آمنة جبران
أفريقيا برس – الجزائر. بعد حالة فتور دامت 10 أشهر، استعادت العلاقات الثنائية بين الجزائر والنيجر، وضعها الطبيعي، مع إشارات واضحة على نية البلدين تسريع وتيرة التعاون وتنفيذ العديد من المشاريع الاقتصادية المشتركة. ومع صول رئيس النيجر الفريق عبد الرحمان تياني إلى الجزائر، يكون البلدان قد دشنا مرحلة جديدة من التعاون والتنسيق والتشاور رفيع المستوى.
وفي معرض تعليقه عن دوافع ودلالات عودة العلاقات بين البلدين، أشار بوحنية قوي، الباحث المختص في الدراسات الأفريقية والأمنية في حواره مع “أفريقيا برس” إلى أن “هذه الخطوة تؤكد أن الاستقرار الإقليمي أولوية تتقدم على الحسابات الظرفية. ومن خلال تجاوز القطيعة، تعيد الجزائر تثبيت موقعها كفاعل توازن في الساحل، وتبعث برسالة مفادها أن الحوار والشراكة هما السبيل الأنجع لتحصين المنطقة من الانزلاقات.”
وأوضح أنه “مع إعلان الجزائر والنيجر ونيجيريا الانطلاق الفعلي لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء بعد شهر رمضان، يتأكد أن الأمر لم يعد مجرد تصور استراتيجي مؤجل، بل خيارًا حتميًا تفرضه التحولات الجيوطاقوية العالمية.” لافتا أن “قوة هذا المشروع لا تكمن فقط في أرقامه، بل في رمزيته الجيوسياسية: وهو إعلان بأن إفريقيا قادرة على ربط مواردها بأسواق العالم عبر شراكات داخلية متماسكة”.
وبرأيه “إذا ما تواصل التنسيق السياسي والمالي بنفس الزخم الحالي، فإن أنبوب الغاز العابر للصحراء مرشح لأن يصبح خلال العقد المقبل أحد أعمدة البنية الطاقوية الإفريقية ومحورًا رئيسيًا في إعادة تشكيل التوازنات بين ضفتي المتوسط.”
كيف تقرأ توجهات الدبلوماسية الجزائرية في أفريقيا، وهل نجحت الجزائر في تعزيز تموقعها في القارة وتوسيع امتدادها الاقتصادي مع دول الجوار؟
تُقرأ توجهات الدبلوماسية الجزائرية في إفريقيا اليوم من خلال ثلاث دوائر مترابطة: الأمن الإقليمي، والاندماج الاقتصادي، واستعادة العمق الإفريقي سياسيًا ومؤسساتيًا. فمنذ عودة الجزائر بقوة إلى الفضاء الإفريقي خلال العقد الأخير، سعت إلى الانتقال من دور الوسيط السياسي التقليدي إلى فاعل تنموي–استراتيجي يربط شمال القارة بعمقها الغربي والساحلي.
أولًا، على المستوى السياسي–المؤسساتي، عززت الجزائر حضورها داخل الاتحاد الإفريقي عبر المشاركة النشطة في آليات السلم والأمن، وتكثيف الزيارات الرئاسية والوزارية إلى دول الساحل وغرب إفريقيا. وتمكنت في السنوات الأخيرة من توسيع شبكتها الدبلوماسية في القارة، حيث تمتلك أكثر من 30 بعثة دبلوماسية إفريقية، وهو رقم يعكس توجهًا واضحًا نحو إعادة التموضع جنوبًا. كما ارتفع عدد الاتفاقيات الثنائية الموقعة مع دول إفريقية في مجالات الطاقة، النقل، التعليم والتكوين إلى عشرات الاتفاقيات، خاصة مع دول مثل النيجر، مالي، موريتانيا، السنغال وجنوب إفريقيا. هذا الحراك يعكس انتقال الدبلوماسية الجزائرية من منطق التضامن السياسي التاريخي إلى مقاربة شراكة عملية قائمة على المصالح المتبادلة.
ثانيًا، في البعد الأمني، تستند الجزائر إلى حدود برية تتجاوز 6,700 كلم، منها ما يقارب 2,500 كلم مع دول الساحل (مالي، النيجر، موريتانيا). وقد خصصت الجزائر خلال السنوات الأخيرة ميزانيات دفاع تفوق 20 مليار دولار سنويًا، جزء معتبر منها موجه لتأمين الحدود الجنوبية ومكافحة الإرهاب. وتُعد مقاربتها القائمة على الحلول السياسية ورفض التدخلات العسكرية الخارجية عنصرًا مميزًا في خطابها الإفريقي، حيث لعبت أدوار وساطة في أزمات مالي سابقًا، ودعت باستمرار إلى حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية. هذا التموقع عزز صورتها كفاعل استقرار إقليمي، خصوصًا في ظل تراجع أدوار بعض القوى الدولية في الساحل.
ثالثًا، في المجال الاقتصادي، يشكل التحدي الأكبر اختبارًا حقيقيًا لنجاح الدبلوماسية الجزائرية. فحجم المبادلات التجارية بين الجزائر والدول الإفريقية ظل تاريخيًا دون الإمكانات، إذ لم يكن يتجاوز 3–4 مليارات دولار سنويًا في أفضل التقديرات خلال السنوات الماضية، أي أقل من 10% من إجمالي التجارة الخارجية للجزائر. غير أن المؤشرات الأخيرة توحي بمحاولة تصحيح المسار، خاصة بعد انضمام الجزائر الفعلي إلى آليات منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ما يفتح سوقًا تضم أكثر من 1.3 مليار نسمة وناتجًا إجماليًا يفوق 3 تريليونات دولار.
وتراهن الجزائر في هذا السياق على مشاريع هيكلية كبرى، أبرزها أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يمتد على نحو 4,000 كلم بطاقة محتملة تقارب 30 مليار متر مكعب سنويًا، ويربط نيجيريا بالجزائر مرورًا بالنيجر، بما يمنح الجزائر دور بوابة طاقوية نحو أوروبا. كما يمثل طريق الوحدة الإفريقية، بطول يقارب 4,500 كلم، رافعة لوجستية مهمة لرفع الصادرات الجزائرية غير النفطية نحو غرب إفريقيا، خاصة مع استكمال المقاطع الكبرى داخل الأراضي الجزائرية.
وفي ما يتعلق بالصادرات، سجلت الجزائر خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا في صادراتها خارج المحروقات، التي قاربت 5–7 مليارات دولار سنويًا، جزء منها موجه إلى أسواق إفريقية (الإسمنت، الحديد، المنتجات الغذائية، المواد الكهرومنزلية). كما بدأت بنوك جزائرية عمومية فتح فروع في دول إفريقية، في خطوة تهدف إلى مرافقة المستثمرين وتسهيل المعاملات التجارية، وهو مؤشر على تحول تدريجي من دبلوماسية سياسية إلى دبلوماسية اقتصادية.
نجحت الجزائر في تعزيز حضورها السياسي والأمني في القارة، واستعادت جزءًا معتبرًا من وزنها داخل المنظومة الإفريقية، خاصة في ملفات الساحل والطاقة. ومن جهة أخرى، لا يزال الحضور الاقتصادي دون الطموح، إذ تبقى الاستثمارات الجزائرية المباشرة في إفريقيا محدودة. كما أن البنية اللوجستية، رغم التحسن، تحتاج إلى تسريع الربط السككي والموانئ الجافة ومناطق التبادل الحدودي لتحويل العمق الجغرافي إلى عمق اقتصادي فعلي.
خلاصة القول، إن الدبلوماسية الجزائرية في إفريقيا تمر بمرحلة إعادة تموضع استراتيجية: سياسيًا وأمنيًا حققت تقدمًا واضحًا ورسخت صورة فاعل استقرار إقليمي؛ أما اقتصاديًا، فقد وضعت الأسس (مشاريع طاقوية، طرق عابرة للصحراء، انخراط في السوق القارية)، لكن ترجمة هذه المقومات إلى أرقام تجارية واستثمارية مضاعفة خلال السنوات القادمة ستظل المعيار الحقيقي لمدى نجاحها في تحويل الحضور السياسي إلى نفوذ اقتصادي مستدام داخل القارة.
مع إعلان الجزائر عودة العلاقات مع النيجر، برأيك ماهي دوافع وتوقيت هذه الخطوة ولماذا اختارت الجزائر تجاوز القطيعة السياسية مع النيجر؟
يأتي إعلان الجزائر عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع النيجر في سياق إقليمي دقيق يتسم بإعادة تشكيل موازين القوى في الساحل، وتزايد الحاجة إلى مقاربات واقعية تحفظ الاستقرار وتمنع الفراغ الاستراتيجي. وقد تزامنت الخطوة مع إعادة النيجر سفيرها إلى الجزائر، لتتعامل الجزائر بالمثل، في رسالة واضحة مفادها أن القنوات السياسية المفتوحة تظل الخيار المفضل لدى الطرفين مهما بلغت حدة التباينات الظرفية.
من حيث التوقيت، يمكن قراءة القرار على ضوء متغيرين أساسيين: أولًا، التحولات الجارية في منطقة الساحل بعد الانسحابات الدولية وإعادة تموضع بعض القوى الخارجية، ما خلق حاجة ملحة إلى تنسيق إقليمي مباشر بين الدول المتجاورة. وثانيًا، إدراك الجزائر أن استقرار النيجر ليس مسألة تضامن سياسي فحسب، بل مصلحة أمنية مباشرة، بحكم حدود مشتركة تتجاوز 900 كلم، وتداخل التحديات المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.
الجزائر اختارت تجاوز القطيعة السياسية لأن فلسفة سياستها الخارجية، كما عبّرت عنها مرارًا داخل الاتحاد الإفريقي، تقوم على مبدأ الحوار والحلول الإفريقية للأزمات، ورفض منطق العزلة الذي قد يدفع الأوضاع نحو مزيد من التعقيد. فالقطيعة في فضاء هش كالساحل لا تُضعف سوى الاستقرار الجماعي، بينما يتيح استئناف العلاقات التأثير الإيجابي والمساهمة في توجيه المسارات السياسية نحو حلول توافقية.
كما أن استعادة التمثيل الدبلوماسي الكامل تعكس قناعة مشتركة بأن الخلافات السابقة كانت ظرفية ومرتبطة بسياق سياسي إقليمي، وليست خلافًا بنيويًا يمس جوهر العلاقة بين البلدين. فالجزائر تدرك أن موقع النيجر الجيوسياسي يجعلها شريكًا محوريًا في مشاريع استراتيجية كبرى، على غرار أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط غرب إفريقيا بالمتوسط، إضافة إلى طريق الوحدة الإفريقية الذي يشكل شريانًا حيويًا للتبادل التجاري.
اقتصاديًا، يحمل القرار بعدًا براغماتيًا واضحًا؛ فتنشيط المبادلات التجارية، وتأمين مسارات الطاقة، وتطوير المناطق الحدودية المشتركة، كلها رهانات تحتاج إلى غطاء سياسي مستقر. وأمنيًا، فإن التنسيق بين الجيشين وأجهزة الأمن في البلدين يُعد من أكثر آليات التعاون انتظامًا في المنطقة، ما يجعل استمراره ضرورة استراتيجية لا خيارًا تكتيكيًا.
بذلك، لا يمكن فهم خطوة عودة العلاقات إلا باعتبارها تعبيرًا عن نضج دبلوماسي ورؤية بعيدة المدى. فالجزائر، التي تعاملت بإيجابية مع مبادرة نيامي بإعادة سفيرها، أرادت أن تؤكد أن الاستقرار الإقليمي أولوية تتقدم على الحسابات الظرفية. ومن خلال تجاوز القطيعة، تعيد الجزائر تثبيت موقعها كفاعل توازن في الساحل، وتبعث برسالة مفادها أن الحوار والشراكة هما السبيل الأنجع لتحصين المنطقة من الانزلاقات، وتحويل الجوار الجغرافي إلى رافعة تعاون بدل أن يكون مصدر توتر.
هل تدشن زيارة الرئيس النيجيري إلى الجزائر مرحلة جديدة من التعاون والتنسيق بين البلدين، ومؤشرا لتنفيذ العديد من المشاريع الاقتصادية المشتركة؟
مع إعلان الجزائر والنيجر ونيجيريا الانطلاق الفعلي لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء بعد شهر رمضان، يتأكد أن الأمر لم يعد مجرد تصور استراتيجي مؤجل، بل خيارًا حتميًا تفرضه التحولات الجيوطاقوية العالمية. فهذا المشروع، الممتد على نحو 4,128 كلم، بطاقة نقل تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويًا، يمثل أحد أكبر المشاريع الطاقوية في القارة الإفريقية، وقادرًا على إعادة رسم خريطة تدفقات الغاز بين غرب إفريقيا وأوروبا.
قوة المشروع تنبع أولًا من معطياته الصلبة. نيجيريا تمتلك احتياطات تفوق 200 تريليون قدم مكعب من الغاز، ما يضمن قاعدة إمداد طويلة المدى. الجزائر، من جهتها، تملك شبكة أنابيب بحرية قائمة نحو أوروبا وخبرة تمتد لعقود في إدارة وتصدير الغاز، وهو ما يقلل المخاطر التقنية ويعزز الجاهزية التشغيلية. أما النيجر، فتمثل محور عبور استراتيجي يمكن أن يحول موقعها الجغرافي إلى مصدر عائدات وتنمية مستدامة، في اقتصاد لا يتجاوز ناتجه الداخلي الخام نحو 15 مليار دولار.
أما من حيث الجدوى السوقية، فإن ضخ 30 مليار متر مكعب سنويًا يمكن أن يغطي ما يقارب 7–10% من واردات الغاز الأوروبية، وهي نسبة كفيلة بجعل المشروع عنصرًا مؤثرًا في معادلة أمن الطاقة. في ظل بحث أوروبا عن تنويع مصادرها، يتحول الأنبوب إلى خيار استراتيجي لا بديل عنه، خاصة وأنه يستند إلى شراكة إفريقية خالصة تعزز استقلالية القرار الطاقوي للقارة.
صحيح أن التكلفة التقديرية التي تتجاوز 13 مليار دولار تبدو مرتفعة، لكنها في منطق المشاريع الكبرى استثمار طويل الأمد قابل للاسترداد، خصوصًا مع استقرار الطلب العالمي على الغاز خلال العقود الانتقالية للطاقة. كما أن العائدات المحتملة من رسوم العبور والتصدير، إلى جانب فرص العمل والبنى التحتية المرافقة، تجعل من المشروع محركًا تنمويًا عابرًا للحدود وليس مجرد خط أنابيب.
التحديات الأمنية في منطقة الساحل، رغم واقعيتها، ليست عائقًا حتميًا، بل عاملًا إضافيًا لتعزيز التنسيق بين الدول الثلاث. فالاستثمار في الحماية والبنية الأمنية جزء من معادلة النجاح، كما أن تحويل مناطق العبور إلى فضاءات تنمية وخدمات يقلص من مخاطر الهشاشة على المدى المتوسط.
إن قوة هذا المشروع لا تكمن فقط في أرقامه، بل في رمزيته الجيوسياسية: إنه إعلان بأن إفريقيا قادرة على ربط مواردها بأسواق العالم عبر شراكات داخلية متماسكة. لذلك، فإن تجسيده لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة استراتيجية تمليها اعتبارات الأمن الطاقوي، والتنمية الاقتصادية، وتعزيز التكامل الإقليمي. وإذا ما تواصل التنسيق السياسي والمالي بنفس الزخم الحالي، فإن أنبوب الغاز العابر للصحراء مرشح لأن يصبح خلال العقد المقبل أحد أعمدة البنية الطاقوية الإفريقية ومحورًا رئيسيًا في إعادة تشكيل التوازنات بين ضفتي المتوسط.
مع إعلان الجزائر والنيجر على انطلاق المرحلة العملية لأنبوب الغاز، أي فرص لهذا المشروع في النجاح في ظل التحديات المالية وفي ظل مناخ إقليمي مضطرب؟
يثير التوازي بين أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يمر عبر الجزائر والنيجر، ومشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب على الساحل الأطلسي، نقاشًا حول موازين القوة بين الجزائر والمغرب في سباق التموضع الطاقوي الإفريقي. غير أن القراءة التقنية–الاقتصادية تُظهر رجحان كفة الجزائر من حيث الجاهزية والبنية التحتية والقدرة التشغيلية.
أولًا، من حيث المسار والكلفة، يمتد المشروع العابر للصحراء على نحو 4,100 كلم فقط، مقارنةً بمسار يتجاوز 5,600 كلم في المشروع الأطلسي الذي يعبر أكثر من 13 دولة. كلما زاد عدد الدول المعنية ارتفعت التعقيدات القانونية والمالية والأمنية. في المقابل، المسار عبر الجزائر يمر بثلاث دول فقط، ما يمنح وضوحًا مؤسساتيًا وسرعة أكبر في اتخاذ القرار. كما أن الكلفة التقديرية للمشروع العابر للصحراء، رغم أنها تفوق 13 مليار دولار، تبقى أقل تعقيدًا من مشروع ساحلي طويل يتطلب استثمارات بحرية وبرية متعددة.
ثانيًا، تمتلك الجزائر أفضلية حاسمة تتمثل في بنيتها التحتية الغازية القائمة. فهي بلد مُصدِّر فعلي للغاز منذ عقود، وتملك شبكة أنابيب تربطها مباشرة بأوروبا عبر المتوسط، إضافة إلى محطات تسييل وقدرات ضغط وتخزين قائمة. هذا يعني أن الغاز النيجيري، في حال وصوله إلى الحدود الجزائرية، يدخل فورًا في شبكة جاهزة للتصدير دون الحاجة إلى إنشاء منظومة تصدير جديدة بالكامل. المغرب، بالمقابل، لا يتوفر حاليًا على بنية تصدير غاز مماثلة، ما يجعله مطالبًا ببناء منظومة موازية من الصفر تقريبًا.
ثالثًا، من حيث القوة الاقتصادية، تمتلك الجزائر احتياطات مالية وطاقة إنتاجية في قطاع المحروقات تمنحها قدرة تفاوضية وتمويلية أكبر. صادراتها الطاقوية تمثل نحو 30 مليار دولار سنويًا، في حين يبلغ الناتج الداخلي الخام للجزائر حوالي 190 مليار دولار. بالمقارنة، يعاني المغرب من تحديات اقتصادية، إذ يبلغ ناتجه الداخلي الخام نحو 140 مليار دولار، وصادراته الطاقوية محدودة جدًا، ما يقلل من قدرته على تمويل مشروع معقد وطويل مثل أنبوب الغاز الأطلسي. هذه الأرقام تؤكد أن الرهان الجزائري أقوى، إذ يجمع بين قاعدة مالية واسعة، خبرة مؤسساتية متراكمة، وشبكة تصدير جاهزة، بينما يظل الرهان المغربي أكثر هشاشة ومرتبطًا بتحديات التمويل والبنية التحتية الجديدة.
أما في ما يتعلق بسؤالكم عن قضية الصحراء الغربية، فمن المهم التأكيد أن نزاع الصحراء الغربية لا يرتبط تقنيًا أو قانونيًا بأي من المشروعين والقضية الصحراوية مكانها الأمم المتحدة وبعثة المينورسو ولا داعي للزج بها في كل النقاشات بشكل سياسيوي مرفوض هذا من جهة ومن جهة ثانية ينبغي التوضيح أن أنبوب الغاز العابر للصحراء يمر عبر الجزائر والنيجر ونيجيريا فقط، بينما المسار الأطلسي يمر عبر سواحل غرب إفريقيا. وبالتالي، فإن قضية الصحراء الغربية مسار سياسي–أممي مستقل، ولا يشكل عنصرًا مباشرًا في معادلة تنفيذ أي من المشروعين.
الخلاصة أن المنافسة موجودة على مستوى التموضع الإقليمي، لكنها من منظور واقعي تميل لصالح الجزائر بسبب قصر المسار، محدودية عدد الدول المعنية، الجاهزية التحتية، والخبرة التاريخية في تصدير الغاز إلى أوروبا. هذه المعطيات تجعل المشروع العابر للصحراء أكثر قابلية للتجسيد في المدى المتوسط، وتمنح الجزائر أفضلية واضحة في سباق التحول إلى بوابة رئيسية للغاز الإفريقي نحو المتوسط، بعيدًا عن أي إسقاطات مرتبطة بملفات سياسية أخرى
هل ستحيي زيارة الرئيس النيجيري الى الجزائر آليات التنسيق الأمني بين البلدين لمواجهة التهديدات المتصاعدة في منطقة الساحل مثل مكافحة الارهاب والهجرة غير النظامية؟ وكيف للجزائر أن تعزز نفوها في منطقة الساحل حسب تقديرك؟
زيارة رئيس جمهورية النيجر الفريق الأول تياني إلى الجزائر تأتي في وقت بالغ الأهمية لمنطقة الساحل الإفريقي، التي تواجه تهديدات متصاعدة تشمل الإرهاب والهجرة غير النظامية وتهريب الأسلحة والبشر. هذه الزيارة لا تمثل مجرد حدث بروتوكولي، بل تعبيرًا عن إرادة سياسية قوية لإعادة إحياء آليات التنسيق الأمني بين الجزائر والنيجر بعد فترة من الفتور، واستعادة الثقة الدبلوماسية بين البلدين من خلال تبادل السفراء، بما يعكس رغبة مشتركة في استقرار طويل الأمد في المنطقة. وجود التحديات الأمنية في الساحل يفرض على الجزائر دورًا محوريًا، خاصة وأن الحدود الجنوبية الممتدة لأكثر من 900 كلم مع النيجر تشكل مسرحًا لنشاط عصابات التهريب والجماعات المسلحة العابرة للحدود، وهو ما يضع التعاون بين الأجهزة الأمنية على رأس الأولويات.
إحياء التنسيق الأمني ليس مجرد تبادل معلومات استخباراتية، بل يشمل تنسيق العمليات الميدانية وإطلاق برامج تدريب مشتركة للقوات، ما يحول الحدود الجزائرية الجنوبية من مناطق عبور خطرة إلى مناطق مراقبة وأمن مشترك. وتجربة الجزائر الطويلة منذ التسعينات في لعب دور الوسيط الإفريقي، سواء في النزاعات الحدودية أو الأزمات السياسية، تجعلها لاعبًا موثوقًا وقادرًا على إدارة التحديات الإقليمية بفعالية. هذا الدور الاستراتيجي يستند أيضًا إلى سياسات شاملة طالت القارة، مثل شطب الديون الإفريقية ودعم المشاريع التنموية، فضلاً عن التعاون الوثيق مع الدول الإفريقية في مكافحة الإرهاب، ما يعزز ثقة الشركاء الإقليميين في الجزائر ويمنحها قدرة أكبر على التأثير في صنع القرارات الأمنية.
تستفيد الجزائر أيضًا من قدراتها العسكرية الكبيرة التي تمثل نسبة هامة من الميزانية العامة للدولة، وهو ما يمنحها قدرة ردع عالية على الأرض، فضلاً عن عمقها الجغرافي الذي يربط أمنها مباشرة باستقرار الساحل. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للجزائر توظيف هذه القدرات لدفع مشاريع تنموية مشتركة مع دول الساحل، مما يقلل من الهشاشة الاقتصادية في المناطق الحدودية ويحد من استغلال الجماعات المسلحة للشباب. هذا المزيج من القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية والقدرة الدبلوماسية يجعل من الجزائر شريكًا استراتيجيًا لا يمكن تجاوزه في أي آلية أمنية إقليمية.
الرهانات المستقبلية لهذه الزيارة تكمن في تحويل التعاون الجزائري-النيجري إلى نموذج أوسع يشمل دول الساحل الأخرى، من خلال اتفاقيات تبادل المعلومات، وحدود آمنة مشتركة، وبرامج تدريب وتطوير القدرات. النتائج المتوقعة تشمل خفض عدد الهجمات الإرهابية العابرة للحدود، تقليل تدفقات الهجرة غير النظامية عبر الصحراء نحو الشمال، وتعزيز الاستقرار المجتمعي في المناطق الحدودية النائية، بما يحسن الخدمات الأساسية ويخلق بيئة أكثر أمانًا للسكان المحليين. هذه الديناميكية الجديدة تؤكد أن الجزائر ليست مجرد قوة ردع عسكرية، بل لاعب إقليمي قادر على تحويل التحديات إلى فرص للتعاون والتنمية المشتركة، مع المحافظة على دور الوسيط المستقر منذ التسعينات.
في المحصلة، تمثل زيارة الرئيس النيجري فرصة لإعادة إحياء التنسيق الأمني بين البلدين، بما يعزز نفوذ الجزائر في الساحل ويثبت مكانتها كعنصر أساسي في استقرار المنطقة. من خلال الجمع بين القدرات العسكرية والعمق الجغرافي والخبرة الدبلوماسية الطويلة، بما في ذلك شطب الديون الإفريقية والتعاون الفاعل في مكافحة الإرهاب، يمكن للجزائر أن تؤسس لآلية أمنية مستدامة تعزز استقرار الساحل وتفتح آفاقًا للتنمية المشتركة، مما يجعل دورها محوريًا في المنطقة بأكملها ويعيد صياغة موازين الأمن والتنمية بطريقة استراتيجية ومدروسة.





