نظام “آل أم دي” هو أحد أخطر الأمراض التي تفتك بالجامعة الجزائرية

2
نظام “آل أم دي” هو أحد أخطر الأمراض التي تفتك بالجامعة الجزائرية
نظام “آل أم دي” هو أحد أخطر الأمراض التي تفتك بالجامعة الجزائرية

افريقيا برسالجزائر. تجربة ثرية زادت على 40 عاما من الممارسة الأكاديمية والعلمية، و38 مؤلفا، وحياة زاخرة بالعطاء في التعليم والكتابة والبحث والعمل الثقافي والترجمة والتحقيق.. ذلكم هو ملمح البروفيسور حمادي عبد الله الذي حاورناه في عدد من القضايا الهامة، وكانت الخلاصة هذا الحوار المعرفي الثقافي.

حدّثنا عن أخطر الأمراض في الجامعة الجزائرية، من وجهة نظرك؟

الجامعة الجزائرية التي واكبتُ معظم مراحلها مرَّت بعديد الهزّات الفكرية والجمالية، ولا أقول إنها سارت في خط مستقيم أو أفقي، بل أقول لقد عرفت من الهزات الجمالية ما لفت الأنظار إليها، وجعلها حرما مقدسا، لا يطؤُه إلاّ الراسخون في البحث والمعرفة، ويكفي ذكر الأسماء الكبيرة التي تخرّجت من الجامعة الجزائرية، وكان لها شأن كبير سواء داخل الوطن أو خارجه.
إنّ مرض الجامعة الجزائرية العُضال الذي أصابها كان جرّاء تبنّيها لِما عُرف بمبدأ جزأرة الجامعة والاستغناء الكلي عن العقول غير الجزائرية، التي كانت في يوم ما ساهمت بفعالية كبيرة في النهوض بالمستوى العلمي.
وقد لا تُصدِّق إذا قلت لك من خلال خبرتي وتجاربي الطويلة أنّ كل جامعات العالم تعيش وتنتعش بمثل هذا التنوُّع المعرفي الدّائم في منابرها الجامعية.. هذا الاستغناء غير المبرر أضفى على جامعاتنا ظاهرة الانكماش والانطواء حتى جعلها تمتح من المكرور الممجوج الذي لا يساعد على الإبداع والابتكار. والأغرب من كل ذلك أن ترى رسائلنا الجامعية صارت تُناقَش بين أفراد القبيلة الواحدة التي لا مكان فيها للغريب.
أمّا المرض الثاني الذي أصاب جامعاتنا الجزائرية منذ نشأتها إلى يومنا هذا، فهو تغوّلُ الجانب الإداري فيها، وأعني البيروقراطي، على حساب الجانب البيداغوجي والعلمي الذي هو أساس الجامعة ومُرتكزها.
جامعاتنا أثقل كاهلها النفوذُ الإداري الذي بات يتحكم حتى في علامات الطلبة، والرسائل الجامعية والأطروحات الجامعية التي صارت رهينة هذا المرض العضال الذي أدّى إلى انحطاط المستوى المعرفي الجامعي؛ لقد صارت الإدارة بيدها كل المسار البيداغوجي والعلمي فهي ترفع من تشاء وتذلّ من تشاء، توظف من تشاء وتقصي من تشاء، تقرِّب من تشاء وتُبعد من تشاء.
هذا المرض الإداري الذي يثقل كاهل جامعاتنا هو من تسبب في تدهور مستواها العلمي والبيداغوجي، ولعلك تلاحظ أن تعداد الإداريين في الجامعات يساوي أو يناهز عدد المدرِّسين، ولا يُنظَّم حدثٌ علمي في الجامعات إلاّ إذا وافقت هذه الأطْقُم البيروقراطية، وحتّى طفرة المخابر التي استبشرنا بظهورها وجدناها في آخر الأمر رهينة في يد الإدارة، فرئيس المختبر الذي هو برتبة أستاذ ليس له الحق في إمضاء أي وثيقة تصدر عن المختبر… فما بالك أن يأمر بتثمين بحث أو مكافأة جهد علمي.
مرضٌ آخر تعاني منه الجامعات الجزائرية هو هذا النمط الفريد في الترقيات العلمية، التي تُحدِّد الرتب العلمية للأساتذة. هذا النمط الذي تشرف عليه ظاهريا ما يُعرف باللجنة الجامعية للترقيات، وهي بدورها رهينة في يد الإدارة في اختيار أعضائها؛ فالإدارة هي من يملي عليها قوانين الترقية، وقوانين القبول والرفض، وقانون المدّة التي تتطلبها. وبمثل هذه المعوقات الإدارية صارت جامعاتُنا بمثابة فيالق ضباط من دون جنود، فأنت تجد في بعض الأقسام والكليات فائضا ملحوظا من الرتب العليا، وفي جامعات أخرى تعاني النقص، بل التخلف والعجز في تغطية المقاييس الأساسية.
وقد اقترحت شخصيا على بعض وزراء التعليم العالي لمّا كنت أترأس لجنة الترقيات أن نعدِّل هذا الوضع ونغطي بموجبه كلّ احتياجاتنا البيدغوجية والعلمية في جامعات الوطن، كأنْ يكون للترقيات سلّم يخضع لمبدأ الحاجة والضرورة فنُخضعَ الترقية للمناصب الشاغرة في الجامعات التي تتطلب تغطية العجز البيداغوجي والعلمي؛ مثل فتح مناصب لترقية الأساتذة إلى رتبة أستاذ محاضِر أو رتبة أستاذ في الجامعات التي تحتاج إلى هذه الاختصاصات، فلا نجعل في جامعة قسنطينة على سبيل المثال أكثر من خمسين أستاذا برتبة أستاذ في الفيزياء، في حين يوجد في جامعة ورقلة أو المسيلة أو الوادي أقل من ثلاثة أساتذة في هذا الاختصاص، وبالتالي يكون القضاء على العجز الذي تعاني منه الجامعات الحديثة العهد بالنشأة، وهذا ينطبق على كلّ الاختصاصات.
وهذا المرض أرهق كاهل الجامعات؛ لأنّ الأساتذة الذين يدركون رتبة الأستاذية معظمهم يُحال على التقاعد المُبكر قبل الأوان؛ لأنّ لحظة انتظار رتبة الأستاذية ضرورة لتكريس مبدأ البحث الحقيقي لدى الأستاذ الجامعي، في هذه الرتبة القاتلة يتساوى مَنْ أنتج علما والذي أحيل على الراحة منذ حصوله على هذه الرتبة القاتلة لإرادة البحث العلمي لدى معظم الباحثين.
ومن أمراض الجامعة الجزائرية أن ترى الأستاذَ الإداري يكافَأ على قيامه بالعمل البيروقراطي الإداري والأستاذَ الباحث لا يكافَأ بشيء يذكر؛ لأنّ النظام الإداري المهيمن بسلطته على البحث العلمي يُقصي من أوامره استفادة الباحثين من هذه الامتيازات المادية المستحقة والمشجِّعة والتي هي من مهام الجامعة قبل الشؤون الإدارية.
ومن أمراض الجامعة المستفحلة هي ما يسمى بالعطل العلمية، والتي صارت في الجامعة تُتقاسَم بالتساوي بين الإداريين والباحثين الجامعيين، وهو أمرٌ لا وجود له في أي جامعة من جامعات العالم، وهو ما يؤكد استفحال النفوذ الإداري في الجامعة حتى أصبح مجرد موظف إداري يحصل على منحة التربُّص خارج الوطن وبالعملة الصعبة، وتكون وجهته كما هو معروف الأسواق والبازارات التركية وغيرها من بقاع العالم؛ وهو أمرٌ لا مثيل في أي جامعة من جامعات العالم.
أمّا التربُّصات العلمية المزعومة الممنوحة إلى الأساتذة فهي استهلاكٌ للعملة الصعبة؛ لأنّها لا تخضع إلى مراقبة صارمة، ولا متابعة علمية تبرر استهلاك هذه المبالغ التي “يُصرفُ” معظمُها في المساحات الكبرى الأوروبية أو البازارات العربية، ولا أحد يحاسَبُ على ما فعل وما استثمر في رحلته العلمية المزعومة، وخاصة ما عُرفَ منها بـ”السنة السبتية”.

هل يمكن أن ننظر إلى تطبيق بعض المناهج كـ”أل أم دي” كمرض جامعي أيضا؟

بكل تأكيد يُعدّ ذلك مرضا آخر خطيرا في النظام البيداغوجي الذي فُرض فرضا على الجامعات الجزائرية والمسمى بنظام “أم أل دي“، هذا النظام الغربي الأصل عمدت إليه الجامعات الغربية حتى تقضي على المقولة السائدة “الجامعات تعيش في أبراجها العاجية” أي بعيدة عن واقع الحياة ومتطلبات التنمية التي تحتاجها الشعوب؛ فهذه النُّقلة في الرؤية للجامعات هي قفزة نوعية لدى الشعوب الواعية بمنفعة هذا النظام البيداغوجي والعلمي. لذا طُرحت في الجامعات الغربية برامج تتماشى ومتطلبات المجتمع، ووُضعت في هذا الشأن برامج جديدة متحركة وغير ثابتة، تتغير بتغير متطلبات المجتمع، ثمّ وُضع لها منهاجٌ واضح وفعّال حتى يلبي حاجيات المجتمع الضرورية والمستعجلة، فقُسِّم النظامُ إلى قطبين رئيسيين: قطب يسمى “أم أل دي احترافي” وآخر يُسمَّى “أل أم دي أكاديمي” وبهذا الوضوح الممنهج يحدد مصير طلبة العلم في الجامعات، ولا تصدق إذا قلت لك إن التسعين من المائة من الطلاب الغربيين يفضلون المهني على الأكاديمي؛ لأنّ هذا الاختيار يضمن للطالب التكوينَ النظري والتطبيقي، وفي النهاية يوفر فرصة العمل في أقرب وقت، أمَّا الاختيارُ الثاني ففي الغالب يكون من نصيب القلة التي تريد أن تهيِّئ نفسها للعمل في المخابر أو في البحوث العلمية المعمقة التي تساعد المجتمع على إيجاد الحلول الكبرى التي تحتاج إليها المجتمعات والدول كظاهرة كورونا اليوم وتجنيد الكفاءات الأكاديمية للتصدي لها.
أما جامعاتنا الموزَّعة في أكثر من خمسين جامعة فهي تغصّ بقرابة مليونين من الطلبة، وهو أمرٌ لا مثيل له في أي بلد من بلدان العالم، إذ تحوّل إلى عبء يثقل كاهل الدولة بمشاكل كالإيواء والنقل والمنحة وما يتبع ذلك من مرافق تهدُّ كاهل النظام باحتياجاتها المادية على حساب احتياجات المجتمع، وحتى تعالج هذه الدول المتخلفة علميا ومعرفيا لجأت إلى برامج “شعبوية التعليم الجامعي” إذ بإمكانك أن تنجح وأنت في بيتك، ويصلك “الدبلوم” وأنت غائبٌ في مشاغلك الخاصة، وزاد من حِدّة هذا المرض تدخُّل السياسة في منظومة التعليم بمختلف أطواره، فصارت الجامعات مُجبَرة على تفريغ مقاعد الدراسة للأمواج البشرية القادمة ببكالوريا الكوارث الطبيعية أو الأزمات السياسية التي تهزّ أركان الأنظمة فتجعلها تلجأ إلى سدّ الفراغ المادي بالفراغ العلمي، وهكذا دواليْك…
والأسوأ من كل ذلك أن هذا “الهاجوج والماجوج” من آلاف الطلبة الجزائريين كلهم يريد تحصيلا أكاديميا ليصبح دكتور المستقبل، وباحث الذرة، وهذا في حدّ ذاته مرضٌ يشبه مرض النظام.

بلغت مؤلَّفاتك نحو 30 كتابا، وهو عطاءٌ مهمٌّ ومتنوع، حدِّثنا عن هاجسك الأكبر في التأليف والتدوين؟

بلغت مؤلفاتي 38 كتابا حاليا، وكلها مشاريع علمية مُستمدّة من انشغالاتي الجامعية، إذ تجاوزت دائرة اختصاصي الضيّق إلى اختصاصات أخرى كالترجمة والتحقيق والدراسات الأدبية القديمة والمعاصرة، وحتّى التّاريخ بالإضافة إلى الإبداع الشعري والسردي. منذ أن استقرّ بي المطاف في الجامعة في سبعينيات القرن الماضي شرعت في إنجاز مشروعي المعرفي في تحقيق المخطوطات والترجمة، والدراسات الأدبية والتاريخية، والإبداع بشقيه الشعري والسردي.
هذا المشروع الضخم والذي يظهر من خلال موضوعات كتبي جعلني مهتما بالبحث في كل تلك المحاور المتنوعة والمتكاملة، فعددها اليوم كما ترى بدأ بمجرد انتهائي من شهادة الدكتوراه، إذ يمكن القول إن في كلّ سنة من حياتي الجامعية أقدِّم إلى دور النشر كتابا جديدا في أحد هذه الانشغالات، إلى جانب التدريس والإشراف ومرافقة الباحثين والمبدعين، مع النشاط العلمي الدائم والنوعي الذي مارسته في الجامعة طوال حياتي كإدارة الندوات العلمية والملتقيات.. ولكوني باحثا مجتهدا لم يتوقف انشغالي بالبحث العلمي، حتى بعد خروجي إلى التقاعد، بل وجدت في مرحة التقاعد حافزا مهما لمواصلة البحث العلمي ومؤلفاتي شاهدة.

كيف يبدو لك المشهد الثقافي الوطني، في ضوء متابعاتك واهتمامك، وكيف تقيّمه؟

النشاط الثقافي في الجزائر عانى من فراغ مهول، يكفي القول إن بلدنا لا تدخله مجلة ثقافية واحدة منتظمة من خارج حدوده، إذ انغلقنا على أنفسنا إلى درجة أننا بتنا نتنفس من مخزون واحد، ومن بِركة آسنة لا يدخلها الهواء ولا تجدِّد الماء.. والكتاب الجزائري بدوره مُحاصَر بالأسلاك الشائكة في الحدود ولا يصل إلى الآخرين، والترجمة هي الأخرى لا تفكر في أهميتها الدولةُ ولا وزارة الثقافة ووزارة التعليم العالي، ولفقدان هذين الرافدين يعمُّ السبات الثقافي وتنحسر موارد المعرفة، فالجزائر تعيش الموات الثقافي، وهذا ليس جديدا فتاريخ هذا البلد فيه محطاتٌ كثيرة تؤكد عداوة هذا البلد للثقافة والمثقفين، ويكفي فخرا هذا البلد أن جعل لفعل “فهم” مدلولا عدائيا، فإذا قلت لأحدهم أخي أريد أن أفهم، يردّ عليك بالعُنف الصُّراح مباشرة، فالجزائري المغبون ضحية تاريخه، وليس له من علاج سوى بنظام تُبْنى منظومته السياسية على قاعدة الفكر والمعرفة، وهذا غير مُيسّر حاليا، فالثقافة رصيد يُورَّث كما تُورَّث المواريث الأخرى، ونحن لا ميراث لنا في هذا المجال، لذا ترانا نُرقِّع ونصارع من أجل ملء الفراغ الذي تعاني منه أنفسُنا المريضة بكابوس الجهل وقلة الأدب وضيق الصدر والحسد البغيض الذي يأكل أوصالنا ويبدّد قِوانا ويجعلنا نذرع الفراغ، ونُقضي وقتنا في ملء الفراغ بما لا يفيد ولا ينفع.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here