ميدان «أودان» في الجزائر.. لم يبق سوى النوستالجيا

ميدان «أودان» في الجزائر.. لم يبق سوى النوستالجيا
ميدان «أودان» في الجزائر.. لم يبق سوى النوستالجيا

أفريقيا برس – الجزائر. في قلب العاصمة الجزائرية، تقع ساحة “موريس أودان” الشهيرة التي تحولت في فترة الحراك الشعبي إلى الساحة الأشهر في البلاد. فيها، كان يتجمع مئات آلاف المتظاهرين للمطالبة بإسقاط الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، والدعوة بعد ذلك لرحيل نظامه وحكومته التي استمرت بعد استقالته.

ولدى ساحة أودان، مكانة خاصة لأبناء العاصمة، فهي تستمد اسمها من المناضل الشهير خلال الثورة الجزائرية وأستاذ الرياضيات، موريس أودان، الذي تعرض للاغتيال من قبل السلطات الفرنسية مع إلقائه في مكان لا يزال يجهل إلى اليوم. وبعد نضال طويل، اعترفت فرنسا أخيرا بمسؤوليتها في اغتياله، قبل 5 سنوات، حيث توجّه الرئيس إيمانويل ماكرون إلى أرملته، بتاريخ 13 أيلول/سبتمبر 2018، برسالة اعتذار رسمية باسم الدولة الفرنسية، معترفًا للمرّة الأولى بمسؤولية فرنسا عن “خطف موريس أودان واحتجازه وتعذيبه وتصفيته، خارج أيّ أطر قانونية، وفي شكل مخلٍ بقيم الجمهورية وأخلاقيات الحرب”.

رمزيات

تحيط بهذه الساحة بفعل كل هذا الرمزيات، هالة النضال والتحرر، ولعل ذلك ما جعلها مهوى أفئدة المتظاهرين الذين صدحوا بكل حناجرهم لأكثر من 8 أشهر بشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والرغبة في إزالة الفساد والاستبداد والتمتع بخيرات بلدهم الغني الذي تعرض للتفقير خلال سنوات طويلة.

وهي كذلك، بحكم موقعها التميز، المكان الأفضل للتلاقي، فهي تمثل تقاطع الشوارع الكبرى في العاصمة، شارع ديدوش مراد وشارع محمد الخامس والنفق الجامعي المؤدي لشارع باستور، كما يمكن الوصول إليها عبر منافذ شارع الشهيدة حسيبة بن بوعلي. لذلك، كانت تنطلق الجموع، فور الانتهاء من صلاة الجمعة، نحو هذا المكان، حاملة معها كل سكان العاصمة الثائرين في مشهد مهيب، كانت تقشعر له الأبدان وتصعد من أجل الكاميرات فوق أعلى المباني من أجل التصوير والاستمتاع بهتافات الحناجر التواقة للحرية وإزالة الظلم.

تشبه هذه الساحة الصغيرة في المساحة القلب في جسم الإنسان، فهي كانت تستقبل المتظاهرين ثم تضخهم في شوارع العاصمة وشرايينها الكبرى. وهي فوق ذلك، ذات جمال عمراني أخاذ، فكل بناياتها مهندسة عبر الطراز الباريسي القديم، وتتميز شرفات عماراتها أنها واسعة، فكانت النسوة يتجمعن فيها لرش المتظاهرين بالورود والمياه في أيام الحر ورفع الأعلام الوطنية التي تتراقص مع الأهازيج والهتافات. وفي الأسابيع الأولى للحراك، بعد تحرر الألسن وانطلاق التيار الجارف، الذي لم يكن ممكنا حصره، كنت لا تميز بين شرطي ومتظاهر، فالكل يعرف دوره ومكانه، بل كانت هناك مشاهد مسجلة لتبادل الورود بين الطرفين.

تبدل الرهانات

لكن مع طول المظاهرات، وتبدل الرهانات بعد سقوط الرئيس بوتفليقة، وعزم السلطة على الذهاب للانتخابات الرئاسية، مع رفض جزء واسع من المتظاهرين لذلك، بدأ التشنج يظهر في الشارع، وانعكس ذلك على ميدان التظاهر الأبرز “ساحة أودان” التي أصبحت تشهد حضورا كثيفا لقوات الأمن وتوترا أحيانا مع المتظاهرين، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على حرية المواطنين في الاستمرار في التظاهر.

وبعد انقطاع المسيرات بفعل الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كورونا، عادت الساحة ليومياتها المعتادة، حيث يقصدها الناس عادة للاستراحة أو تناول المشروبات في المقاهي المحيطة بها أو زيارة مكتبة العالم الثالث التي تعد الأكبر في العاصمة وتطل مباشرة على الساحة. لكن الحراك الشعبي، بعد زوال خطر الجائحة، عاد بمناسبة ذكرى انطلاقه الثانية سنة 2021، وتحولت ساحة أودان من جديد، إلى قبلة المتظاهرين. ولم تكن هذه العودة محل ترحيب من السلطات، خاصة بعد إجراء الانتخابات التي صعد فيها الرئيس عبد المجيد تبون إلى الحكم، وإطلاقه عددا من مشاريع الإصلاح. إذ لم يكن مقبولا بالنسبة لها العودة لتجربة الحراك والتشكيك في شرعية السلطة من جديد، بعد المرحلة الانتقالية القسرية التي فرضها الحراك الشعبي بعد إطاحته ببوتفليقة. وتصاعد التوتر، إلى غاية تحقيق السلطة إرادتها في وقف المظاهرات بالقوة مع تموز/يوليو2021، بمبرر أن المظاهرات أصبحت تحمل شعارات “عدائية” لمؤسسات الدولية وتسيطر عليها “منظمات متطرفة” من الخارج تريد دفع البلاد نحو “الفوضى”.

هدوء الساحة

واليوم، تبدو الساحة هادئة لا يسمع فيها سوى أصوات السيارات العابرة وكلام الجالسين على بعض مقاعدها حول هموم الحياة والمشاكل الاجتماعية. أما وسائل الإعلام، فتترصد بعض المارة لتطرح عليهم أسئلة للترفيه بعيدة تماما عن الشأن السياسي الذي يبدو أنه انتهى في ذلك المكان بانتهاء المسيرات. لم يبق سوى النوستالجيا، فقاصدو العاصمة يقفون لتذكر تلك اللحظات الجميلة التي توحد فيها الجزائريون لأول مرة من أجل مطالب سياسية، والسواح على قلتهم، يقفون فيها للتفرج على بنيان العاصمة وجمالها. أما السلطة، فحولت الاهتمام بالمكان إلى الذاكرة، فأقامت في حزيران/ يونيو 2022، نصبا تذكاريا للمناضل الراحل من أجل القضية الجزائرية، موريس أودان، بحضور نجله بيار أودان الذي تسلم أخيرا الجنسية الجزائرية.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here