قصّة سطو المغرب على طائرات مهداة للجزائر من السوفيات!

قصّة سطو المخزن على طائرات مهداة للجزائر من السوفيات!
قصّة سطو المخزن على طائرات مهداة للجزائر من السوفيات!

أفريقيا برس – الجزائر. في هذا الحوار، يتحدث الأمين العام المساعد لمنظمة الوحدة الإفريقية سابقا، السفير والدبلوماسي نور الدين جودي، عن مساره الطويل والحافل بالإنجازات، وعلاقته بالزعيم الجنوب إفريقي، الراحل نيلسون مانديلا، الذي كان مرافقا ومترجما له خلال فترة تدربه في الجزائر إبان الثورة التحريرية المظفرة.

ويعرج جودي في لقاء جمعه بـ”الشروق اليومي”، على محطات أخرى كان شاهدا عليها، مثل علاقته بالرئيسين الراحلين هواري بومدين وأحمد بن بلة، ودوره في إقامة معسكرات لتدريب الثوار الأفارقة في تنزانيا، وما وقع له مع رئيس “تنجانيقا” سابقا، جونيوس نيريري بعد الانقلاب الذي قاده الراحل هواري بومدين على سلفه أحمد بن بلة في العام 1965، بالإضافة إلى محطات أخرى لم يسبق أن تم تداولها على وسائل الإعلام.

أولا من هو نور الدين جودي بالنسبة للأجيال الجديدة؟

نور الدين جودي، مواطن جزائري من الأغواط، لكنه ولد في المغرب خلال الاحتلال الفرنسي. درست في فرنسا وبالضبط في جامعة مونبيلي. كان والدي في كل عطلة يرسلني وإخوتي إلى الجزائر، حتى يبقي علاقاتنا بالوطن الأم وثيقة.

بعد ذلك، زاولت دراستي في اللغة والأدب الإنجليزي في بريطانيا، وكذلك الأدب الأمريكي أو الحضارة الأمريكية. واعتبارا من سنة 1953 شرعت في التربص النهائي. وهناك تعرفت على جزائري اسمه الشريف قلال. كان الجزائري الوحيد في لندن، ولما اندلعت الثورة غادر العاصمة البريطانية ليلتحق بالجبهة، وهو الذي تحدث عني لدى مسؤولي الثورة باعتباري شابّا أتقن اللغة الانجليزية.

بعدها اتصل بي المرحوم الأمين دباغين وطلب مني تمثيل الثورة في بريطانيا. ومعلوم أن بريطانيا كانت حليفة لفرنسا في الحلف الأطلسي، وكان دوري هو تحسيس الشعب البريطاني والجامعات بالقضية الجزائرية، والحمد لله وجدت بعض النواب قدموا لي يد المساعدة، على غرار “فيرنارد بروبري”، و”باربرا كاسل”.. إلى أن أنجزنا نشرة تسمى “فري ألجيريا” (الجزائر الحرة).

كيف كانت بداية عملك لصالح الجبهة هناك؟

من بين أولى الأولويات التي كلفت بها، محاربة أنصار مصالي الحاج، الذي كان علّمنا الدفاع عن الوطن، لكنه حاد عن الطريق في الأخير، والذين كانوا منضوين تحت لواء ما كان يعرف بـ “الحركة الوطنية الجزائرية”.

لما سمع بتمثيلية في بريطانيا للجبهة، جاء مولاي مرباح من فرنسا لكي يتصل بالتروتسكيين لتكسير جبهة التحرير في بريطانيا، غير أنه لم يكن يتقن اللغة الإنجليزية، وهو ما سهل لي المهمة بعض الشيء. التقينا في مجلس النواب في ويست منستر، والحمد لله تمكنت من إقناع الإنجليز بجدوى دعم جبهة التحرير على حساب حركة مصالي الحاج.

في مرحلة ما كانت وضعيتي مع الفرنسيين صعبة، كانوا يستهدفونني فجاءتني التوجيهات بترك بريطانيا، وأرسلوا لي مساعدا. لم يكن يتقن اللغة الإنجليزية، لكنني دربته بعض الشيء وأعطيت له التوجيهات اللازمة، والتحقت بعبد القادر شندرلي في نيويورك، وبعد سنة التحقت بجيش التحرير.

من هو شندرلي؟

يعتبر شندرلي هو أول جزائري خدم القضية الجزائرية في الولايات المتحدة الأمريكية. حقيقة كان هناك بعض الأسماء مثل حسين آيت أحمد ومحمد يزيد، اللذين قدما ما عليهما، لكن عبد القادر شندرلي يبقى صاحب اليد الطولى، لأنه هو من كان وراء الشاب السيناتور، جون كينيدي، الذي أعلن دعمه للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي.

متى كان هذا؟

أنا لا أفضل الحديث عن التواريخ، لأن ذلك يعطي الانطباع بأن هناك شيئا من التفاخر… أنا كنت شاهدا على شاب جزائري التحق بالثورة في المغرب، وبعد 45 يوما من التدريب القاعدي بقاعدة زغنغن قرب وجدة، قام بعملية مع المجاهدين ضد خط موريس وشال لتسهيل عملية نقل السلاح إلى المجاهدين في الداخل.

في أول عملية يقوم بها هذا الشاب، تعرض للغم بتر ساقيه الاثنتين. العبرة هنا هو أن هناك من سبق هذا الشاب إلى الجهاد بسنين ولكنه لا يزال حيا ويتمتع بالفيلات والممتلكات، وهناك من التحق لتوه بالثورة، ولكنه استشهد أو تعرض للغم أو قنبلة فعاش كل حياته معوقا. وللأسف هناك من جاهد من أجل الجزائر، ومع ذلك لم يتحصل حتى على الاعتراف بسبب الإجراءات البيروقراطية أو لاعتبارات أخرى.

أنا أول مرة أجد في النظام الثوري من كان فلاحا أو راعيا أو متخرجا من الجامعة، ما جمعنا هو الجهاد من أجل البلاد. الذي أثر على مستقبلي، هو أن الثوار الأفارقة الذين كنا ندربهم. ربما الكثير منهم كان يجهل بأنه حتى عندما كانت الجزائر في الحرب، في 1958 و1959، كانت تدرب الثوار الأفارقة من جنوب الصحراء، مثل الأنغوليين والجنوب إفريقيين والموزمبيقيين.

من هم الأفارقة البارزين الذين التقيتهم؟

كنت أول مرة ألتقي الثوار الأفارقة عندما التحق بنا الثائر الرمز الجنوب إفريقي، نيلسون مانديلا، الذي لم يكن يتكلم لا الفرنسية ولا العربية. احتار المجاهدون في كيفية التعامل معه بسبب عائق اللغة، لأن المجاهدين لم يكن بينهم من يتكلم الإنجليزية.

كان سي عمار بن محجوب هو مسؤول المحافظة السياسية، فقال للقائد هواري بومدين، إن هناك شابا يتقن الحديث باللغة الإنجليزية وكان يقصدني، ولهذا كلفت بالترجمة بين مانديلا ومن كانوا يدربونه، والفضل يرجع في كل هذا إلى المناضل الشريف بلقاسم، المدعو سي جمال، الذي دخل في حوار مع المناضل مانديلا ومرافقه، وأنا كنت المترجم بينهما.

وهكذا تعرفت على مانديلا. ثم جاءني أمر من القيادة وكلفوني بنقله إلى التدريب. أولا قمت باصطحاب الثائر الجنوب الإفريقي إلى الحدود حيث الحرب مع الجيش الفرنسي. ومن سوء الحظ في ذلك اليوم هاجمتنا طائرة حربية فرنسية، المشهورة بـ “الصفراء” أو “T6″، والحمد لله نجونا، علما أنني كنت مكلفا أيضا بتوفير الحماية لمانديلا. حملته إلى مركز زغنغن للتدريب وأعطيته بندقية، وسلمته للمدربين.

كيف وصل الثائر الجنوب إفريقي، نلسون مانديلا، إلى الجزائر؟

مانديلا كان قد تم تعيينه مسؤولا على المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) المناهض لسياسة الميز العنصري. يجب ألا ننسى أن مانديلا ونائبه أوليفر تامبو، كانا يدرسان في جامعة الحقوق بجنوب إفريقيا. كانت الجامعة خاصة بالسود فقط، بسبب سياسة الميز العنصري التي كان ينتهجها نظام “الأبارتايد” أو ما يعرف بنظام الفصل العنصري الذي انتهجته الأقلية البيضاء ضد السكان الأصليين في دولة جنوب إفريقيا.

اتصل بهما شخص اسمه وولتر سيزولو، وجندهما ضمن شبيبة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، الذي يناضل ضد الأقلية البيضاء التي استأثرت بالثروة والسيادة في هذا البلد. كان مانديلا يتبع أفكار المناضل الهندي غاندي، الذي كان يدعو إلى النضال بعيدا عن العنف، غير أنه مع نظام الميز العنصري لا يمكن لهذا الأسلوب النضالي أن يؤتي أكله.

عندها قرر مانديلا الخروج سريا من جنوب إفريقيا، لأنه كان ممنوعا على السود مغادرة بلادهم، فالتحق بزامبيا ثم بتنزانيا، وزار بعض الدول مثل كوت ديفوار وغينيا ثم انتقل إلى مصر، فوجهوه لممثل الجبهة في المغرب شوقي مصطفاي. فاتصل بممثلية الجبهة في الرباط، فأخبروه بأن كل ما يتعلق بالحرب، يتعين الاتصال بجيش التحرير الوطني. ولما تواصل مع قايد أحمد المشهور بـ “سي سليمان”، احتار في كيفية التواصل معه بسبب عائق اللغة، فتم اللجوء إلي مرة أخرى.

في 19 مارس 1962، بعد قرار وقف إطلاق النار، أمرني العقيد هواري بومدين، قائد أركان جيش التحرير، الذهاب كممثل للجيش في الرباط، وإبلاغ الطيبي العربي بالدخول إلى الجزائر، لأننا بحاجة إليه، وأعطاني بعض الأوامر.

وهنا أتذكر حادثة وهي أن الاتحاد السوفياتي حينها أهدى الجزائر ثلاث طائرات من نوع هيليكوبتر، غير أنهم لم يتمكنوا من تسليمها للجزائر، لأننا حينها لم نكن قد تحصلنا على الاستقلال، فكل ما تم التوصل إليه، لا يتعدى وقف إطلاق النار. تم وضع الطائرات في قاعدة بن سليمان بالمغرب، فسعت هذه الأخيرة إلى السيطرة على هذه الطائرات بكل السبل، وبعد جهد جهيد تمكنت من افتكاك هذه الطائرات من بين أيدي السلطات المغربية، وأدخلتها إلى مدينة مغنية على الحدود المغربية.

بعد سنة كلمني الرئيس الراحل أحمد بن بلة، وأبلغني بأني عينت سفيرا للجزائر في تنجانيقا (تنزانيا) لاحقا، فقلت له إنني لازلت على ذمة الجيش، وإنه يتعين عليّ إخبار العقيد هواري بومدين، الذي كان وزيرا للدفاع ونائبا للرئيس، وقد فعلت، فأخبرني بومدين بأنه يتعين علي الذهاب سفيرا، لأن المسألة متفق عليها.

ثم أخبرت بومدين بأنني تكوّنت من أجل أن أصبح مدرسا للغة الانجليزية في الجامعة، وليس دبلوماسيا، فرد علي بأن الدولة الجزائرية بحاجة إلى أبنائها حيث تريدهم بغض النظر عن تكوينهم، وأن الخبرة تكتسب مع مرور الوقت. وأكد لي أن قضية السفارة مجرد غطاء لأمر أهم، وهو إيجاد مكان لتدريب الثوار الأفارقة في هذا البلد، الذي يوجد بالقرب من العديد من البلدان الإفريقية التي لا تزال ترزح تحت نير الاستعمار الأوروبي.

وهناك في تنزانيا أقمنا قاعدة عسكرية، وبمساعدة الرئيس التنزاني السابق، جوليوس نيريري، وجدنا مكانا في منطقة تسمى موروغورو. والهدف من هذه القاعدة هو استقبال الثوار الذين تدربوا في الجزائر، من أجل استكمال التدريب هناك، وهذا بالاتفاق مع الرئيس التانزاني.

وبالاتفاق مع وزارة الدفاع في الجزائر، أرسل بعض الضباط ومنهم الضابط شوشان، وهو لا يزال على قيد الحياة، لأجل تدريب الثوار هناك. كان المدربون جميعهم جزائريون باستثناء واحد، وهو الكابيتان موسى تراوري، من مالي، وقد توفي قبل أقل من سنة، وكان رئيسا لمالي إلى أن تمت الإطاحة به في العام 2012 في انقلاب عسكري.

كان تراوري يأتيني إلى السفارة إلى أن أصبح رئيسًا لمالي. لما زار وزير الخارجية السابق، صبري بوقادوم، مالي والتقى بالعسكريين هناك وبالمجموعة الإفريقية وممثلي الأمم المتحدة، ولكن لم يتصل بموسى تراوري، ولكن العسكريين اتصلوا بعد لقائهم المسؤول الجزائري بموسى تراوري، من أجل أن ينصحهم كيف يتصرفوا. كان إنسانا يحب الجزائر بقوة.

كم بقيت في تنجانيقا؟

من سنة 1963 إلى بداية 1966. كان نيريري يعتبر الرئيس الراحل أحمد بن بلة شخصية غير عادية. كان يقدره ويحترمه كثيرا بسبب الوهج الذي كانت تتمتع به الثورة الجزائرية. ولما أقدم الرئيس الراحل هواري بومدين على إبعاد بن بلة، غضب الرئيس التانجانيقي كثيرا. كنت أنا هنا في الجزائر. كلموني من وزارة الخارجية وطلبوا مني الالتحاق فورا بالسفارة في دار السلام، وقالوا لي “لقد انتهينا من قضية الأخ العزيز”، وكانوا يشيرون إلى الرئيس الراحل أحمد بن بلة.

ولما رجعت إلى تنجانيقا (تنزانيا لاحقا) وجدت نيريري في حالة غضب شديد، وسألني كيف حصل كل هذا للرئيس بن بلة. فقلت له بأن بن بلة ما هو إلا شخص وأن الجزائر مستمرة بتوجهها. فزاد غضبه وأعطى الأوامر في بلاده بعدم التعاون أو الاتصال بي، فبقيت وكأنني في سجن، بسبب تأييدي لما قام به بومدين، حينها أخذت الطائرة وعدت إلى البلاد. فطلب مني بوتفليقة وكان يومها وزيرا للخارجية، العودة إلى السفارة في دار السلام وانتظار الأوامر، فرفضت العودة، لأنه لم يكن هناك أي مؤشرات على تجاوز هذه المشكلة، فوافق على المغادرة، وكان ذلك في بداية سنة 1966، وبقيت لمدة ستة أشهر وأنا أعاني من مشاكل.

.. يتبع

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here