صلاح الدين الجورشي
أفريقيا برس – الجزائر. عندما يتحدّث الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبّون، عن تونس وعن الرئيس قيس سعيّد، على التونسيين أن يسمعوا ويعوا. وقد تضمّن هذا الحديث رسائلَ، جزءٌ منها جاء واضحاً، والجزء الآخر مُشفّرٌ يحتاج إلى شرح وتأويل. فالاتفاقية العسكرية التي أُبرمت بين البلدَيْن يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 لا تزال تثير كثيراً من ردّات الفعل هنا وهناك، خصوصاً بعد أن راجت نسخة غريبة في بعض فقراتها وبنودها. وقد نشرتها مواقع للمعارضتين التونسية والجزائرية، واعتمدتها في خطابها السياسي، لتأكيد أن تونس “قدّمت تنازلات خطيرة تمسّ سيادة البلاد”، وهو ما نفته الحكومتان بقوة، واتهمتا مروّجي تلك الرواية بالتآمر والعمالة.
قال تبّون: “هناك محاولاتٌ لزرع الفتنة بين الجزائر وتونس باستعمال عقول مُستأجَرة”. وأضاف: “أمنُنا له امتدادٌ في تونس، وأمنُ تونس له امتدادٌ في الجزائر”. كما حذّر من “طبخة” لـ”ضرب الاستقرار في البلدَيْن”، مؤكّداً أن جيش بلاده “لم يدخل أرض تونس ولن يدخل”، وأن الغاية ممّا يُقال “إحداث فتنةٍ سياسيةٍ بين الطرفَيْن، والقيام بشيء ما ضدّ تونس”، وربط ذلك بما “حدث في الشرق العربي”. بناءً عليه يؤكّد: “من يريد الإساءة إلى تونس عليه أن يمرّ بالجزائر”، فبلاده “لم تتعرّض إلى خيانة من تونس”. وقال: “لم أتدخّل في الشؤون الداخلية لتونس” التي “بحكم مجاورتها للجزائر أصبحت صعبة الافتراس، ويخطئ أولئك الذين يفكّرون في عزلها ليفترسوها بسهولة”، وإن الرئيس سعيّد “ليس من المطبّعين ولا من المهرولين”. واعتبر ذلك “مربط الفرس”، وأن الجزائر هي التي “أفسدت اللعبة”.
بعد استعراض هذه الإشارات في خطاب الرئيس الجزائري، نتوقّف عندها لفهم منطوق الكلام وسياقه. أولاً، أشعر الرئيس تبّون التونسيين بوجود مؤامرة تستهدف بلدهم، تقودها دول رئيسة، في مقدّمتها إسرائيل (وأميركا ضمناً)، إلى جانب أطراف أوروبية تعمّد عدم ذكرها. وسبب هذا الاستهداف يعود إلى رفض الرئيس سعيّد الانخراط في التطبيع في هذا الظرف الذي تعدّدت فيه الضغوط من جميع الجهات. وهذا يعني أن الأمن القومي التونسي في خطر، لأن هذه الأطراف ليست قليلة، وتملك من القوة ما يجعلها قادرةً على تغيير سياسة تونس أو استبدال قيادتها إن قرّرت ذلك عملياً. ثانياً، يعتقد تبّون أن فشل هذه المحاولات يعود إلى عوامل عديدة، من أهمها الخلفية القومية لقيس سعيّد الرافضة التطبيع، وأن ذلك يرتبط أيضاً بالموقع الجغرافي لتونس وقربها من الجزائر، وأن الجزائر مستعدّة للدفاع عن تونس في حال تعرّض نظامها للخطر. ولأجل ذلك أُبرم اتفاق عسكري بين النظامَيْن. وهذه المسألة استفزّت المعارضة التونسية التي لا تعتبر خلافها مع سعيّد متعلّقاً بالتطبيع من عدمه، وإنما بأسلوبه في إدارة الحكم.
ثالثاً، اتهم الرئيس تبّون المعارضة التونسية، أو بشكل أدق، أطرافاً منها، بأنها “مأجورةٌ”، وهي التي روّجت الوثيقة المزوّرة بحسب اعتقاد الرئيسَيْن الجزائري والتونسي. وهذا يعني ضمناً أن هذه المعارضة لم تعد مستهدفةً فقط من نظام سعيّد، وإنما أيضاً أصبحت في مواجهة مع النظام الجزائري، الذي لم يتردّد في تأكيد انحيازه الكامل إلى نظيره التونسي. رابعاً، قال تبّون إن جيشه لم ولن يدخل التراب التونسي، وهو التزامٌ هام على التونسيين أخذه بالاعتبار. لكن على الإخوة الجزائريين تفهّم ما يأتي على ألسنة التونسيين عند تذكّرهم عملية قفصة. ومن بينهم المرحوم الهادي البكوش، الذي يعرف الجزائر جيّداً، ولم يتردّد في شهادته على قناة الجزيرة في اعتبار تلك العملية ترتيباً ليبياً – جزائرياً بهدف تغيير الرئيس الحبيب بورقيبة، وأن الذين نفّذوها مرّوا من طريق الجزائر مستعينين بجبهة البوليساريو. وقد يفسّر ذلك الحذر الشديد الذي كان يلازم السياسيين التونسيين في علاقتهم بالجار الغربي. لا يعني هذا تشكيكاً في نيات هذا الجار الشقيق والكبير، لكن هذه الحادثة يُؤتى عليها هنا من أجل فهم إشكالية العلاقات التاريخية بين البلدَيْن.
ألم يكن من الأفضل نشر نصّ اتفاقية الدفاع المشترك تجنّباً للغموض، وحتى يُلقي كل طرفٍ الحجارة التي في يديه؟
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





