أفريقيا برس – الجزائر. طوت محكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي لسيدي أمحمد، في حدود منتصف الليل من يوم الأربعاء الماضي، الملف المعروف بـ”تهريب حاويات مشبوهة لسلع تروّج للفساد الأخلاقي والديني”، بمنح المتهمين الكلمة الأخيرة، أين طالب جميعهم بالإنصاف، وصرحوا بأنهم أبرياء، قبل أن تعلن قاضية الفرع الثاني لدى القطب عن رفع الجلسة وإحالة القضية للمداولة للنطق بالأحكام بتاريخ 3 مارس الجاري.
وخلال مرافعة هيئة الدفاع من فئة المستوردين، أجمعت على أن ملف الحال تم تضخيمه بشكل كبير ليشكل من “الحبة قبة” بالرغم من أنه فارغ من محتواه وغير مبني على اتهامات قطعية تثبت إدانة المتهمين بالأدلة والقرائن، بل بالعكس فإن تقرير الخبرة المنجزة من طرف دائرة الإعلام الآلي بالمعهد الوطني للأدلة الجنائية وعلم الإجرام أثبتت براءة المتهمين، بتأكديها على أن السلع المحجوزة لا تحمل أي طابع مناف للأخلاق، بل كانت وسيلة للتواصل بين الأبناء والأولياء فقط، كما أكدت الخبرة ذاتها سلامة الأجهزة المستوردة، حسب الدفاع.
وفي هذا السياق، استغربت هيئة الدفاع عن المتهمين “ن. ع” و”ت. م” مسيري شركة “بن تينا”، ممثلة في المحامي خالد بوجمعة، من طريقة جر موكليها إلى المحاكمة، ورافعت بقوة من أجل إسقاط التهم الموجهة إليهما باستعمال جميع الأدلة والقرائن.
وفي مرافعة قانونية مفصلة موسومة بعنوان “القضية كبرت في العنوان وصغرت في المضمون”، شدد بوجمعة على أن القضايا لا تقاس بضجيج بدايتها، بل بحقيقة ما استقر عليه التحقيق، قائلا “سيدتي الرئيسة، قضية الحال دخلت أروقة العدالة مثقلة بالاتهام، كبيرة في الوصف، ثقيلة في الألفاظ، لكنها خرجت من التحقيق خفيفة الوقائع، محدودة الأثر خالية من أي قصد إجرامي”..
وثار بوجمعة مخاطبا هيئة المحكمة “إن العدالة سيدتي الرئيسة لا تدين بالانطباع ولا تحاكم بالظنون، بل تنزل الوصف، حيث يستقر الفعل، لا حيث يخشى منه، وهنا أقصد وقائع قضية الحال التي يمكن أن نصفها بالمهزلة، ولا ترقى إلى أن تعالج في القطب المتخصص في مكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية”.
ورجع بوجمعة إلى تفاصيل الملف بالقول “إن وقائع القضية برمتها انطلقت من ادعاءات صادرة عن مصالح وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، مفادها وجود ساعات إلكترونية تحتوي على رموز منافية للأخلاق، لكن سيدتي الرئيسة إذا حضر الماء بطل التيمم، فهذه الادعاءات أثبتت عدم جديتها بموجب تقرير الخبرة الرسمية الذي أكد سلامة الأجهزة المستوردة، غير أن الضرر المعنوي قد وقع خاصة بعد التغطية الإعلامية المكثفة، مما ألحق أذى جسيما بسمعة عائلتي موكليّ، والتي نظر إليها ظلما على أنها تمس بالقيم الدينية والاجتماعية، والعامة تأخذ بما سمعت”.
وخاض الدفاع بالتفصيل في الجنح المتابع فيه موكليه وشركته، قائلا: إنها لا تتضمن أركانا قانونية ثابتة، لا في ما يخص تبييض الأموال والعائدات الإجرامية، بل هي فضفاضة لا ترقى إلى مستوى الإدانة، باعتبار أن الأموال التي باشرت بها العائلة نشاطها ذات مصدر مشروع، إذ تحصلت والدة المتهمين على نصيبها في تركة والدها، وقدمته كإعانة لابنيها، حسب المحامي، موضحا أن موكليه لم يسبق لهما التورط في أي عمليات مخالفة للقانون، ولم يثبت أن عمليات الاستيراد محل المتابعة كانت تهدف إلى تهريب الأموال وتضخيم الفواتير وهو ما لم يرد لا في محاضر التحقيق ولا في أمر الإحالة، على حد تعبيره.
وأضاف بوجمعة “أن إجراءات جمركة الحاويات الخاصة بشركة بن تينا لم تتم أصلا، ولم تحدد أي مستحقات جمركية أو غرامات إلى غاية مباشرة التحقيق، كما لم يثبت أي دليل على أن موكليّ قد قاما بتصريح كاذب من شأنه حرمان الجمارك من حقوقها، فأين هو إذن تبديد المال العام؟ كما أنه لا توجد أي واقعة مادية تثبت حصول موكليّ على وثائق مزورة أو استعمالها أو الإدلاء بتصريحات كاذبة أو انتحال صفة؟.. وعلى هذا الأساس التمس منكم سيدتي الرئيسة تبرئة ساحة موكليّ من كل التهم الموجهة إليهما والسماح لهما بالعودة إلى كنف عائلتهم، خاصة ونحن في شهر رمضان المعظم”.
وعلى نفس النهج، سارت المحامية نصيرة واعلي التي وصفت وقائع ملف الحال بـ”وصمة عار”، بعد ما كان القطب الاقتصادي والمالي يبت في قضايا فساد كبرى.. الحديث فيها بآلاف الملايير من الدينارات، ليتحوّل اليوم إلى البت في المخالفات الجمركية؟
وقالت واعلي “سيدي الرئيس، والله اتأسف اليوم وأنا أقف أمامكم لأرافع في قضية فارغة من محتواها، وحتى وكيل الجمهورية كان يردد طيلة مرافعته عبارة مخالفات جمركية، نعم، فهذا الملف لا يعني القطب الاقتصادي والمالي، بل هي مخالفة جمركية أخذت بعدا كبيرا لما شككت وزارة التجارة بالساعات المستوردة، لتدحض خبرة معهد بوشاوي هذه الإدعاءات وتبرئ المستوردين وموكلي معهم، بعد أن أثبتت أن السلع المحجوزة لا تحمل أي طابع مناف للأخلاق، بل كانت وسيلة للتواصل بين الأبناء والأولياء فقط”.
وتساءلت المحامية: “قاضي التحقيق لما توصّل إلى أن الخبرة لصالح موكلي والمستوردين، لماذا لم يغلق الملف بأن لا وجه للمتابعة؟ فهؤلاء المتهمون يستنجدون بكم سيدي الرئيس وبصوت واحد يطلبون إنصافهم وإخلاء سبيلهم ليعودوا إلى عائلتهم التي تتجرع المرارة، وكلهم أمل في عدالة بلادهم الجزائر وخاصة ونحن في هذا الشهر المبارك”…
ومن جهته، رافع النقيب صديق شايب، المتأسس في حق كل من المتهمة “ب. ب” محققة رئيسية لقمع الغش بمفتشية الحدود بميناء وهران، والمتهمة “س. أ” مفتشة رئيسية لقمع الغش بالمفتشية الإقليمية الحدودية لميناء وهران، بقوة من أجل براءة موكلتيه بالاعتماد على جميع الأدلة والوثائق والمواد القانونية التي من شأنها أن تسقط التهم الموجهة لهما.
وقال المحامي شايب “سيدتي الرئيسة، أبدأ مرافعتي بالخوض في ظروف انطلاق القضية، إذ ما يعاب في التصريحات التي وردت على لسان المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك على أنها روجت في الأسواق ساعات ذكية تحتوي على تطبيقات لشذوذ جنسي، إلا أن القفزة النوعية للعدالة الجزائرية هو أنه من واجب القضاة الابتعاد عن ثقافة التصريحات والتقرب من ثقافة الدليل، هذه القفزة بالذات هي التي نود من هيئة المحكمة تطبيقها في ملف الحال”.
وأضاف شايب “ما يعكس براءة موكلتَي في قضية الحال أن قاضي التحقيق أمر بخبرة لدى المعهد الوطني للأدلة الإجرامية، جاءت مخالفة للوقائع المنسوبة لكل المتهمين. سيدتي الرئيسة، بالرجوع إلى التهم المنسوبة إلى موكلتَي بما فيها سواء استغلال الوظيفة وتبديد المال العام، فنجد أنها كلها جرائم عمدية، وهذا الركن المعنوي المفتقد في قضية الحال، لأنه لا يوجد ما يثبت الركن المادي لجرائم التبديد والاستغلال”.
والأكثر من ذلك، يضيف الدفاع “فإنه لا يوجد أي ضرر في قضية الحال، وأن ما قامت به موكلتَي كان في إطار القانون ولم يثبت في الملف أي تواطؤ أو مشاركة أو مصلحة أو امتياز فيما بينهما وبين المتهمين أو وكلاء العبور أو الجمارك”.
وختم النقيب مرافعته بالقول “سيدتي الرئيسة، قرينة البراءة هي الأساس وهو مبدأ دستوري والاستثناء هو الإيداع أو الحبس الاحتياطي وموكلتَي اللائي اعتبرهما الحلقة الأضعف متزوجتان ولديهن أطفال وغير مسبوقتين قضائيتين، وعلى هذا الأساس، ونحن في شهر رمضان، نلتمس منكم تبرئتهما والسماح لهن بالعودة إلى أحضان عائلتهن”.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





