زيارة ثانية لمسعد بولس إلى الجزائر تثير أسئلة حول أهداف ترمب

زيارة ثانية لمسعد بولس إلى الجزائر تثير أسئلة حول أهداف ترمب
زيارة ثانية لمسعد بولس إلى الجزائر تثير أسئلة حول أهداف ترمب

علي ياحي

أفريقيا برس – الجزائر. أثارت زيارة مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، الثانية إلى الجزائر في غضون 6 أشهر، همسات وتأويلات حول خلفياتها وتوقيتها، لا سيما وأنها شملت ليبيا وتونس من دون المغرب، الأمر الذي فتح الباب أمام التساؤل: ماذا يريد دونالد ترمب من الجزائر؟

زيارة ثانية تثير تأويلات

وحلّ بولس في الجزائر بصمت، على عكس الزيارة الأولى التي سبقتها نقاشات سياسية ورافقتها حركة ديبلوماسية. وفي حين صنفت جهات متابِعة، الأمر في خانة الروتين الديبلوماسي الذي لا يستدعي منحه أكثر من حجمه، والمتمثل بزيارة جرت ضمن تحرك مغاربي شمل ليبيا وتونس، ربطت جهات أخرى المسألة بتفاهمات بين الجزائر وواشنطن تخص ملفات مشتركة.

وحملت تصريحات المسؤول الأميركي عقب استقباله من طرف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، رسائل مبطنة حول أهداف الزيارة، إذ أشار بولس، إلى الالتزام المشترك لبلاده والجزائر بتعزيز التعاون، بخاصة في ما يتعلق بإحلال السلام والاستقرار عبر معالجة الانشغالات الأمنية والإقليمية، مشدداً على قوة العلاقات الجزائرية- الأميركية. وأوضح مستشار ترمب أن هناك إمكانيات كبيرة لتوسيع العلاقات التجارية بين البلدين، استناداً إلى الأسس المتينة للتعاون الاقتصادي بينهما، مجدداً التزام البلدين المشترك بتحقيق مستقبل أكثر سلماً وازدهاراً.

لقاء وزير الطاقة

وإذا كانت النقاشات والمحادثات هي نفسها المثارة في لقاء بولس بالرئيس تبون وقبله وزير الخارجية أحمد عطاف، إلا أن لقاءه وزير الطاقة والمناجم محمد عرقاب، من دون غيره من الوزراء، أثار الانتباه، إذ أشار إلى استكشاف آفاق جديدة للشراكة التجارية وبحث سبل إمكانية عمل البلدين معاً لتحقيق منفعة متبادلة.

وفي خضم هذه التصريحات يظهر أن إدارة ترمب مهتمة بالتعاون الثنائي في مجال الطاقة مع الجزائر وتمنحه الأولوية، مقابل الانشغالات الأمنية والإقليمية وإحلال السلام والاستقرار. وأكد بولس أن هذه الزيارة عززت ثقته “في قوة العلاقات الأميركية– الجزائرية”.

دمج البعد الاقتصادي مع الأمني والعسكري

في موازاة ذلك، خرج أول من أمس، قائد القيادة الأميركية في أفريقيا “أفريكوم”، الجنرال داغفين أندرسون، بصريحات تكشف بعض زوايا مستقبل العلاقات الأميركية- الجزائرية في ظل إدارة ترمب، إذ أوضح أن سياسات واشنطن في أفريقيا خلال الفترة المقبلة تتجه نحو اعتماد مقاربة جديدة في التعاطي مع التهديدات الإرهابية والاضطرابات الأمنية التي تشهدها مناطق عدة في القارة السمراء وقوّضت الاستقرار ومصالح الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن الأمر يرتكز على دمج البعد الاقتصادي مع البعدين الأمني والعسكري، بما سيعود لا محالة بالاستقرار وتحييد التهديدات الإرهابية.

وقال أندرسون، إن هذه “الرؤية تمنحنا قوة أكثر ودافعية أكثر ولديها نتائج ايجابية، على غرار التدخل الأمني والاستثمار في الوقت نفسه”، مضيفاً أن الاستثمار الاقتصادي يتماشى ويتداخل بشكل جوهري مع الاستقرار الأمني. وجدد التزام الولايات المتحدة طويل الأمد بأمن أفريقيا واستقرارها وسيادتها الإقليمية وازدهارها المشترك، بما يتماشى مع المصالح الوطنية الأميركية، مبرزاً أن “الطريقة المثلى لمواجهة ظاهرة الإرهاب في أفريقيا هي جلب استثمارات نوعية”.

لاعب فاعل

في السياق، يعتقد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية أبو الفضل بهلولي أن “المفاوضات الاستكشافية حول أزمة الصحراء الغربية الجارية في الولايات المتحدة والتي وصلت إلى طريق مسدود، دفعت المستشار مسعد بولس إلى زيارة الجزائر بغية التواصل مع المسؤولين الجزائريين حول ذلك الملف”. وقال إن “الرد الجزائري سيرتكز على نقطتين أساسيين، الأولى التمسك بالقرارات الأممية، والثانية أن الأمر يعود لجبهة البوليساريو والشعب الصحراوي”، مشدداً على أن “واشنطن تسعى إلى لعب دور الوسيط بين الجزائر والمغرب، في سياق سعي ترمب إلى صنع السلام والاستقرار في أفريقيا، كما فعل مع أزمات عدة سابقة، ويعمل حالياً مع دول منطقة الساحل التي باتت مرتعاً للجماعات الارهابية وشبكات الجريمة المنظمة، وهو الفضاء الذي ترى الولايات المتحدة أن الجزائر لاعب فاعل فيه يمكن الاعتماد عليه للمساعدة في بسط الأمن والاستقرار بالمنطقة، لا سيما في مجال مكافحة الارهاب”.

وواصل بهلولي أن “التقارير الدولية والأميركية بخاصة التي تحدثت أخيراً وبشكل واسع عن مشروع استغلال منجم ‘غارا جبيلات’ بجنوب الجزائر، تشكل مؤشراً على اهتمام إدارة ترمب بالمجال الاقتصادي، ولعل إشارات مراكز الأبحاث الأميركية في هذا الإطار، خطوة أولية نحو شراكة اقتصادية قوية عبر قطاع الحديد والصلب”.

البراغماتية الحذرة مع الانفتاح على الحوار والتعاون

من جانبه، يعتبر الباحث في العلاقات الدولية، آدم مقراني، أن “التحليلات الصادرة عن وسائل إعلام دولية ومراكز متابعة للشأن الأميركي- الأفريقي تجمع على أن الزيارة الثانية لمسعد بولس إلى الجزائر تعكس رغبة واضحة من ترمب في تثبيت الجزائر كفاعل محوري في مقاربته الجديدة لشمال أفريقيا والساحل، إذ ترى واشنطن أن أي إعادة ترتيب للتوازنات الإقليمية تمرّ حتماً عبر الجزائر بحكم وزنها السياسي ودورها الأمني واستقلالية قرارها الخارجي”، موضحاً أن “هذه القراءات تربط بين خطاب بولس حول السلام والشراكات والازدهار، وبين سعي إدارة ترمب إلى تقليص الانخراط العسكري المباشر وتعويضه بتفاهمات سياسية واقتصادية مع قوى إقليمية قادرة على ضبط محيطها، وهو ما يجعل الجزائر شريكاً محتملاً في ملفات ليبيا والساحل ومكافحة الإرهاب، مقابل انفتاح أميركي أوسع على التعاون الاقتصادي والاستثماري معها”.

في المقابل، “تبرز قضية الصحراء الغربية كعقدة أساسية في أي تقارب استراتيجي أعمق”، يضيف مقراني، مشيراً إلى أن “تحليلات وكالات أنباء وصحف مرجعية تبرز أن إدارة ترمب تريد من الجزائر مقاربة أكثر مرونة تسمح بخفض التصعيد مع المغرب، وفتح أفق تسوية سياسية تتماشى مع الرؤية الأميركية الداعمة لمقترح الحكم الذاتي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تخلي الجزائر عن مواقفها المبدئية بقدر ما يعني إدراج هذا الملف ضمن صفقة أوسع تشمل الطاقة والاستثمار والتنسيق الأمني، وهو ما يفسر تكرار الزيارات والرسائل السياسية المتدرجة، إذ تختبر واشنطن هامش المناورة الجزائري وإمكان بناء تفاهمات عملية من دون صدام مباشر مع ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية”.

وتوقع المتحدث ذاته أن يكون “رد الجزائر في ظل حكم ترمب قائم على البراغماتية الحذرة، مع الانفتاح على الحوار والتعاون من دون تغيير في الثوابت السياسية”. وقال إن “الجزائر ستفصل بين مجالات الخلاف السياسي، خاصة قضية الصحراء الغربية، وبين مجالات التعاون الممكنة كالأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي”. وختم بالقول إن “مستقبل العلاقات الثنائية مرشح للاستمرار في إطار شراكة وظيفية محدودة لا ترقى إلى تحالف استراتيجي شامل”.

دلالات سياسية واستراتيجية

إلى ذلك، يرى الإعلامي المهتم بالشؤون الدولية محمد دلومي، أن “زيارة مسعد بولس الجزائر للمرة الثانية في ظرف 6 أشهر، تحمل دلالات سياسية واستراتيجية مهمة على مستويات عدة، إذ ركزت على الشراكة بين البلدين فضلاً عن التعاون السياسي والأمني والتجاري خاصة في ظل فتح الجزائر مجال الاستثمار”، موضحاً أن “الإدارة الأميركية تدرك جيداً الدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر إقليمياً بخاصة في ليبيا ومنطقة الساحل، وقدرتها الدبلوماسية على حل النزاعات”. وقال إنه “يمكن قراءة هذه الزيارة الثانية من زاوية الثقة التي توليها واشنطن للجزائر، وهو مؤشر على أن إدارة ترمب تضع الجزائر كدولة محورية في المنطقة”.

ويتابع دلومي أن “واشنطن تسعى أن تكون شريكاً اقتصادياً فعلياً، لا سيما أن الجزائر فتحت باب الاستثمار على مصراعيه في قطاعات استراتيجية مثل الفلاحة والطاقة”، مشيراً إلى أن “الجزائر كانت دوماً محط اهتمام الولايات المتحدة على اختلاف من يحكم سواء كان من الجمهوريين أو الديمقراطيين”.

اندفاع نحو شراكة جديدة

وبالعودة إلى تصريحات سابقة وحالية لمسؤولي البلدين، يظهر بشكل لافت “اندفاع” جزائري- أميركي نحو اعتماد أسس شراكة جديدة، بعيدة من رؤية التكتلات الشرقية والغربية، ويغلب عليها طابع المصالح المشتركة، على رغم أن النوايا الأميركية تبدو واضحة في تحييد روسيا، من خلال الحد من نفوذها في شمال أفريقيا وفي الجزائر تحديداً، مقابل إصرار الأخيرة على موقعها كبلد متشبث بعقيدة عدم الانحياز.

وكان قائد عمليات القيادة الأميركية في أفريقيا، الجنرال داغفين أندرسون، قد شدد في جلسة استماع أمام الكونغرس على أنه “يجب على الولايات المتحدة أن تسعى لإعادة توجيه الجزائر بعيداً من اعتمادها التاريخي على روسيا، وذلك عبر بناء شراكة عسكرية واستراتيجية قوية”.

بين التهديد والابتزاز

وأمام الرغبة الرسمية التي تترجمها الممارسات الظاهرة التي تتحدث عن تقارب يخدم الشعبين والبلدين، تظهر من حين لآخر إشارات أميركية تحمل بعض التهديد، إذ صرح رئيس مكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأميركية، روبرت بالادينو، في 3 فبراير (شباط) الجاري، بأن الإدارة قد تفرض عقوبات على الجزائر بسبب شرائها طائرات مقاتلة من روسيا. وقال في جلسة استماع للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، رداً على سؤال أحد النواب حول إمكانية فرض واشنطن قيوداً على الجزائر في ما يتعلق بشراء مقاتلات روسية: “لقد اطلعنا على تقارير إعلامية حول هذا الموضوع، وهي مثيرة للقلق”.

وأكد بالادينو أن “وزارة الخارجية تلتزم بإنفاذ قانون مكافحة خصوم أميركا من خلال العقوبات، وقد تؤدي صفقات مثل تلك التي ذكرتموها إلى تفعيل هذا القانون، مضيفاً “سنراقب الوضع عن كثب”، وقد تناقَش المسألة بمزيد من التفصيل مع أعضاء مجلس الشيوخ في جلسة مغلقة.

وفي حديثه عن الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة لمنع الجزائر من شراء معدات عسكرية روسية، أضاف الدبلوماسي الأميركي “نعمل بتعاون وثيق مع الحكومة الجزائرية في القضايا التي نتفق عليها، ونختلف بالتأكيد في العديد من القضايا، وهذا مثال على ما تعتبره الولايات المتحدة مشكلة”، مبرزاً أن أميركا ستخدم نفوذها الدبلوماسي لحماية مصالحها ووقف التصرفات غير المقبولة.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here