أفريقيا برس – السودان. في لحظة تعكس حجم التحولات الجيوسياسية التي تحيط بالسودان، جاء القرار الأميركي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمة إرهابية أجنبية ليضع البلاد أمام منعطف جديد، ليس فقط لأنه يستهدف أحد أكثر التنظيمات تأثيرًا في الحياة السياسية السودانية، بل لأنه يعيد ترتيب موازين القوى داخل حرب لم تهدأ منذ اندلاعها، ويطرح أسئلة عميقة حول مستقبل الدولة نفسها. فالقرار، كما ورد في البيان الصادر عن وزير الخارجية الأميركي في 9 مارس 2026، لا يبدو مجرد خطوة قانونية، بل جزءًا من إعادة تشكيل واسعة للمنطقة، تتداخل فيها حسابات النفوذ الإقليمي ومسارات الحرب السودانية.
وتشير الوثيقة إلى أن القرار “أكثر ارتباطًا بحرب السودان من علاقته بالحرب الأميركية الإسرائيلية – الإيرانية”، في إشارة إلى أن واشنطن تنظر إلى الصراع السوداني باعتباره ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية، من بينها إيران، التي ظهرت تقارير عن “تقارب عسكري بينها وبين الجيش السوداني، خصوصًا في مجال الطائرات المسيرة”. وإذا صح هذا التقدير، فإن القرار الأميركي يحمل رسالة واضحة برفض أي تمدد لنفوذ طهران في السودان، والضغط على الجيش لإعادة ضبط علاقاته الخارجية.
لكن العلاقة بين الحركة الإسلامية السودانية وإيران لم تكن يومًا ثابتة، كما تذكر الوثيقة، بل اتسمت بـ“التقلب التاريخي”. لذلك يبدو أن توقيت القرار يرتبط بثلاثة تحولات إقليمية: إعادة ترتيب الشرق الأوسط، تقليص نفوذ الإسلام السياسي، والتأثير على توازن القوى داخل السودان. وهذه العوامل مجتمعة تجعل القرار جزءًا من مشهد أكبر يتجاوز حدود السودان.
وعلى مستوى الإسلاميين، تشير الوثيقة إلى أن الحركة الإسلامية تشظت بعد ثورة ديسمبر، لكن “جناحًا بقيادة علي كرتي تمكن من السيطرة على موروثات الحركة واستحوذ على تركتها المالية والسياسية والعسكرية”، وهو الجناح الذي يستهدفه القرار الأميركي. وتضيف أن التنظيم، المعروف بـ“عدم المرونة السياسية”، استخدم كل ما أتيح له لمواجهة الثورة، من فض الاعتصام إلى الانقلاب ثم الحرب الحالية. ولذلك فإن القرار سيشكل “هزة عنيفة داخل الكيان”، لأنه ذو “مفعول رباعي (عسكري – سياسي – تنظيمي – اقتصادي)”.
وتتوقع الوثيقة أن يلجأ التنظيم إلى تكتيكات “البيات الشتوي”، مثل الانسحاب من القيادة، وتقديم كوادر متخفية، وخفض الأصوات العالية، ومحاولة الانخراط في العملية السياسية عبر واجهات جديدة. لكنها تحذر من أن هذه التكتيكات قد تواجه تحديات كبيرة، خصوصًا مع تجفيف مصادر التمويل، وظهور مجموعات أكثر تشددًا قد تتجه إلى تأسيس ميليشيات مستقلة.
أما على مستوى الجيش، فإن القرار يضعه في “زاوية حرجة”، كما تقول الوثيقة، لأنه يعتمد على دعم إيراني في وقت ترتبط فيه بعض حلفائه الإقليميين بعلاقات معقدة مع الإخوان. وتضيف أن السعودية، التي تدعم الجيش ماليًا، تجد نفسها أمام تناقض، إذ يتعاون الجيش مع إيران التي تهاجم الرياض. كما أن وجود “كتيبة البراء” التي يبلغ تعدادها نحو عشرين ألف مقاتل، وتعمل أحيانًا خارج إمرة الجيش، يفتح الباب لاتهامات بوجود علاقة وثيقة بين المؤسسة العسكرية والتنظيم المصنف إرهابيًا.
وتحذر الوثيقة من أن التصنيف قد يؤدي إلى “نفور النظام المصرفي الدولي من التعامل مع السودان”، ما يفاقم الأزمة الاقتصادية. كما تشير إلى أن حكومة الجيش “مثقلة بالأعباء” وغير قادرة على تسيير الدولة بفعالية، في ظل الفساد المتفشي والأمن المتفلت والدواء المعدوم.
وتعرض الوثيقة أربعة خيارات أمام الجيش: فك ارتباط انتقائي مع الإسلاميين، إعادة هيكلة أوسع لمعسكر الحرب تحت شعار “جيش وطني لا حزبي”، الارتماء أكثر في حضن الإسلاميين، أو المناورة الدبلوماسية مع واشنطن عبر وسطاء. لكنها تؤكد أن “عامل الزمن سيكون حاسمًا”، وأن المسار الأكثر واقعية هو القبول بوقف إطلاق النار وفتح مسارات الإغاثة.
أما قوات الدعم السريع، فإن القرار يمنحها مكاسب معنوية، إذ رحب قائدها حميدتي بالخطوة واعتبرها “انتصارًا لإرادة الشعب السوداني”. لكن الوثيقة تشير إلى أن هذا المكسب قد يكون مؤقتًا، لأن هناك تحركات داخل الكونغرس تطالب بتصنيف الدعم السريع نفسه منظمة إرهابية، ما يعني أن “لا أحد في مأمن من التصنيف”.
وتتوسع الوثيقة في تحليل البعد الإقليمي، مشيرة إلى أن السودان يقع في قلب شبكة صراعات تمتد من الشرق الأوسط إلى القرن الأفريقي، وأن بعض القوى الإقليمية ترى في القرار دعمًا لموقفها المناهض للإخوان، بينما تنظر إليه دول أخرى باعتباره توسعًا في سياسة استهداف الإسلام السياسي. وهذا التباين قد يزيد من تعقيد المشهد الدبلوماسي.
كما تشير إلى أن المنظمات الإقليمية والدولية ليست موحدة في رؤيتها، وأن القرار قد يدفع بعض الأصوات التي كانت ترى ضرورة إشراك الإسلاميين في مستقبل السلطة إلى التراجع مؤقتًا. أما القوى المدنية، التي تعاني من “التشظي والتفتت”، فقد تجد في القرار فرصة لإعادة ترتيب صفوفها، خصوصًا تيار “لا للحرب”.
وتخلص الوثيقة إلى أن القرار يمثل “لحظة مفصلية في العلاقة بين السودان والنظام الدولي”، لكنه قد يتحول إلى عامل تعقيد إضافي إذا لم يترافق مع حل سياسي شامل. فمستقبل تأثيره سيعتمد على مسار الحرب، وقدرة القوى المدنية على تقديم بديل سياسي، وطبيعة التوازنات الإقليمية والدولية المحيطة بالصراع.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن السودان عبر موقع أفريقيا برس





