العالم الجزائري الذي يصمت المستشرقون في حضوره

العالم الجزائري الذي يصمت المستشرقون في حضوره
العالم الجزائري الذي يصمت المستشرقون في حضوره

أفريقيا برس – الجزائر. كرمت “الشروق”، بمشاركة بنك البركة الجزائري، الباحث في العلوم الأكبرية والتصوف الإسلامي، المحقق والمستشار، شيخ الزاوية الهبرية بمدينة قمار بولاية الوادي، الأستاذ عبد الباقي مفتاح. وجاء هذا التكريم ضمن مساعي مجمع “الشروق” لتكريم علماء الجزائر ومصلحيها، التي دأبت عليها، من خلال تكريم 4 علماء، في كل سنة.. هذا المشروع، المُرتكز على تسليط الضوء على أهل العلم وفضل التعليم، انطلق منذ سنة 2009.

واحتضنت مدرسة فاطمة الزهراء القرآنية، التابعة للزاوية الهبرية بقمار، فعاليات حفل التكريم، الذي نشطه باقتدار وتميز الدكتور سليم سعداني، أستاذ في الأدب العربي بجامعة الوادي، كما حضر الحفل أهل الشيخ وطلبته ورفاقه، في جو امتزج بالطمأنينة والسكينة، حيث جلس الحاضرون قبالة الشيخ، وعلى جانبهم مؤلفاته وترجماته وجميع إسهاماته العلمية والثقافية، إذ يحوز في رصيده أزيد من 51 مؤلفا، تُرجم بعضها إلى التركية والفارسية والفرنسية والإيطالية، وطبعت في الأردن وسوريا ولبنان والجزائر ومصر والمغرب، على غرار كتاب ”المفاتيح الوجودية والقرآنية لفصوص الحكم”، كما تم تصنيف المؤلفات المعروضة، إلى ”كتب متنوعة في التصوف”، و”كتب حول الطرق الصوفية”، و”محاضرات ومقالات حول الأمير عبد القادر”، و”كتب حول الشيخ محي الدين بن عربي”، و”كتب الشيخ عبد الواحد يحي- روني قينون- المترجمة من الفرنسية إلى العربية”.

واستمع الحاضرون لمداخلات شيوخ وأئمة ودكاترة جامعيين، أدلوا بشهاداتهم حول ما عايشوه مع الشيخ عبد الباقي مفتاح، فكانت البداية من استعراض لمسيرته العلمية والتعليمية، وجوانب خاصة من حياته، كما تم عرض فيديو مصور لمداخلة ألقاها الشيخ في الملتقى الدولي الافتراضي الأول حول ”ترجمة العلوم واقع وتحديات” أقيم بجامعة الشهيد حمّة لخضر بالوادي، حيث تطرق الشيخ عبد الباقي مفتاح إلى تجربته في الترجمة، وقال إنه عندما كان طالبا في سن العشرين، وكان يدرس علوم الفيزياء بجامعة الجزائر آنذاك، اكتشف بطريق الصدفة في خزينة مكتبة الجامعة، كتابا بالفرنسية للعلامة ”روني قينون” وكتابا آخر حول سيرته، وهو ما دفعه إلى اقتناء جميع كتبه، التي طالعها بانبهار لما له من اتساع في معرفه للعلوم العتيقة والحديثة في الغرب وفي الشرق. وأضاف الشيخ عبد الباقي مفتاح أنه أعجب بالموضوعية العلمية للعلامة ”روني غينون”، ونقده العميق وانتقاده الصّارم للحضارة الغربية المادية ومظاهرها الدجلية التي أغوت ما لا يحصى من أهل الفكر، فضلا عن غيرهم، ثم تكلم الشيخ عن ”روني غينون” الذي ولد في جنوب فرنسا في 1886 وتبحر في علم مقارنة الأديان بكيفية غير مسبوقة، فاعتنق الإسلام وهو في سن الرابعة والعشرين تقريبا، وتسمى باسم ”عبد الواحد يحي”، وفي سنة 1930 هاجر إلى القاهرة واستقر فيها، وأصبح مرجعا عالميا في علم الميتافيزيقيا وعلم التراثيات الروحية، إلى أن توفي سنة 1951، مخلفا كتبا ومئات المقالات والبحوث والرسائل، ترجم الكثير منها إلى أزيد من 20 لغة إلا اللغة العربية، وقد اهتدى الكثير من المثقفين والعلماء الغربيين في أوروبا والأمريكيتين فأسلموا، ولا يزال أثره الفكري والروحي إلى اليوم في اتساع وانتشار. وأردف الشيخ عبد الباقي مفتاح، بأنه قبل نحو 15 سنة التقى في مصر بابن ”روني غينون”، الذي تسمى باسم أبيه عبد الواحد، ولما علم بأنه مهتم بشكل كبير بآثار وكتب والده، طلب منه ترجمة بعض كتبه إلى العربية التي قد تفيد مباشرة بعض المثقفين المسلمين، فكانت الاستجابة لهذا الطلب بترجمة 12 كتابا، يضيف الشيخ، يمكن تصنيف مواضيعها بحسبه إلى 3 محاور، المحور الأول يتضمن أربعة كتب تتعلق بتحليل أصول الحضارة الغربية ومراحل تطورها ومآلاتها المستقبلية وانحرافها المدمر عن المبادئ الروحية، وعناوينها، كتاب “شرق وغرب”، وكتاب ”أزمة العالم الحديث”، وكتاب ”السلطة الروحية والحكم الزمني”، والكتاب الممتاز الذي أثر في اتجاه الكثير من المثقفين في الغرب وفي الشرق، ”هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان”، كما قال الشيخ عبد الباقي مفتاح، وهو أول كتاب قام بترجمته. أما المحور الثاني، فيتضمن التعريف بالحضارة والميتافيزيقيا الخالصة من خلال 3 كتب، عناوينها: كتاب ”الميتافيزيقيا الشرقية”، وكتاب ”رموز الإنسان الكامل أو رمزية تقاطع خط الإسراء الأفقي وخط المعراج العمودي”، وكتاب ”مراتب الوجود المتعددة”، إذ إن الكتابين الأخيرين، كما قال الشيخ عبد الباقي، من أصعب الكتب فهما وترجمة. والمحور الثالث، يتعلق بالتربية الروحية والرموز الدينية والعرفانية، من خلال 5 كتب، أولها كتاب ”رموز العلم المقدس”، وكتاب ”نظرات في التربية الروحية”، وكتاب ”تصحيح المفاهيم في التربية والتحقق الروحي”، وكتاب ”التصوّف الإسلامي المقارَن”، وكتاب ”مليك العالم”.

هذا الإنتاج الغزير، نال إعجاب المستشرقين والدارسين للتصوف الإسلامي من كل بقاع الأرض، يقبلون على الشيخ مفتاح.. ويقول الدكتور عبد المنعم القاسمي، إن هؤلاء كانوا يستغلون مشاركة الشيخ مفتاح في الملتقيات العلمية الدولية التي تعقد في عدد من دول العالم، مثل تركيا وإيطاليا والمغرب، ويتقربون منه، ويحاولون الاستفادة من علمه، وهم الذين عرفوه من خلال كتبه.

بعد الفراغ من شهادات من عايشوا الشيخ عبد الباقي مفتاح، ورافقوه في مسيرته العلمية والتعليمية، من شيوخ وأئمة ودكاترة، تفضل الشيخ بكلمة مختصرة لفظا، عميقة في المعنى، فأثنى وشكر كل من حضر الحفل، وتكلم وساهم ودعا له.. وسأل الله أن يجازيهم بما دعوا له به، وأكثر إن شاء الله. وأردف بأن لسانه عجز عن التعبير عما عبروا عنه، وسأل الله أن يرفعه إلى حسن ظنهم به، بما عبروا عنه، وأن يوفق الجميع إلى ما يحب ويرضى، ويرزقنا حسن الخاتمة في مقعد صدق عند مليك مقتدر.. كما شكر مجمع “الشروق” على هذه المبادرة، بتكريم علماء ومصلحي الجزائر، بالإضافة إلى بنك البركة، الذي شارك وأسهم في حفل التكريم، الذي رأي فيها تشجيعا لأهل العلم في بلادنا، التي هي في الحاجة إلى مثل هذا التشجيع. وبعدها، عاش المشاركون في الحفل لحظات لا تنسى، مع مراسم توشيح الشيخ، عبد الباقي مفتاح، بدرع العلماء، الذي تسلمه من ممثل المدير العام لمجمع “الشروق” الإعلامي، الدكتور رشيد ولد بوسيافة، في أجواء عمتها فرحة وسعادة لا نظير لها. وتم التقاط صور مع الشيخ، وهو يحمل درع “الشروق”، الذي تقلّده قبله ما يربو عن 250 علامة ومصلح، في هذا الوطن الكبير، كبر ما فيه من قامات وعلماء، وجب علينا ردّ الاعتبار لهم، وشكرهم على ما قدّموه لهذا الوطن وأبنائه.. وفي التغطية، تلخيص لما ورد من كلمات وتدخلات، في مسيرة هذه القامة السامقة، في العلوم الأكبرية والتصوف الإسلامي.

الدكتور رشيد ولد بوسيافة ممثل المدير العام لمجمع “الشروق”:

الشيخ عبد الباقي مفتاح كنز حقيقي

الشّيخ عبد الباقي، مفتاح تصدى لأصعب العلوم.. وأي من المتخصصين يستطيع أن يشرح مؤلفات الشيخ الأكبر، ابن عربي، كنا ندرس في الجامعة وكنا نحاول الاعتماد على بعض ما يقوله لكن للأسف الشديد، لم نتمكن من فهم شيء، لكن الشيخ عبد الباقي مفتاح تصدى لهذا الأمر، وأصدر على مدار عقود، العديد من الشروح والعديد من المقالات العلمية والكتب والمؤلفات، تناولت جوانب مختلفة من آثار ابن عربي، ومهمتنا اليوم ليست للحديث عن الشيخ عبد الباقي مفتاح، لكن جئنا للاستماع أولا، من رفاق الشيخ وتلاميذه حتى يحدثونا عن جوانب من إسهاماته العلمية، ومهمتنا، على الأقل، أن ننقل ما نسمع إلى الجمهور العريض، وكذلك توثيق هذه المعلومات، لتكون- إن شاء الله- مرجعا لكل الباحثين في المجالات التي يشتغل فيها الشيخ.. ونشكركم، باسم مجمع “الشروق” على تلبية هذه الدعوة، وعلى توفير هذا الفضاء، المتمثل في القاعة فسيحة الأرجاء، بمدرسة فاطمة الزهراء القرآنية، التابعة للزاوية الهبرية بمدينة قمار، لكي نقيم فيها حفلنا هذا.

المدير العام لبنك البركة الحاج محمد الصديق حفيظ:

العلامة مفتاح هو النموذج الحقيقي للتصوف

لن أسمح لنفسي بالتكلم، لكن أريد أن أقول شهادة على سيدي الشيخ، سيدي عبد الباقي مفتاح، الذي تجمعني به رابط صداقة، يمتد منذ سبعينيات القرن الماضي. إضافة إلى هذا، فإننا نشتغل في نفس المؤسسة، بنك البركة الجزائر، وهو أول بنك إسلامي دخل الجزائر منذ 1991، وكان السباق لإدخال الصيرفة الإسلامية إلى الجزائر. وقد تسلم العديد من العمليات المصرفية، وهذه الصيرفة الإسلامية تم تعميمها على جميع البنوك، بفضل السلطات السياسية الجزائرية، وسوف ننتقل إلى مرحلة أحسن مما كانت. كما جمعتني بالشيخ، إضافة إلى كونه مستشارا شرعيا للبنك، منذ أكثر من 20 سنة، هو الملتقى الروحي، إذ أنتمي، أنا والشيخ عبد الباقي، إلى الشيخ محمد بالقايد- قدس الله سره- فهو الذي جمعنا وأعطانا الورد وأدخلنا التصوف. والآن، يقوم مقامه وريثه، سيدي محمد عبد اللطيف بالقايم- رضي الله عنه- الموجود حاليا في وهران، ويقوم بأعمال كبيرة على نهج الأولين.

ويعتبر سيدي عبد الباقي ثمرة من ثمرات التصوف، على الطريقة البقائدية، إذ في جعبته أزيد من 50 مؤلفا، ومنها المترجم إلى العديد من اللغات. أما بخصوص من يشككون في التصوف، فنقول لهم إن سيدي عبد الباقي مفتاح هو النموذج الحقيقي للتصوف، الذي نفتخر به ونعتز بصحبته. كما أنني تابعت العديد من كتبه، فيها ما فهمته وفيها أمور لا أفهمها كثيرا، فيقوم الشيخ بشرحها لنا.

وفي إطار الخدمات الإنسانية والخيرية، التي يقدمها البنك، فضلا عن كون الشيخ مفتاح يشتغل فيه، وكونه صديقا، فقد ارتأى بنك البركة الجزائري تقديم هدية رمزية للشيخ عبد الباقي مفتاح، بمناسبة تكريمه من طرف مجمع “الشروق” الإعلامي.

الشيخ عبد الرؤوف السعيد بن علي شيخ زاوية منبع العلوم النورانية:

الشيخ مفتاح مرجع كبير في العلوم الأكبرية

يسعدني أن أحضر معكم في هذه الساعة، وفي هذه الجلسة، التي طالما كنا ننتظرها، للاعتراف بجميل أهل الفضل وإنزال الناس منازلهم، وإنها وإن دلت على شيء، فإنها تدل على وجود الأحرار وعلى وجود أهل المعرفة الذين يعرفون لأهل الفضل فضلهم، فإن ثقافة المجتمع وتحضره تقاس بقدر معرفتهم وتقديرهم لأهل الفضل والمعرفة، وإنكم في هذه الجلسة على بساطتها ومحدوديتها، لكنكم بذلك عبرتم عن عنايتكم بمن يستحق الإشادة والإقرار بالفضل، فإن المجتمعات التي فيها التحجر الفكري، وفيها القمع الفكري، فتجد أبخس الناس فيهم المعلم والمُفكر، ولا جناية له، إلا أنه عالم، لأن العالم في بلاد الجهل يعيش غريبا.

إن شيخنا، والحمد لله، وإن لم يكن يعرفه الكثير من العامة، لكن الذين يعرفونه هم الخاصة وخاصة الخاصة، فكلما سافرت في سفر، سواء في الداخل أم في الخارج، إلا التقيت بمن لهم عناية بالإيقان والعرفان والمعرفة والعلوم الأكثرية، إلا وتجدهم أول ما يسألون عن الشيخ، وكلهم يريد أن يراه وأن يلقاه، في الحواضر العلمية، في المغرب وفي مصر وفي الحجاز وفي ضواح عديدة، الذي كان له الحظ الوافر من لقبه مفتاح، وإن شاء الله هو مفتاح للخير مغلاق للشر.. فبارك الله فيه وفي أنساله وفي مريديه، وفي كل من حام حماه وانتمى إليه، ومتعنا ببقائه ورزقنا بكمال الأدب معه ومع علمائنا ومشايخنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الدكتور الأشراف جمال أستاذ بمعهد العلوم الإسلامية بجامعة الوادي:

هكذا عرفت العلامة عبد الباقي مفتاح

– عرفته مرشدا طلاب وجه الله، آخذا بأيديهم لتحصيل ما قدر لهم من كمالات وبلوغ درجات اليقين، علما وعملا، وكتاباه ”الكوكب الدري في شرح الصلاة على النبي الأمي”، و”الاسم الأعظم” شاهدان على ذلك.

– عرفته كريما، فاتحا بيته وقلبه لطلاب المعرفة، معلما وموجها، مسددا وناصحا، وحلقات الجمعة التي يعقدها في داره العامرة على مدار سنوات عدة، يقرر فيها الحقائق ويقرب البعيد ويذلل الصعب، لهي خير دليل على ما أقول.

– عرفته واسع العلم والمعرفة، عميقهما، وتشهد بذلك إجاباته على أسئلة المترشدين، كما تشهد بذلك كتبه التي أربت على الخمسين، التي ترجم عدد منها إلى اللغات العالمية، كالإنجليزية والفرنسية والإيطالية والتركية والفارسية.

– عرفته محبا لأهل الله، منافحا عنهم معرفا بهم، في جمعية لا تمييز فيها بين علم وآخر وطريق وآخر، معتبرا طريقة جميعهم طريقا واحدا، هي طريق النبي- صلى الله عليه وسلم- ومكتوباته العديدة دليل على ذلك.

– عرفته واسع القلب– وُسع علمه- تجلى عليه ربه باسميه الرحمان الرحيم، ولا أحصي عدد المرات التي يبشر فيها بوسع الرحمة الإلهية وعمومها جميع الخلائق، بعد استيفاء الحدود، وهو ما يمثل إجابات شافية على استشكالات كبيرة أمام أهل الأديان عامة، ويعتبر منهلا صالحا يصل بين الدين وطلاب السكينة والأمان.

– عرفته رجل القرآن الكريم، خادما له في مبناه وحرفه، كما في معناه وإشاراته والعمل به والدعوة إليه، ومدرسة فاطمة الزهراء القرآنية وشقيقتها مدرسة الذكور، خير شاهد على رعايته وعنايته في تحفيظ القرآن وتجويده.

-عرفته صارما في الحق، لا يقبل من أدعياء التصوف أوهامهم ومبالغاتهم وغلوهم في مشايخهم، لا يقبل إلا ما قام عليه الدليل الشرعي، معتبرا ذلك حاجزا صفيفا بين لب التصوف وجوهره، وبين المعترضين عليه، كما لا يقبل من خصوم طريق أهل الله صنيعهم وحرفيتهم.

-عرفت فيه الأدب الرفيع مع الخلق، يظهر ذلك في بشاشة وجهه وسلامه وسؤاله عن أحوال مخاطبه، وإكرام وفادة ضيفه وقيامه له وتشييعه إذا أراد الانصراف.

-عرفته عفيف النفس لا يتطلع إلى ما في أيدي غيره، وإذا غالبه محب بهدية كافأه عليها.

-عرفته عبدا متواضعا لا يرى لنفسه خصوصية، ويخالط الجميع ويعامل الجميع بغير ابتذال، ويرسم خطى محبوبه الأعظم- صلى الله عليه وسلم.

هذا غيض من فيض مما خبرته بنفسي وشهدته عيني، وهي شهادة أوديها أمام الله. أطال الله في عمر سيدي العارف بالله، الشيخ عبد الباقي مفتاح، ومتعه بأنفاسه الطاهرة وجلببه بالعافية وحصن قلبه الشريف.

الدكتور زهير بن كتفي أستاذ بجامعة الوادي:

لقائي بالشّيخ أحدث انقلابا جذريا في أفكاري

يعود لقائي الأول بالشيخ العارف بالله، سيدي عبد الباقي مفتاح، إلى نحو 3 عقود من الزمن، بالزاوية الهبرية بقمار بولاية الوادي. هذا اللقاء الذي أقل ما أقول عنه، أنه أحدث انقلابا جذريا في أفكاري وشكل انعتاقا هائلا لروحي، فكان له الفضل في ذلك، بعد الله تعالى، على هذه النقلة الكبيرة جدا، التي غيرت مجرى مساري الفكري، لتبصرني وتعرفني بالوجهة الصحيحة، وتعطيني معنى واضحا لحياتي، ظل غائبا عني لمدة طويلة.

وقد جمعتني وتجمعني به حلقات الذكر والمذاكرة، التي يذاكرنا من خلالها في معالم الطريق، ”طريق التصوف”، ورقائقه ودقائق العلوم، بلا كلل ولا ملل، وبنفس عميق وطويل، حتى إنني أعجز في بعض الأحايين عن متابعته. لقد مثلت هذه الحلقات ومازالت تمثل لي أفقا ومتنفسا واسعا للتخلص من ملاحقة اليوميات والانشغالات الدنيوية، والتشعبات الفكرية، لتفتح دائما أمامي بابا نحو الروح، بابا نحو مصافحة النبي- صلى الله عليه وسلم، باب نحو الأنس بالله، فهو بحق الدليل على الله تعالى. فجزاه الله تعالى عنا خير الجزاء، ومتعه بتمام الصحة والعافية، وأطال الله تعالى في عمره وبارك له فيه ونفعنا به.

عمّار زربيط أستاذ بجامعة الوادي:

التصوف علم وذوق والشيخ نالهما معا

يجب أن ننبّه إلى أنّ التصوف عِلْمٌ وذَوْقٌ، فهناك نوعان من المعرفة في التّصوّف، النوع الأول: المعرفة العلمية النظرية العقلية، والنوع الثاني: المعرفة الذوقية الشعورية الوجدانية، وهي المشار إليها بقول النبيّ- صلى الله عليه وسلّم: ”ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولاً”، ”رواه مسلم والترمذي”. فقد أثبتت هذه النصوص أنّ الايمان له ذوق وطعم. وبالنسبة إلى الجانب الذوقي، فهو عزيز جدًّا: لأنه لا بدّ فيه من سلوك الطريق بصحبه الشيخ المربي الحيّ، وهذا لا يتيسر في جميع الأحوال… ونحسب أن الشيخ عبد الباقي قد نال حظا وافرا من هذا العلم الذوقي، وقد انعكس ذلك في كثير من المؤلّفات التي ألّفها.

فالشيخ عبد الباقي، نحسب أنّه قد استوعب التصوّف بشِقَّيْه: العِلْمِي والذّوْقِي. أمّا الجانب العلمي، فقد كان على اطلاع واسع على العلوم الشرعية بوجه عام، وعلى التصوّف بوجه خاص. وأما الجانب الذوقي، فقد صحب الشيوخ الأحياء وأخذ عنهم وسلك على أيديهم، فهو قد أحرز الجانبين وحقّق الشرطين. وقد برز ذلك في كثير من مؤلفاته، التي يتناول فيها هذا الجانب الذوقي من التصوّف بالشروح والتعليقات، وجمع المتفرقات، وتوضيح المبهمات، ورفع الإشكالات، وشرح المجملات، وغير ذلك من معالجة المسائل التي تحتاج إلى معالجة.

الأستاذ معمر قول مدرس بجامعة الوادي:

تعلمنا الصدق والإخلاص في مجالس الشيخ مفتاح

بحثت بعناية عن باقة من الكلمات، أهديها إلى شيخنا، سيدي عبد الباقي مفتاح، بهذه المناسبة، التي تليق بمقامه العلمي والعرفاني الرّوحي، فقصدت السير إلى أرباب وأساطين السير إلى الله، ونزلت بظلالهم باحثا وبرياضهم سائلا عمّا يمكن أن يكون جوهرا ثمينا يهدى إلى أهل الروح والنور، حتى وقفت أمام حديقة المثنوي لمولانا “جلال الدين الرومي”. وهو من أحبّ الكتب إلى قلبي، وكان من أبرز الأفكار التي عالجها مولانا الرومي في المثنوي حديثه عن الشيخ المرشد في الطريق الصوفي، وبيان مكانته ومنزلته، وهو اختيار فرضه عليّ الرابطة الروحية بيني وبين شيخنا عبد الباقي مفتاح، فقد تعلمنا في مجالسه أن أصدق الحديث ما كان من القلب، ومن أين لنا ذاك القلب المليء بالنور حتّى نصف الشمس. لذلك، لامناص من الالتجاء إلى العارفين الكاملين، لنصنع من غبار كلماتهم عن المرشد والشيخ حروفا نهديها إلى فضيلة شيخنا سيدي عبد الباقي مفتاح، فحديث أهل النور نور.

عبد الباقي مفتاح… مسار طويل في البحث والترجمة

ولد الشيخ عبد الباقي مفتاح، في 9 أفريل 1952 بمدينة قمار بولاية الوادي، وفيها كان تعليمه القرآني والابتدائي والمتوسط. أما تعليمه الثانوي، فكان في معهد تكوين المعلمين بقسنطينة، ودراسته الجامعية كانت في الجزائر العاصمة، في مادة العلوم الفيزيائية، حيث تخرج سنة 1975. بعدها، انخرط في الخدمة العسكرية الوطنية مدة عامين، ثم عمل مدرسا للفيزياء والكيمياء والرياضيات بالمعهد الجزائري للبترول بمدينة حاسي مسعود، لمدة 6 سنوات، ثم مدرسا في ثانوية بلدته قمار مدة 20 سنة، بعدها تقاعد مسبقا.

أصوله الصوفية:

أسلافه القدامى كانوا ينتسبون إلى الطريقة القادرية، ثم إن جد جده، أخذ الطريقة عن الشيخ سيدي أحمد التجاني سنة 1786م، وكان من أوائل أصحابه مع 9 آخرين من بلدة قمار، وأرشدهم إلى بناء زاوية هناك، فشيدوها سنة 1789 م، وهي أول زاوية تجانية في العالم، كما فصل ذلك في كتابه ”أضواء على الشيخ أحمد التجاني وأتباعه”. ومنذ عهد تشييدها إلى اليوم، تقام يوميا في هذه الزاوية حلق الذكر وغيرها من الأنشطة العلمية والروحية والاجتماعية.. ومنذ عهد جد جده، توارثت الأسرة الطريقة التجانية، ففيها نشأ ومنها أخذ تربيته الأولى منذ الصغر.

مطالعته التصوف:

اطلع، منذ صغره، على أهم كتب الطريقة التجانية، ووجد فيها اقتباسات كثيرة من كلام شيخ التصوف الأكبر، محي الدين ابن عربي، وكان والده إماما ومن أهل العلم، وهو الذي أرشده إلى مكتبة الزاوية التيجانية التي يسكن بجوارها، التي تضم نسخة من أشهر وأوسع وأعمق كتب التصوف، أي كتاب ”الفتوحات المكية ”لابن عربي، فشرع الصبي ابن الـ 14 ربيعا في استعارتها وقراءتها مجلدا تلو مجلد، ومنذ ذلك، الحين نشأت صلة روحية بينه وبين الشيخ الأكبر، استمرت إلى اليوم. وفي تلك الأثناء، قرأ كتاب ”المواقف”، للأمير عبد القادر الجزائري، وكتب الطريقة العلوية الدرقاوية، وغيرها من كتب التصوف والأدب والتاريخ. وواصل دراسته في ثانوية قسنطينة والجزائر العاصمة، فطالع كثيرا من كتب التصوف الأخرى، ككتب الغزالي والشعراني وعبد الكريم الجيلي، وغيرهم كثير، ومن بينها كتب ابن عربي، وخليفته صدر الدين القونوي، وأعلام مدرسته. ولا يزال، إلى اليوم، يطالع ما يستجد في الدراسات حولهم وتحقيق كتبهم.

لقاؤه بالشيخ المربي:

بدأ رحلة البحث عن الكنز المخفي، عبر زوايا الوطن ومقامات أوليائه، حيث وجد بغيته في الشيخ سيدي محمد بلقايد التلمساني ”1911 -1998”، شيخ الطريقة الهبرية الدرقاوية الشاذلية، أخذ عنه الطريقة سنة 1973، وخلال الثمانينيات، وجهه الشيخ إلى بناء زاوية في بلدته قمار، فبناها الفقراء، وفتحت سنة 1987، وهي قائمة بوظائفها التربوية والتعليمية والاجتماعية، منذ ذلك الوقت. وهي تتشكل من ثلاثة أجنحة، أولها مسجد لإقامة الصلوات وصلاة الجمعة، والدروس ومجالس الذكر والتذكير والاحتفال بالمناسبات الدينية، وقاعات للتعليم القرآني للبنين، ولدعم دروس تلاميذ التعليم الثانوي والمتوسط والجامعي، ومكتبة عامرة يستفيد منها الطلبة والباحثون، والجناح الثاني فيه إقامة الطلبة الداخليين، الذين يقيمون في الزاوية. والجناح الثالث، مدرسة للإناث كبارا وصغارا، تتضمن قاعات لتعليم القرآن وأحكامه ولمحو الأمية وروضة للأطفال وقاعة لتعليم الخياطة، وفي الطابق العلوي 7 ورشات للتكوين المهني للبنين والبنات، الذين يعانون من التخلف الذهني والتوحد، ويشرف على هذه الورشات المسؤول الأول في جمعية بسة براءة المتكفلة بهم.

للباحث ”عبد الباقي مفتاح”، مفاتيح الفهم لتراث الشيخ محيي الدين بن عربي، في العصر الحديث، فالأسئلة تنهال عليه من العالم أجمع، تستوضح الغامض، وتستفتح المنغلق، وتستفسر عن الرموز والألغاز، وتبحث عن كل الأجوبة والاستفسارات حولها، وقد تصدر اليوم بلا مُنازع مرجعية الشيخ الأكبر من خلال تآليفه، التي بلغ عددها ما يزيد عن 51 كتابا، ترجم إلى لعديد من لغات العالم، منها كتاب ”المفاتيح الوجودية والقرآنية لفصوص الحكم”، وكتاب ”شروح على أبواب الفتوحات المكية”، وكتاب ”شروح علل التفسير الإشاري لابن عربي” في 4 مجلدات، ومن بين كتبه العشرة الأخرى، تحقيقه كتاب ”المواقف في إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف”، للأمير عبد القادر الجزائري في 3 مجلدات، وله حول الأمير العديد من البحوث والمحاضرات. ومنها شرح كتاب ”الإنسان الكامل”، لعبد الكريم الجيلي، ومنها كتاب بالفرنسية ”ليمياغ سوفي”، طبع في دار الكتب الفلسفية والصوفية في الجزائر، وهو يشتمل على 16 بحثا حول ابن عربي، والأمير عبد القادر الجزائري، أغلبها نشر في المجلة الفرنسية التي تصدر في باريس كل 3 أشهر، منذ نحو 40 سنة، وعنوانها ”نحو التراث الروحي” (فار لا تراديسيون).

محاضرات في مؤتمرات ومقالات في مجلات

لقد سمح له تفرغه للعلم والمذاكرة والمدارسة، بأن يكتب ويحاضر في عدة بلدان في العالم، حيث قدم محاضرات في مؤتمرات دولية في الجزائر، والمغرب وليبيا وفرنسا وإيطاليا وتركيا ومصر والبحرين ومالي، ما هيأ له الفرصة لمقابلة أساطين العرفان الأكبري، فظهر نجمه، وبرز في فك ألغاز مستعصية، وكتب العديد من المقالات في مجلات في الجزائر والمغرب وليبيا والإمارات وفرنسا، وله مواهب أخرى تتعلق بمعرفته بعلم المواريث، حيث يأتي له الورثة ليستخرج لهم الفريضة مجانا، كما أنه مختص في الاقتصاد الإسلامي، ويقدم استشارات شرعية لمؤسسات مالية أو أفراد، عدا اطلاعه على العلوم الشرعية، كالفقه والأصول والعلوم العقلية، كالمنطق والفلسفة والعلوم العصرية كالفيزياء والرياضيات.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here