عزوف الناخبين يعيد طرح سؤال الشرعية في انتخابات الجزائر

أفريقيا برس – الجزائر. كرّست الانتخابات التشريعية الجزائرية، التي جرت أول من أمس، هيمنة أحزاب التحالف الرئاسي على «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة الأولى للبرلمان)، لكنها حملت، في الوقت نفسه، مؤشراً سياسياً بالغ الدلالة، تَمثّل في تسجيل أدنى نسبة مشاركة في تاريخ الانتخابات البرلمانية. إذ بلغت نسبة المشاركة الأولية، وفق «السلطة الوطنية المستقلّة للانتخابات»، 20.79%، و10.67% للجاليات في الخارج، في ما يعكس اتّساع العزوف الشعبي عن صناديق الاقتراع.

وتُنبئ النتائج الأوّلية -غير الرسمية- ببداية تشكّل خريطة برلمانية جديدة؛ إذ أظهرت نتائج الفرز الجزئي حصول حزب «التجمّع الوطني الديمقراطي» على أكثر من ثلاثين مقعداً، وهو ما يشي، مع استمرار عمليات الفرز، بتقدّمه مقارنة بالانتخابات التشريعية لعام 2021 التي كان قد حصد فيها 58 مقعداً. ويأتي هذا التقدّم بالتوازي مع إعادة انتخاب الأمين العام للحزب، منذر بودن، لعهدة جديدة في البرلمان عن ولاية ميلة. أيضاً، تشير المعطيات الأولية إلى تقدّم حزب «جبهة المستقبل»، على رصيده السابق البالغ 48 مقعداً، وهو ما يعزّز موقع الحزبَين داخل المعسكر الداعم للرئيس عبد المجيد تبون، في انتظار الإعلان الرسمي عن التوزيع النهائي للمقاعد.

وأمّا النتائج المتعلّقة بالأحزاب الإسلامية، وفي مقدّمها حركة «مجتمع السلم»، التي مثّلت حزب المعارضة الرئيس في المجلس المنتهية ولايته، فلا تزال محلّ ترقب، في حين يسود أوساطَ الأحزاب اليسارية والديمقراطية -وفي مقدّمها «حزب العمال»، و«جبهة القوى الاشتراكية»، و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»- التي كانت قاطعت الانتخابات التشريعية السابقة، وعادت إلى خوض هذا الاستحقاق، حذرٌ إزاء قدرتها على استعادة حضورها البرلماني، لا سيما في ظلّ الصعوبات التنظيمية والإجرائية التي واجهتها، والمرتبطة بشروط الترشّح وجمع التوقيعات.

ورغم نسبة المشاركة المتدنّية، أشاد الرئيس الجزائري بظروف إجراء الانتخابات، مؤكداً في تصريحات عقب الإدلاء بصوته، أنه «لم تُسجّل أيّ شكاوى من المترشّحين أو الأحزاب بشأن التزوير أو سرقة الأصوات»، معتبراً أن الإطار القانوني الحالي يهدف إلى «ضمان نزاهة العملية الانتخابية وتعزيز الردع ضدّ أيّ خروقات»، وأن هذا الإطار وضع حدّاً لنظام المحاصصة السياسية أو ما يُعرف بنظام «الكوتا». وبدوره، قلّل رئيس «السلطة الوطنية المستقلّة للانتخابات»، كريم خلفان، من شأن التجاوزات التي سُجّلت خلال الاقتراع، مشيراً إلى أنه «تمّ التعامل معها ميدانياً، بينما فُتح تحقيق في بعض الحالات المرتبطة بعمليات التصويت عبر المكاتب المتنقّلة».

وفي المقابل، سارعت قوى المعارضة إلى التشكيك في شفافية العملية الانتخابية. وعبّر رئيس «حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، عثمان معزوز، عن قلقه من انقطاعات شبكة الإنترنت والاختلالات التي أصابت منصّة «السلطة الوطنية المستقلّة للانتخابات» الخاصة بتجميع النتائج، معتبراً، عبر صفحته الرسمية، أن ذلك «يثير تساؤلات حول شفافية العملية». وإذ حذّر من مغبّة «التحريف أو الالتفاف على الإرادة الشعبية»، فهو أكد تمسّكه بـ«الدفاع عن جميع الأصوات التي حصل عليها»، مطالباً بنشر النتائج بشفافية كاملة من مكتب تصويت إلى آخر، ومشدداً على أن «أيّ مساس بنزاهة الاقتراع يمثّل مساساً بإرادة الناخبين».

وبحسب المعطيات الأولية، أدلى قرابة 5 ملايين ناخب بأصواتهم من أصل كتلة تتجاوز 24.7 مليون ناخب مسجّل في اللوائح، في نسبة مشاركة تعدّ الأدنى مقارنةً بالاستحقاقات التشريعية السابقة. وتشير هذه النسبة إلى أن ربع الناخبين تقريباً فقط، شاركوا في اختيار ممثّليهم، وهو ما اعتبرته أصوات سياسية من المعارضة مؤشراً على تراجع الثقة في النخب السياسية الحالية، وعزته إلى عوامل سياسية واجتماعية متراكمة. ويأتي على رأس تلك العوامل، ضعف التعبئة، وتردّي مستوى الخطاب السياسي الانتخابي سواء لدى السلطة أو المعارضة، والذي عجز عن استقطاب الناخبين، لا بل أسهم، في بعض الحالات، في تعميق حال الفتور تجاه العملية الانتخابية. وفي الوقت نفسه، أشارت بعض القوى إلى أن الأوضاع الاجتماعية، خاصة في ما يتعلّق بتراجع القدرة الشرائية، أدت دوراً في تعزيز عزوف جزء من المواطنين عن التصويت.

وفي هذا السياق، رأى القيادي في «حزب العمال»، يوسف تعزيبت، أن ضعف الإقبال على مستوى كامل التراب الوطني يؤشّر إلى «تراجع ثقة الناخبين» في العملية الانتخابية. واعتبر أن نسبة العزوف الواسعة لا ترتبط بـ«مدة الحملة الانتخابية» فحسب، بل بعوامل أعمق تتعلّق بـ«انفتاح الحقل السياسي والإعلامي واحترام الحريات الديمقراطية وتطبيق القوانين الانتخابية»؛ وهي تعكس، بحسبه، استمرار تشكيك شريحة واسعة من المجتمع الجزائري في الانتخابات التي تلت «حراك فيفري 2019»، والذي طالب بتغيير جذري للنظام السياسي.

في المحصلة، ورغم أن النتائج الأولية تثبّت احتفاظ أحزاب التحالف الرئاسي بأغلبية مريحة داخل المجلس الشعبي الوطني، مع تسجيل تقدّم لعدد من مكوناته، فإن العنوان الأبرز لهذا الاستحقاق لم يكن يتمثّل أساساً بتوزيع المقاعد -في ظلّ الفوز المتوقّع لتلك الأحزاب-، بقدر ما تمثّل بنسبة الإقبال. وبذلك، عاد سؤال الشرعية السياسية للمؤسسات المنتخَبة إلى الواجهة، في ظلّ اتّساع الفجوة بين السلطة وجزء واسع من المجتمع، والذي يأتي في وقت تواجه فيه البلاد مرحلة مشبعة بالتحديات الداخلية والإكراهات الخارجية.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here