أفريقيا برس – الجزائر. عاد القيادي السابق في حزب الجبهة الإسلامية للانقاذ المحظورة أنور هدام، الى الجزائر بعد 32 عاما من المنفى في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك وسط تكتم واستفهامات حول الاطار القانوني والسياسي الذي كفل له ذلك، ولو أن المؤشرات توحي الى تفعيل انتقائي لقانون لم الشمل، مع شخصيات محسوبة على الحزب المنحل، ويجهل التنازلات التي قدموها للسلطة، بينما يبقى آخرون تحت قيود أمنية وقضائية، كما هو الشأن للرجل الثاني في الحزب، والمجموعة القيادية التي تنتظر المحاكمة بعد إصدارها بيانا سياسيا، اعتبرته السلطة مساسا بالأمن والوحدة الوطنية.
وتأجلت عودة أنور هدام، الى بلاده عدة مرات منذ حقبة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، بسبب خلافات بينه وبين الجهات الرسمية المخولة بتأمين العودة، وبينه وبين قياديين آخرين في الحزب المذكور، ولو أنه لا علاقة تنظيمية وهيكلية تربطه بهم، منذ أن أسس الحركة من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية.
ولا زال التكتم يخيم على العودة، التي يبدو أنها تبلورت بعيدا عن الأضواء الإعلامية والسياسية، تفاديا للتأويلات المحتملة، خاصة موقف السلطة من فلول الحزب المحظور، ففيما جرت اتصالات مع بعض الوجوه القيادية في السابق من أجل الانخراط في مشروع لم الشمل، تتواصل القبضة الحديدة ضد رموزه في الداخل، حيث يعاني الرجل الثاني في الحزب من قيود إقامة جبرية صارمة، في حين تم توقيف عددا من القياديين بسبب اصدارهم بيانا سياسيا العام 2023، انتقدوا فيه إدارة السلطة للأزمة السياسية في البلاد، وعبروا عن استعدادهم للمساهمة في بلورة مقاربة تجمع كل الأطياف السياسية في البلاد.
ونفى عبدالسلام بن حجر، نجل القيادي المسجون بن عودة بن حجر، علم أو رأي قيادة جبهة الإنقاذ بقرار عودة أنور هدام، الى الجزائر، لأنه رغم المدرسة السياسية التي ينتمي اليها الطرفان، الا أن الاتصالات أو التشاور انقطع منذ عدة سنوات، خاصة بعدما أسس الرجل حركته السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، بما يوحي الى تنصله من رصيده النضالي والسياسي.
وأكد، لـ “أفريقيا برس”، بأنه “يستبعد أن يكون قرار عودة هدام الى الوطن، قد تمت وفق مقاربة تتضمن شروطا أو تنازلات من الطرفين، تضع وضع الرفاق السابقون بعين الاعتبار، بدليل أنه تم تأجيل النظر في ملف القادة المحبوسين من طرف المحكمة المختصة بالعاصمة، وأن التهم التي وُجهت لهم تندرج في اطار البند 87 مكرر من قانون العقوبات والذي يعالج قضايا الإرهاب، مما يوحي أن السلطة لا زالت تتبنى موقفا متشددا ضد بقايا جبهة الإنقاذ”.
وتابع: “القادة الموجودون رهن الحبس المؤقت، بلغوا سنا متقدمة، وبعضهم يعاني من أمراض خطيرة ومزمنة، إلا أنه مر عليهم أكثر من عام دون محاكمة، وهو ما يشي الى أن شعار لم الشمل الذي ترفعه السلطة، هو توجه انتقائي موجه لصالح وجوه معينة، بينما يتم التعاطي من قادة وقواعد شعبية بتشدد يقصي الحزب من أي تسوية سياسية، وهو ما يبقي الأزمة في مربعها الأول بين السلطة وجبهة الإنقاذ.
ويعد أنور هدام، أستاذ العلوم النووية، واحد من القيادات المؤسسة للحزب، وأحد مرشحيه البرلمانيين في انتخابات العام 1991، وحاز على مقعده عن ولاية تلمسان، قبل أن تتدخل المؤسسة العسكرية وتلغي المسار الانتخابي، وتغير تعاملها مع الحزب الذي استحوذ على الأغلبية في تلك الانتخابات، الأمر الذي أدخل البلاد في دوامة دموية دامت عشر سنوات.
وكان الرجل من أول كوادر جبهة الإنقاذ الذين اضطلعوا بمهمة رئاسة الهيئة السياسية والبرلمانية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية من أجل الدفاع عن المسار الانتخابي الموقوف، وأقام في واشنطن أين تعرض لعدة مضايقات وتحقيقات لاسيما بعد أحداث الحادي عشر سبتمبر 2001.
ومع تلاشي النشاط السياسي والإعلامي لكوادر الإنقاذ في الخارج، تحت تأثير استعادة السلطة لزمام المبادرة، دب الفتور بين أفرادها، خاصة بعد اطلاق الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، لقانوني الوئام المدني والمصالحة الوطنية في 1999، و2005.
ورغم عدم الجهر بخلافات سياسية بين قيادات الهيئة السياسية، والقيادات التاريخية لجبهة الإنقاذ، فان اعلان أنور هدام، الذي تبنى التفجير الذي استهدف مبنى الأمن بالعاصمة مع بدايات أعمال العنف المسلح مطلع تسعينيات القرن الماضي، عن تأسيس حركة الحرية والعدالة الاجتماعية، اعتبر بمثابة انشقاق نهائي دون عودة.
ورجحت مصادر محلية، أن تكون عودة أنور هدام، حلقة من مسلسل مصالحة بين السلطة وبعض وجوه المعارضة في الخارج، لكن هويتهم الشخصية والسياسية تبقى مجهولة لحد الآن، بسبب التكتم المضروب على المسعى من الطرفين، لتلافي فرضيات الإجهاض والاستغلال السياسي.
وأطلقت الجزائر في السنوات الأخيرة، مشروعا للم الشمل يستهدف استقطاب وجوه سياسية معارضة، خاصة تلك الناشطة في الخارج، ليكون طبعة منقحة من قانون المصالحة الوطنية، لكنه بقي غامضا وغير مقنع للعديد من الوجوه المستهدفة، ولم يتم الترويج السياسي أو الإعلامي له، خاصة بعد الافتقاد للصدى المنشود، مع بعض الوجوه العائدة من حركة “رشاد” الإسلامية المصنفة ضمن الكيانات الإرهابية في الجزائر منذ العام 2021.
ووصفه معارضون راديكاليون في الخارج، بـ “قانون التوبة”، الذي لا يحفظ كرامة ومكانة أصحابه في المشهد الجديد، حيث يبقون مجردين من حريات النشاط السياسي والحركة المرنة، فضلا عن طابعه الاقصائي والانتقائي، حيث يبقى التشدد والقبضة الحديدية مضروبة على قيادات وقواعد الحزب المذكور.
وينقل عن الرجل مواقفه المتشددة في بداية مشواره السياسي والنضالي، قبل أن يجري مراجعته السياسية وينشق عن جبهة الإنقاذ، ويتقدم بعدة طلبات للسماح له بالدخول الى بلاده.
واتهم أنور هدام (71عاما)، المؤسسة العسكرية بـ “الانقلاب على خيار الشعب في 1992” وقال في تصريحات صحفيه سابقة، بأن “الانقلابيين فشلوا في بناء الدولة التي ينعم فيها المواطن بحقوقه.. دولة يريدها ديمقراطية اشتراكية في إطار مبادئ الإسلام وفقاً لوثيقة أول نوفمبر 1954، التي دخل بها الثوار الجزائريون حرب التحرير ضد فرنسا، ونحن جبهة الإنقاذ نمثل الشرعية بحكم انتخاب الشعب لنا في 1991 في انتخابات شرعية نزيهة”.
وصرح الرئيس السابق لما كان يعرف، بـ “اللجنة الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان”، المجلس الوطني لحقوق الانسان حاليا المحامي والحقوقي فاروق قسنطيني، أن “الرجل تبنى الاعتداء الإرهابي الذي استهدف مقر أمن العاصمة بشارع العقيد عميروش بقلب العاصمة الجزائر العام 1995، والذي تبنته حينها الجماعة الإسلامية المسلحة (جيا) وهذا يمنعه من الاستفادة من تدابير ميثاق السلم والمصالحة الوطنية التي تستثني هؤلاء من العفو” موضحا أن القرار “يعود إلى القضاء”.
لكن يبدو أن قانون لم الشمل، الذي أطلقه الرئيس عبدالمجيد تبون، يملك رؤية مغايرة وشروطا أخرى لاستقطاب معارضي الخارج، حتى وإن صرح في احدى مداخلاته الصحفية، بأننا “اعطينالهم طريحة في التسعينات”، أي “ألحقنا بهم هزيمة نكراء”، في إشارة لحرب السلطة على الإرهاب والإرهابيين أثناء العشرية الدموية (1990-2000).
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





