أفريقيا برس – الجزائر. يضيعون سنوات في أروقة المحاكم، ويدخلون في نزاعات لا تنتهي، يهدرون من أجلها أموالهم في انتظار الحكم النهائي، بعد ما ركب الجهل رؤوسهم، وسكن الحقد قلوبهم، وغمرتهم “التغنانت” و”الزكارة”، ويصل بهم الأمر في آخر المطاف إلى بيع منازلهم وفيلاتهم وأراضيهم في المزاد العلني برخص التراب.. هم ورثة استحالت عليهم الحلول الودية في توزيع تركة آبائهم وأمهاتهم من العقار بسب رفض أحدهم أو بعضهم بيع هذا العقار، أو محاولة الذكور الاستحواذ على هذه التركة، وحرمان الإناث منها، وقد يكون الطمع والجشع والأنانية جعل كبير الإخوة لا يتقبل أن يشاركه البقية في الميراث.
وتمثل الملفات المطروحة أمام الأقسام العقارية في المحاكم، والمتعلقة بتقسيم التركة المتنازع عليها بين الورثة، نسبة كبيرة من قضايا الشيوع او ما يسمى البيوع، أي جل القضايا المتعلقة بعقارات محجوزة أو متنازع عليها والتي تدخل فيما يسمى بالشيوع، حيث قدر بعض القانونين لـ”الشروق”، أن أكثر من 14 ملفا يطرح، يوميا، أمام القاضي العقاري يتعلق بالميراث من العقارات كالفيلات، والشقق، والأراضي الخاصة بالبناء والفلاحية، والآبار والورشات، والمستودعات، والمصانع، ومقرات الشركات، والتي استحال تقسيمها عينيا، أي لا يمكن للورثة الذين لديهم الحق فيها، أن يأخذ كل واحد جزءا منها.
تزايد قضايا بيع عقارات الورثة في المزاد العلني خلال الجائحة
وحول الموضوع، أكد المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا، أ.إبراهيم بهلولي، لـ”الشروق”، أن قضايا العقار المتنازع عليه من طرف الورثة، تفاقمت بشكل ملفت للانتباه في السنوات الأخيرة، وأن عرائض افتتاح الدعوى أمام القسم العقاري في المحاكم، من أجل بيع عقارات الشيوع في المزاد العلني، عرفت زيادة خلال جائحة كورونا، رغم توقف عمل القضاء خلال مرحلة الحجر الصحي، وقال أنها تمثل في العموم نسبة 30 بالمائة من الملفات المطروحة أمام القسم العقاري.
وأوضح بهلولي، أستاذ القانون في كلية الحقوق ببن عكنون، أن الورثة عندما يجدون اعتراضا من طرف أحدهم في بيع عقار يتمثل في شقة أو فيلا أو أرض فلاحية، وغيرها من العقارات، عن طريق الموثق، وباتفاق بينهم أي بالطريقة الودية، فإنهم يجدون أنفسهم مضطرين إذا كان العقار غير قابل للقسمة العينية، وهذا بعد تعيين خبير، فإنه بعد رحلة طويلة أمام القضاء ينتهي ببيعه في المزاد العلني في القسم العقاري داخل المحكمة الابتدائية.
وقال المحامي إبراهيم بهلولي، إن بيع العقارات في المزاد العلني يفقد الكثير من قيمته الحقيقية، حيث سيطرت حسبه، في السنوات الأخيرة، على عقلية الورثة، النزعة المادية، والتفكير في المصلحة أكثر من أهمية المحافظة على الروابط العائلية وصلة الرحم، مضيفا أن أكثر الأسباب التي تمنع الحلول الودية في الميراث المتعلق بالعقار تتعلق برفض البيع من طرف بعض الورثة سواء لتواجد أحدهم في الخارج، أو لاستغلاله للعقار محل الشيوع، كالمسكن العائلي الذي يستغله أحد أو بعض الورثة ويكونون في الغالب إناثا.
وقدر بهلولي، وجود 14 ملفا تقريبا أمام القسم العقاري يتعلق بنزاع حول العقار من طرف الورثة، وأن جلسات المزاد العلني، تعرض حوالي 4 أو 5 ملفات تتعلق بعقارات الميراث المعروضة للبيع داخل جلسة علنية، برئاسة رئيس المحكمة، أو قاضي البيوع، الذي يعين لهذا الغرض بمقر المحكمة التي أودعت فيها قائمة شروط البيع.
“التعنت” بين من يبيع ومن يمانع.. ضياع وقت ومال!
وقد يضيع المتقاضون حول العقارات الموروثة أو ما يسمى بـ”الشيوع”، سنوات في أروقة المحاكم وبين خبراء العقار، وإلى حين صدور الحكم النهائي، يضيع صاحب الدعوى القضائية أمواله سعيا منه للضغط على شريكة أو شركائه في الميراث، فيخسر أموالا على المحامين والوثائق والتنقل، وربما يخسر صحته في انتظار أن يرضخ الورثة، ويوافقون على بيع العقار بعيدا عن القضاء.
وفي هذا الصدد، قال الأستاذ محمد الطاهر بوغابة، محام لدى مجلس قضاء الجزائر، إن ملفات البيوع العقارية المتعلقة بإجراءات البيع بالمزاد العلني، عرفت تراكما في السنوات الأخيرة، خاصة أن هناك حسبه، بعض العراقيل تتعلق بإجراءات الخبرة من طرف المختص في ذلك، وإشكالية تقييم العقار محل النزاع.
وأكد أن قضايا الميراث في العدالة بصفة عامة، تأخذ وقتا، خاصة إذا تعلق الأمر بأملاك عقارية، وفي مقابل ذلك حسبه، يضيع المتقاضي وقته وماله، ويدخل في خصام طويل وتصاعد في الخلافات تؤدي بدورها إلى قضايا أخرى تتعلق بالضرب والاعتداء أو الاحتيال والتزوير، وحتى القتل في بعض الأحيان.
وأوضح المحامي بوغابة، أن النزاع حول العقار المشاع، الذي يصل المحاكم، يتطلب في الغالب عدة تقارير من طرف الخبير، تتعلق بالمكان والسعر والمشاكل المتعلقة به، الأمر الذي يستمر عدة سنوات، خاصة إذا كانت الإجراءات المتبعة من طرف الشخص الذي رفع الدعوى غير صحيحة، او تنقصها وثائق مثل الفريضة او عقود تتعلق بالأملاك الموروثة.
وقال بوغابة، إن تعنت بعض المتقاضين حول الميراث المتمثل في العقار، ورفض أحدهم أو بعضهم بيعه وتقاسم مبلغه، وإصرار صاحب الدعوى على متابعة القضية للأخير لإرغامهم على التنازل والبيع، يجعل الأمر ينتهي بالبيع في المزاد العلني في المحكمة بسعر بعيد جدا عن السعر الحقيقي للعقار.
بيع أراض وفيلات لـ”البزناسية” بسعر التراب
ويقتنص بيع العقارات في المزاد العلني في المحاكم، “بزناسية” العقار، ومنتهزو الفرص، وتجار لإعادة بيعها في السوق السوداء او عبر الوكالات العقارية بأسعار خيالية!
وفي سياق متصل، رد الرئيس السابق للغرفة الوطنية للمحضرين القضائيين، أبراهيم بوشاشي، أسباب تراكم ملفات البيوع العقارية ومنها المتعلقة بالميراث، إلى تراجع عدد المزايدين في جلسات المزاد العلني، ورفض أحيانا، رؤساء الأقسام العقارية بيع العقار عندما يتدنى سعره بشكل لا يمكن قبوله.
وأكد بوشاشي، أن سعر العقارات التي بيعت خلال جائحة كورونا، في المزاد العلني، انخفض بـ10 مرات أي أن السعر الافتتاحي للمزاد، قسم على عشرة، وهذا بسبب تأجيل المزاد لـ5 مرات أحيانا وغياب المزايدين.
وكشف المحضر القضائي، إبراهيم بوشاشي، لـ”الشروق”، عن عقارات يبلغ سعرها الحقيقي عشرات الملايير، بيعت في المزاد العلني للقسم العقاري، بأقل من مليار!.. أرض قيمتها 600 مليار سنتيم كان للورثة حسبه، بحكم مساحتها الشاسعة تقسيمها عينا دون اللجوء للقضاء، ولكن رفض بعضهم بيعها في الوقت الذي طلب باقي الورثة حقهم نقدا.
وقال بوشاشي، إن تعنت هؤلاء الورثة، جعل القضية تتطور إلى أن انتهت بالحكم النهائي غير القابل للطعن، وبالتالي عرضها في المزاد العلني، حيث بيعت لأحد المزايدين بـ200 مليار فقط.
وأوضح ان اغلب جلسات المزاد في الآونة الأخيرة أجلت لأربع مرات، وذلك لغياب المزايدين، وهم “بزناسية العقار” وتجار، أو اشخاص يرغبون في شراء العقار، حيث في الجلسة الرابعة يباع العقار المعروض للمزاد العلني بأي ثمن، مشيرا إلى أن هناك فيلا في منطقة الحراش حدد لها السعر الافتتاحي للمزاد بـ3ملايير سنتيم واشتراها أحد المزايدين بـ600 مليون سنتيم.
ويمكن حسب الأستاذ إبراهيم بوشاشي، اعتراض القاضي في جلسة المزاد العلني، عن بيع العقار إذا انخفض سعره إلى أقل بكثير من قيمته الحقيقية، وهي حالات استثنائية جدا، وبعد عدة جلسات، وهذا ما يجعل مثل هذه القضايا معلقة في القضاء.
وأوضح بوشاشي، أن الظرف الاستثنائي الذي فرضته جائحة فيروس كورونا في الجزائر، ساهم في تراجع المزايدين في المزاد العلني لملفات العقار المتنازع عليها، حيث يشترط أن يحضر في كل جلسة 3 مزايدين أو أكثر، ويتم تأجيل القضية، إلى أن يتحقق الشرط او عدم وجود أي اعتراضات، وفي آخر الجلسة والتي تكون أحيانا، الرابعة يخفض السعر ليصبح من يعرض أكثر له حق الشراء.
وأكد بيع عقارات في المزاد العلني في المحاكم بأسعار أقل من مليار سنتيم وهي تتجاوز الـ6 ملايير سنتيم، مثل إحدى الشقق التي بيعت حسبه بـ700 مليون سنتيم بعد تقييم سعرها الافتتاحي بـ5 ملايير سنتيم، حيث يتم إعادة بيعها في السوق السوداء من طرف المزايدين بأسعار باهظة.
ويتمثل دور المحضر القضائي، حسب إبراهيم بوشاشي، في تحديد دفتر شروط البيع، وإتمام الإجراءات بعد البيع، وحضور جلسة المزاد، واتباع شروط عرض العقار حسب متطلبات السوق والموقع، وغيرها من الخطوات القانونية.
نساء وقُصَّر يطردون إلى الشارع بسبب سكنات الشيوع
ومن جهة أخرى، كشف المحامي إبراهيم بهلولي، معتمد لدى المحكمة العليا، أن الكثير من السكنات المتمثلة في الشقق والفيلات بيعت في المزاد العلني بسعر التراب، في حين أن وراءها ضحايا وجدوا أنفسهم في الشارع، وهم غالبا من الفئة الهشة، مثل النساء والقصر.
وأوضح أن الطمع والجشع وأنانية بعض الإخوة والذين يريدون ان يستحوذوا على الميراث المتمثل في العقار، جعل أحد الورثة ومنهم النساء يلجأون إلى القضاء لتقسيم التركة، ووجدوا أنفسهم في الأخير أمام المزاد العلني، اين بيعت فيلات ومساكن بأسعار متدنية، وعند تقسيمها على الورثة لا تكفي لكراء منزل لمدة سنة واحدة، وهذا ما تسبب حسبه في حالات تشرد لنساء وأطفال في الشوارع.
وأشار إلى أنه تكفل بمتابعة إجراءات قضية رفعتها امرأة مع 3 من إخوتها الرجال ضد أختيها اللتين رفضتا الموافقة على بيع الفيلا الموروثة من الوالدين المتوفيين، حيث سعى بكل جهده لجعلهم يتفاهمون بينهم، لبيعها حسب سوق العقار، وبعيدا عن المزاد العلني في المحكمة الذي قد يطيح بسعرها إلى أدنى قيمة متوقعة.
وفي السياق، أكد نائب رئيس اللجنة القانونية في مجلس الأمة، السيناتور عبد الكريم قريشي، الكثير من النساء والقصر يضيعون وسط نزاعات الميراث، وإن الوقاية اليوم تتمثل في تكوين الأسرة المتكاملة، وفتح مراكز للتكفل بالفئة الهشة، مع ضرورة، حسبه، إيجاد ميكانيزمات الحماية للمرأة ضحية الميراث، والتي تطرد إلى الشارع بعد وفاة الوالدين وتقسيم الأملاك العقارية المتروكة بين الورثة.
وحول نفس الموضوع، قال الدكتور عبد الرزاق قسوم، رئيس جمعية العلماء المسلمين، إن بيع المنزل العائلي، من أجل حصول بعض الورثة على حقهم، أمر مشروع، لا يتعارض مع القانون، ولكن ينبغي حسبه، الأخذ بالحسبان، وضعية أحد الأفراد وخاصة إذا كانت امرأة أو قاصرا.
وتأسف قسوم لطغيان الطمع، والأنانية في قضايا الميراث، وتسببها في الشقاق والتفرقة بين العائلات الجزائرية، مطالبا الأئمة بلعب دورهم في معالجة مثل هذه المشكلات في المجتمع، قائلا “من المفروض أن يبقى الإمام في المسجد يستمع إلى انشغالات المصلين، ويحاول إصلاح ذات البين، والاهتمام أكثر بقضايا المحيط بعيدا عن الاعتبارات الأخرى”.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس





