أفريقيا برس – الجزائر. يشهد المجتمع مؤخرًا، تهاونًا لافتًا لدى عدد من العائلات في تلقيح أطفالهم أو الالتزام بجدول التطعيم الوطني، وهو ما أدى إلى تسجيل عودة أمراض كانت الجزائر قد تخلّصت منها نهائيًا، وعلى رأسها شلل الأطفال، هذا الوضع دفع وزارة الصحة إلى إطلاق حملة وطنية مستعجلة للتلقيح، رافقتها حملة توعية واسعة تستهدف الأولياء، لشرح مخاطر التأخر أو الامتناع عن التطعيم.
نجحت الجزائر، منذ عقود، في القضاء على أغلب الأمراض الفيروسية الخطيرة بفضل برنامج تلقيح وطني مُحكم، لدرجة صرنا نعتمد على نفس برامج الدول المتقدمة في التلقيح، بسبب خلو البلاد من الأمراض التي كانت تُعتبر “أوبئة القرون الغابرة”.
ولكن السنوات الأخيرة، كشفت تراجعًا في إقبال بعض العائلات على تلقيح أطفالها، بسبب إشاعات ومعتقدات خاطئة ومغالطات خطيرة، أعادت أمراضًا من الماضي إلى الواجهة، فما الذي يدفع الأولياء للتهاون في تلقيح أطفالهم، رغم تشديد وزارة الّصحة دوما ومن خلفها أطباء الأطفال على الأهمية القصوى للالتزام بمواعيد التلقيح؟
أسباب عزوف بعض العائلات عن التلقيح
” الشروق” تواصلت مع الدكتورة بلحاج، المختصة في طب الأطفال الرضع وحديثي الولادة، والتي تملك خبرة كبيرة في مصالح الأطفال في عدة مستشفيات، لتكشف لنا وبحكم تجربتها مع الأولياء، عن سبب تهاونهم أو عزوفهم عن تلقيح أطفالهم.
وقالت الطبيبة بلحاج، بأن الإقبال على عملية التلقيح وبحسب ما عايشته من تجارب مع مرضاها، يتأثر بأربع حالات تجعل العائلات لا تلقح أطفالها، وأخرى تتأخر في جدول التطيعم، والبقية تختار تلقيحا على آخر.
أول حالة للعزوف، بحسب مُحدّثتنا، متعلقة بما وصفته “المعتقدات الخاطئة” للعائلات. وهو أمر لاحظته المُختصّة مع أولياء يقصدون عيادتها، فكثير منهم يتأخرون في تلقيح أطفالهم، تحت مبرر التخوف من التطعيم.
وكشفت الدكتورة، أنّ جائحة كورونا كانت نقطة مفصلية في تغيّر سلوك الأولياء تجاه اللقاحات.
وبحسبها، منذ بداية الكوفيد تم ملاحظة تأخر كبير في التلقيح، بعض العائلات خلال جائحة الكوفيد خافت من التنقل إلى المراكز الصّحية فتأخرت عن تلقيح أطفالها، أما الأخطر، هو “ربط لقاحات الرّضع بلقاح كورونا والجدل الذي رافقه” على حد قولها، لتؤكد أنه قبل الجائحة، لم يكن الأولياء يشكّكون في اللّقاحات، بل كان الإقبال عليها تلقائيًا وكبيرا دون نقاش حول بلد الصنع أو مكونات اللقاح.
وتضيف محدثتنا، أنه من أسباب عزوف أو تأخر البعض عن تلقيح أطفالهم، معتقداتهم الخاطئة أيضا، بشأن انقراض الفيروسات، وتقول: “يعتقد البعض أن الأمراض الخطيرة لم تعد موجودة، بينما الواقع يؤكد أن الفيروسات الحالية أكثر تحورًا وشراسة، ولا يحمينا منها سوى التطعيم”.
الفيروسات لا تقاومها المناعة القوية منفردة
وأولياء يعتقدون بأن المناعة الطبيعية تكفي..! وتشرح بلحاج، بأن بعض الأمهات تخبرنها بأنهم يوفرن الأكل الصحي والنوم الجيد ومختلف الفيتامينات لأطفالهم، ما يرفع مناعتهم، ويغنيهم عن اللقاح.. !
فهم يحسبون أن المناعة الجيدة تقاوم الفيروسات الخطيرة والتي قضى عليها التلقيح، خاصة الفيروسات المثبطة أو الخاملة والتي سرعان ما تنشط.
وهو ما تصفه الطبيبة بـ“الخطأ القاتل”، لأن المناعة الطبيعية لا تقاوم أمراضًا خطيرة مثل السل والبوحمرون وشلل الأطفال.
ربط التلقيح بالتوحد… إشاعة
وبعد تحديث البرنامج الوطني، أصبحت بعض اللقاحات تضم عدة جرعات في حقنة واحدة، مما أثار مخاوف لا أساس لها، لدى أولياء.
كما كشفت طبيبة الأطفال، بأن عائلات ترفض التلقيح لاعتقاد ديني، ومنهم والد أخبرها بأن الإنسان خلق في أحسن تقويم، وبالتالي، لا حاجة له بأي لقاح أو تدخل طبي لحمايته من الأمراض..!
ويبقى من أخطر ما سمعته الطبيبة بلحاج، من تبرير جاء على لسان سيدة مثقفة، زارتها في عيادتها بالمدية، فالأخيرة لم تلقح ابنتها ذات 11 شهرا أبدا، والسبب، أن قريبة لها طفل مصاب بطيف التوحد، ووالدته تعاني معه جدا، وهذه السيدة تعتقد بأن تطعيم الأطفال، هو ما سبب لمرض التوحد.. !
وبعد نقاش علمي حول عدم وجود أي دراسة أو علاقة بين التطعيم والتوحد، تمكنت الطبيبة من طمأنة السيدة وتصحيح معلوماتها، بعدما قالت لها الأخيرة: “أفضل أن يموت ابني بمرض فيروسي ومن دون تلقيح، على أن يعيش بالتوحد”.
فالطبيبة أكدت للسيدة، أن عدم التطعيم يعرض ابنتها لأمراض أكثر خطورة من التوحد، وقالت لها: “اللقاحات التي ترفضينها تحمي الطفل من مضاعفات ذهنية، فمثلا مرض السل يعرض الطفل للشلل الدائم وليس الموت الحتمي، وكما أن شلل الأطفال خطير جدا، في وقت ثبت أن أطفالا متوحدين لديهم القدرات على التأقلم والعيش لامتلاكهم ذكاء خارقا.”
البسطاء يلقحون والمثقفون يترددون.. !.
وبحسب محدثتنا، أطباء الأطفال يضطرون أحيانا للخروج من ثوب الطبيب وارتداء ثوب الأم والنفسانية لإقناع الأمهات بتلقيح أطفالهن.
والمفارقة بحسب تجربة محدثتنا، أنّ أغلب من يرفضون التلقيح هم من الفئة المثقفة، بينما الأمهات البسيطات تعليمًا هن الأكثر التزامًا”.
وتشير الدكتورة بلحاج، إلى أن الكثير من الأولياء يؤخرون التلقيح بسبب عطس بسيط أو حرارة خفيفة، وهو خطأ شائع لأن معظم نزلات الزكام ليست مانعًا طبيًا. وهناك من تنتظر أن يكبر رضيعها قليلا لتلقحه، ويحسبون أن التأخير في التلقيح لا ضرر منه، ثم يتناسونه.
والمؤسف، بحسب الطبيبة، أن كثرة المعلومات المضللة على الإنترنت، التي يتأثر بها الأشخاص الذين يبحثون كثيرًا على محركات البحث، هي واحدة من أهم أسباب التخوف من اللقاحات.
شلل الأطفال… قصة نجاح كادت تضيع
وبخصوص مرض شلل الأطفال “البوليو” الذي سجلت حالات منه مؤخرا، فتشير الطبيبة، إلى أن آخر حالة تم تسجيلها في الجزائر تعود للعام 1996، وذلك بفضل برامج التلقيح، الذي بدأ منذ 1956 وسجلت الجزائر آخر إصابة بشلل الأطفال سنة 1996، ثم حصلت البلاد سنة 2016 على شهادة الخلوّ التام من المرض.
وقالت بلحاج، إنه بعد القضاء على الفيروس، خفض البرنامج الوطني عدد جرعات لقاح البوليو من 5 إلى 3 جرعات، وبحقنة تستهدف عائلتين من الفيروس بدل ثلاث.
” وحتى نكون خارج دائرة الخطر، يجب أن تتجاوز نسبة التلقيح 95%. أقل من ذلك، نفتح الباب لعودة شلل الأطفال”، على حد تأكيد المتحدثة. ولهذه الأسباب، أطلقت وزارة الصحة حملة وطنية مستعجلة، لإعادة تلقيح كل الأطفال، خصوصًا من لديهم “خرق في الجدول” أو لم يتلقوا أي جرعة.
كما شددت الطبيبة على ضرورة وجود حوار بين الطبيب والأولياء، وبحسبها “طبيب الأطفال يعالج الطفل ويطمئن الوالدين. علينا أن نستمع لمخاوفهم دوما”.
ودعت في الوقت نفسه، إلى تكوين العاملين في قطاع الصحة وخصوصا العاملين في مراكز الطفل والأمومة، حول كيفية التواصل مع العائلات، لأن غالبيتهم من قطاع الشبه الطبي.
لتختم، طبيبة الأطفال بلحاج، بأن التلقيح هو السلاح الوحيد لحماية أطفالنا من أمراض قاتلة: “لا نريد العودة إلى القرون الوسطى.. ناقشوا مخاوفكم مع أطبائكم، وابتعدوا عن الإشاعات التي قد تكلفكم حياة أطفالكم”.
المصدر: الشروق
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





