أفريقيا برس – الجزائر. خلف البرنامج الاستقصائي الموسوم بـ”التحقيق التكميلي: إشاعات وحيل قذرة”، الذي بثته القناة الثانية الفرنسية العمومية، الخميس الماضي، موجة من الانتقادات لدى الخبراء والمختصين الفرنسيين، بسبب عدم احتكام معدي هذا البرنامج للقواعد المتعارف عليها في الإعلام، وتجردهم من الأخلاق المهنية، التي يتعين أن تكون المحدد الرئيس في مثل هذه الحالات.
ومن بين المختصين الذين انتقدوا بشدة هذا البرنامج المشبوه، المؤرخ الفرنسي، بنجامان ستورا، الذي وصفه بـ”المخيب للآمال”، كما تحدث عن انتهاك خطير للأخلاقيات من خلال استغلال تصريحاته لصالح حملة متحيزة وعدائية ضد الجزائر، مشيرا إلى أنه “لم يمنح لي سوى عشر ثوان من وقت البث، بينما خُصصت دقائق كاملة لأشخاص لا علاقة لهم بهذا التاريخ الفرنسي الجزائري”، كما قال في تصريحات، الإثنين، لقناة الجزائر الدولية (الجزائر 24).
وبالنسبة للمؤرخ الذي يعتبر المختص الأول في العلاقات الجزائرية الفرنسية، فإن ما قام به التلفزيون العمومي الفرنسي، من شأنه أن “يعقد بشكل كبير العلاقات الصعبة أصلاً بين فرنسا والجزائر ويحول النقاش عن قضاياه التاريخية والسياسية الحقيقية”، مؤكدا بأن مشاركته في ذلك البرنامج المثير للجدل، استندت إلى إطار محدد، وقال: “لقد طلبوا مني التحدث عن العلاقة الشائكة بين الذاكرة الفرنسية والجزائرية. وبناء على هذا السؤال تحديدا، وافقت على إجراء المقابلة”.
الاتهام بانتهاك قواعد المهنية في هذا البرنامج التلفزيوني، لم يتوقف عند من شارك فيه كضيف وأحس باستغلاله لأغراض دنيئة، على غرار بنجامان ستورا، بل امتدت أيضا إلى مختصين، في صورة الكاتب والصحفي الفرنسي المعروف، جاك ماري بورجي، الذي استعرض بالتفاصيل المملة خروقات التلفزيون الفرنسي المهنية، والمطبات الكثيرة التي سقطت فيها المخابرات الفرنسية الداخلية والخارجية، في تعمد استهداف الجزائر وضرب مصالحها وانتهاك سيادتها.
واستدل جاك ماري بورجي بـ”ميثاق ميونيخ”، ولاسيما المادتين الثامنة والتاسعة، وانطلاقا من ذلك حكم على برنامج “فرانس 2′′، بأنه يقدم “دعاية لقصر الإيليزي”. وكتب، الاثنين، في مقال له على موقع الصحيفة الاستقصائية “ميديا بار”: “لم يكن الدبلوماسي الذي أُجريت معه المقابلة سوى بوق، يُردد نفس الكلام المعتاد، مُؤكدا على أن الصحراء الغربية أرض مغربية، لكن الميثاق ينص على أنه لا ينبغي ممارسة الصحافة بهذه الطريقة”.
ويضيف الكاتب الذي يعمل للعديد من المنابر الإعلامية الفرنسية: “الأسوأ من ذلك، كما في المسلسلات التلفزيونية – “المكتب” هو النموذج الذي يحتذى به – شاهدنا عرضا فرديا للسفير، أُقيم في منزله، في غرف استقبال أنيقة، أظن أنها مُعارة من الكيدورسي (الخارجية الفرنسية)، ما جعلها متواطئة في المخطط. وكان العقاب سريعًا: أُعلن الدبلوماسي كثير الكلام “شخصًا غير مرغوب فيه في الجزائر”.
وعلى عكس الكثير من الفرنسيين الذين انتفضوا لسجن كريستوف غليز، وإن تأسف جاك ماري بورجيه على ذلك، إلا أنه هاجم معدي البرنامج المثير للجدل بسبب هذه القضية، وكتب: “إنه لأمر مؤسف لزميلنا، لكننا لم نُطلع على تفاصيل القضية التي أوصلت هذا الرجل الساذج إلى هذا السجن. الأمر بسيط: على الأراضي الجزائرية، مارس مهنته من دون احترام القانون، أي من دون الحصول على تأشيرة الصحافة المطلوبة.
ومما زاد الطين بلة، من وجهة نظر الجزائر، أن الصحفي كان على اتصال بنشطاء من حركة “الماك”، وهي منظمة مقرها باريس وتحظى بدعم قوي في إسرائيل. ولإثراء تقريرهم، يضيف صاحب المقال، “لم يكلف الصحفيون أنفسهم عناء البحث، بل توجهوا مباشرة إلى مكاتب منظمة مراسلون بلا حدود، وهي منظمة فقدت مصداقيتها عندما نعلم أنها ممولة من واشنطن وإسرائيل. اختيار خاطئ لمفتاح من أجل فتح قفل في الجزائر”، متهما القائمين على البرنامج المثير للجدل بمحاباة منظمة “الماك” الإرهابية، من خلال بث مشاهد لهم في باريس، مقابل تجاهل مشاهد من تظاهروا ضد هذه المنظمة، في إخلال سافر بأخلاقيات مهنة الإعلام والصحافة.
ويشير الكاتب إلى وجود رغبة مقصودة في البرنامج بإلقاء اللوم على الطرف الآخر، من خلال التركيز على “عملاء سريين” جزائريين، ودبلوماسيا جزائريا مسجونا، وكذا “رغبة أجهزة الاستخبارات في مراقبة المسؤولين الفرنسيين المنتخبين من أصل جزائري، وهي اتهامات غير مشفوعة بالأدلة من المديرية العامة للأمن الداخلي الفرنسي وجهاز مكافحة التجسس الفرنسي”، يقول، جاك كاري بورجي.
وقال معلقا: “للأسف، لا تعرض علينا أي وثائق، ويترك لنا تصديق قناة فرانس 2. وهذا غير مُقنع على الإطلاق. هذا المزيج من الشائعات أصبح مملا بنهجه. لا نعرف شيئا، لكننا نُخبركم بكل شيء، الأمر الذي ألحق ضررا بالغا بالصحافة”.
جاك ماري بورجي، انتقد أيضا غياب التوازن في البرنامج التلفزيوني، من قبيل تجاهل ملفات حساسة، مثل اتهام الجزائر المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي (DGSE)، بتهريب شخصية معارضة من الجزائر إلى تونس، كانت الجزائر تعتزم محاكمتها (أميرة بوراوي).
كما لم يذكر شيئا عن محمد أمين عيساوي، والذي يدعي أنه “تم تجنيده من قبل جواسيس فرنسيين بهدف إنشاء خلايا إرهابية في الجزائر”، وتساءل: “لماذا لم يتم إجراء مقابلة مع عيساوي… من الواضح أن عملاء المخابرات الفرنسية يتمتعون بأخلاق رفيعة تمنعهم من دخول الجزائر”.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





