أفريقيا برس – الجزائر. أجمع مختصون في الاقتصاد والقانون على أن مهمة الهيئة الجديدة لمكافحة الفساد على قاعدة “من أين لك هذا؟”، التي أمر رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، مؤخرا باستحداثها، ستكون صعبة، لكنها ليست مستحيلة، وأرجعوا ذلك إلى ملايين الدولارات المتداولة في السوق الموازية من جهة، وإلى ظاهرة الاكتناز المنزلي، من جهة أخرى، وهو ما يصعب مراقبة ثراء الموظفين والإطارات الذين ترعرعوا في مستنقعات الفساد، ويستمتعون بثروات غير مشروعة، بل إن بعض هؤلاء يستمرون في مواقعهم رغم فسادهم المؤكد بالبينة والقرائن.
وفي هذا السياق، يرى الخبير في الاقتصاد والمالية، إسحاق خرشي، أن استحداث هيئة للتحقيق في ثراء الموظفين الحكوميين وإطارات الدولة كإجراء وقائي، أمر جيد وإيجابي، من حيث سياسة الحكومة التي شكلت “خارطة طريق” لكبح فيروس الفساد، لكن تطبيقه صعب ووجب مرافقته بجملة إجراءات.
وقال خرشي في تصريح لـ”الشروق” إن “الصعوبات القائمة تتعلق بمشكل امتصاص الكتلة النقدية التي هي خارج الأطر القانونية، وحتى أن البنك المركزي لا يحوز على معلومات كافية عن حجم هذه الأموال المتداولة في السوق السوداء، أو تلك المكدسة في المنازل، وعلى هذا الأساس لجأت الدولة إلى استخدام آليات من أجل استقطاب هذه الكتلة المتداولة والمكتنزات من خلال تفعيل نظام الصيرفة الإسلامية”.
وعلى هذا الأساس يتابع المتحدث، فإن الهيئة الجديدة حتى تنجح في مهمة فرض رقابة على مسؤولين في الدولة أو شركات عمومية كبرى ومنتخبين وغيرها يستوجب عليها اللجوء إلى “نظام رقمنة شامل، يوفر ملفا مفصلا عن كل موظف ووجوب تتبع كافة نفقاته ومداخيله ومصادرها وكلها يتم تدوينها في شبكة معلوماتية خاصة”.
وحسب خرشي فإن العمل “يجب أن يتم سريا وفق هذا النظام الرقمي، وعندما يتم رصد أي أمور مشبوهة يتم التحري بسرية مع المعني، وإذا لم يقدم مبررات لما حصل عليه من أموال تتم إحالته على الجهات القضائية المختصة التي ستقوم بدورها بمحاسبته وفقا لقانون الإجراءات الجزائية وقانون مكافحة الفساد والوقاية منه 01/06”.
ولتفادي عرقلة مهام الهيئة، شدد خرشي على أن تستعمل النظام الإلكتروني الذي يضم جميع الموظفين العموميين مهما كان منصبهم، والتوجه أكثر نحو استعمال البطاقات البنكية في المعاملات، حتى يتم التعرف على جميع العمليات وحجمها أيضا، مع إلزامية استخدام أجهزة الدفع الإلكتروني بالنسبة للتجار من أجل الكشف عن حجم المعاملات التجارية، خاصة في الشق المتعلق بالرسم على القيمة المضافة “TVA”.
من جهته، أوضح المستشار في التنمية والمختص في الذكاء الاقتصادي والتحول الرقمي، عبد الرحمان هادف، في تصريح لـ”الشروق”، أن استحداث الهيئة تعتبر رسالة واضحة من اليوم فصاعدا عن فرض وبسط مراقبة مشددة ومتابعة الإثراء غير الشرعي وبالتالي وجوب حسن تسيير المال العام وأداء المهام حسب ما ينص عليه القانون، لوضع حد فاصل للخروقات أثناء تأدية “الوظيفة”.
مراقبة سلوكيات الموظفين ستسهل عمل الهيئة
وبدوره أوصى محفوظ كاوبي، خبير في الضرائب والجباية، بمباشرة الهيئة عملها حتى وإن كانت الإمكانات التي بحوزتها ليست شاملة، حتى لا يتم كبح وشل عملها.
وقال الخبير في تصريح لـ”الشروق” أنه يمكن تفعيل آلياتها في الميدان، لأن مراقبة الذمة المالية للموظفين العموميين وذويهم تكون على مرحلتين، الأولى من خلال تجريد ممتلكاتهم العقارية سواء على أرض الوطن أو خارجه، إلى جانب مراقبة المظاهر الخارجية للثراء على شاكلة السيارات، أو الذهب وحتى الألماس ومستوى المعيشة، لأن هذا يمكن أن يكون معيارا يعكس الفارق الموجود في المداخيل المصرح بها للموظفين العموميين وقطار الحياة الذي يسير به هؤلاء.
وأوضح محدثنا أن الأموال المتداولة في السوق الموازية أو المكتنزة يمكن مراقبتها خلال المرحلة الثانية ريثما تفعّل كل الميكانيزمات المرتبطة باحتواء السوق السوداء.
الحكومة رفعت من قيمة التصريح بحجم الممتلكات
بالمقابل، كشف عضو باللجنة القانونية بالمجلس الشعبي الوطني، عبد الله بوشامة لـ”الشروق”، أن الحكومة رفعت من حجم الممتلكات، (نقدية، عقارات منقولة وثابتة)، التي يتعين التصريح بها.
وعلى هذا الأساس يقول النائب البرلماني أنه في حالة تجاوز القيمة المالية لأي موظف عن سقفها تشرع هيئة التحري في مظاهر الثراء لدى الموظفين وذويهم بتطبيق إجراء “من أين لك هذا؟”.
وإلى ذلك، دعا عضو اللجنة القانونية إلى حماية المبلغين عن الفساد، وهو مطلب يحوز شبه إجماع على المستويين المحلي والدولي، ولذلك على السلطات العليا إيجاد قانون لحماية هذه الفئة، مشددا على اتخاذ تدابير وآليات لحماية هذا المبلغ في محيط عمله، بإصدار أوامر لتأجيل كل العقوبات التأديبية للشخص المبلغ عن الفساد إلى حين انتهاء التحقيق حتى لا يكون هدفا لاستفزازات وانتقادات أو عقوبات.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس





