلحاق الأذى دون المخاطرة بخسائر كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تزيد من تعقيد الصراع وتوسّع آثاره الإنسانية. ويرى محللون أن هذا النمط من القتال يجعل الوصول إلى حسم عسكري تقليدي أكثر صعوبة، ويزيد من احتمال استمرار النزاع لفترة أطول، مع توسع رقعته الجغرافية.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن أي تصور جاد لإنهاء الحرب في السودان لا يمكن أن يتجاهل الدور المتنامي للتكنولوجيا العسكرية الجديدة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، التي باتت تشكل أحد العوامل الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح الصراع ومستقبله. وبينما يواصل السودانيون حياتهم تحت سماء يعلوها أزيز خافت يسبق الانفجار، تبدو نهاية الحرب أبعد مما كان متوقعًا، في صراع يعيد تشكيل البلاد من الجو قبل الأرض.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن السودان عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here