أفريقيا برس – الجزائر. التهبت “بورصة” الامتحانات والفروض الخاصة بنظام التعليم عن بعد، أو ما يسمى بالتعليم عن طريق “المراسلة” بمقاهي الإنترنت مؤخرا، واستباح بعض أصحاب محلات الإنترنت كل السبل والممارسات لجمع الأموال دون حسيب ولا رقيب، وأمام مرأى مصالح الديوان ومسؤوليه، وبالتالي ضرب مصداقية هذه الامتحانات التي تتوج بـ”شهادة مغشوشة” في نهاية المسار التعليمي، وجعلها “سوق موازية” النجاح فيها يكون “لمن يدفع المال مع اقتراب مواعيد الفروض الفصلية.
إعلانات مغرية تحت شعار.. “ادفع والنتائج مضمونة”
تحوّلت مؤخرا الفروض الإلكترونية التابعة للديوان الوطني للتعليم عن بعد، التي استحدثت كنظام جديد بعد الأزمة الصّحية الأخيرة وانتشار وباء كورونا، إلى “سوق سوداء” يتحكم بها أصحاب مقاهي الإنترنت وجعلوا منها أرضا خصبة لكسب مبالغ مالية طائلة طيلة الموسم الدراسي دون وجه حق، واستغلال الطلبة بشكل غير قانوني وغير أخلاقي، لما فيه من غش وتدليس بنظام تعليمي أدرجته الحكومة منذ سنوات طويلة لإنقاذ ضحايا التسرب المدرسي، الذين يتم استغلالهم مع اقتراب مواعيد الفروض عبر إعلانات مغرية في مواقع التواصل الاجتماعي كـ”طعم” لاستدراجهم من خلال حسابات وهمية وأخرى مزيفة، بحجة المساعدة لكن ليس مجانا، فالحلول والنتائج مضمونة لكن مقابل مبلغ مالي يدفعه الطالب أو المتمدرس لصاحب مقهى الانترنت الذي حول محله لمركز سري و”إدارة موازية” منافسة للعمل البيداغوجي الخاص بمركز التعليم عن بعد.
ويكون ذلك بطرق مشبوهة واختراق القوانين وضرب مصداقية التعليم عرض الحائط، بنشر إعلانات تجارية إن صح القول تنشر” نهارا جهارا” عبر الفايسبوك لجلب زبائن من فئة الطلبة والمقبلين على إجتياز الفروض الفصلية، فلا يتكبد الطالب مشقة انجاز فرضه أو التأكد من التسجيل عبر الأرضية الرقمية، واستخراج الفرض 1و2 لتأكيد حضوره بالمراقبة المستمرة، فبمجرد منح الرقم السري ودفع مبالغ محدّدة لصاحب المقهى الذي يتولى عنه المهمة، ويجيب على محتوى الأسئلة للفرض الإلكتروني لتكون الإجابة مضمونة على حد قول أغلبهم.
“الشروق” اخترقت “بورصة” الفرض الالكتروني بعد تقمصنا لدور طالبة بالمركز الجهوي للعاصمة، تم التواصل مع أصحاب مقاهي انترنت من مختلف ولايات الوطن، وانطلاقتنا في انجاز الموضوع كانت بدايتها من مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، بعدما صادفنا إعلانا لحساب وهمي لم يمض على إنشاءه سوى أيام قليلة يحمل اسما مستعار، تضمن الإعلان عرض حل الفرض الالكتروني “الخاص بالمتمدرسين بالديوان الوطني للتعليم والتكوين عن بعد، الإعلان أثار انتباهنا خلال تفحص محتواه الذي بدا غريبا وغير منطقي ومفاده.. “جميع التخصصات والشعب آداب فلسفة علوم ولغات أجنبية الطور المتوسط من لم يجتز الفرض… أنا في الخدمة والنتائج مضمونة..”، الفضول دفعنا لمعرفة المزيد بعد طلب انضمام لمجموعة خاصة بالمتمدرسين عن طريق المراسلة والتعليم عن بعد.
2000 دج.. للفرض وتخفيضات لمن يجلب أكثر من زبون
تواصنا في إطار العمل الصحفي الذي قمنا به بعد جولة خاطفة بالمجموعة الإلكترونية مع صاحب حساب خاص وضع منشورا يحدّد فيه سعر 1000 دج ثمن مقابل حل الفرض الالكتروني، مع منح ضمانات أنّ النتائج ستكون جيدة ومرضية، أرسلنا طلب اشتراك مرفق برسالة نصية محتواها “أنني طالبة بالسنة الثانية ثانوي شعبة آداب، وكشفت عن رغبتي في الاستفادة من الخدمة المقدمة في الإعلان.. صاحب الحساب يرد ويكشف عن هويته ومقر نشاطه فور تلقيه الرسالة، كما أجاب عن تساؤلنا أن العملية ستتم بمجرد منحه الرقم السري الخاص بالطالب للإجابة مكانه، وأرسل بعدها رقم حسابه البريدي “ccp” لدفع مقابل العملية المقدرة بـ 1000 دج..
حساب آخر لم يختلف كثيرا هذه المرة هي فتاة تدير مقهى انترنت بولاية داخلية لا تبعد كثيرا عن العاصمة وضعت منشورا خاصا حددت مبلغ في إطار التخفيضات “صولد” بمبلغ 600 دج أو أقل في حالات استثنائية وهي عندما يتم جلب زبون أو أكثر لكل طالب، عشرات المنشورات يوميا بالمجموعة تواصلنا مع أصحابها للاستفسار عن طريقة العمل، التي كانت بالمختصر الإجابة عوضا عن المتمدرس مقابل المال، في صورة واضحة عن معنى “الغش” و”التزوير”.
جولتنا قادتنا خارج الموقع الأزرق مباشرة نحو مقر المركز الجهوي بساحة أول ماي والتقرب من الإدارة بحجة الاستفسار عن مواعيد وكيفية استخراج الفرض الالكتروني، بصفتي متمدرسة ليتم توجيهي إلى أحد مقاهي الانترنت المجاورة أين سنجد كل ما نرغب به، وهو ما لمسناه خلال العمل الذي قمنا به، أن أغلب المحلات الخاصة بالإنترنت تقع بالقرب من المراكز الجهوية بمعظم الولايات، واستغلت الفرص لمعرفة خبايا نظام التعليم عن بعد، لاستثمارها لاحقا في صفقات مربحة.
بطاقة المنخرط” في مقهى الإنترنت..
أكثر ما أثار دهشتنا، خلال تصفح بعض الحسابات ومنشوراتها، هي عروض للانخراط ضمن محلات الإنترنت لفائدة المتمدرسين بمراكز التعليم والتكوين عن بعد، تتمثل في الاستفادة من بطاقة خاصة عبارة عن “بطاقة منخرط”، تتيح للمتمدرس الحصول على خدمات مقهى الانترنت من بينها نصائح وتوجيهات التسجيلات، تأكيد التسجيل، سحب شهادة التسجيل، الحصول على الاستدعاءات، الفروض والنتائج وغيرها من الخدمات، وقد يتعرض الطالب لعقوبة بدفع تعويض مالي قيمته 50 بالمائة من مبلغ الانخراط في حال ضياعها، مع حرمانه من الخدمات التي توفرها تلك الوثيقة.
المطلوب أرضية رقمية لمواجهة “البزنسة الإلكترونية”
من جهة أخرى، حذّر خبراء بيداغوجيا في حديث لـ”الشروق”، من عواقب الإهمال والفوضى وسوء التسيير لمؤسسات عمومية منحت فرصا للتعليم المجاني، وصرفت الدولة لأجلها مبالغ طائلة من أجل توفير الكتب المدرسية، والبرامج الخاصة بالتعليم عن بعد، قائلين، أن الأمر فتح المجال للمتاجرة بمستقبل الطلبة والمتمدرسين من قبل أشخاص غرباء عن القطاع، وأنّ الطريقة التي تعتمد حاليا في عملية الإجابة بالفروض غير منطقية،على حد قولهم، وتعتمد على “التزوير” و”الغش” وأخرجت الفروض ونماذج التعليم عبر المراسلة من إطارها الذي كانت عليه سابقا، مطالبين بالعودة للنظام القديم من خلال استخراج الأسئلة وإرسالها عبر البريد لتصحيحها من طرف أساتذة بالمراكز، واقترح مختصون استخدام تقنية “السكايب” في حالة الفروض الالكترونية أو تنظيم إجراءها داخل المركز أو مؤسسات تعليمية مجاورة عن طريق تحديد مواعيد حسب المستويات والشعب والأطوار مع توفير أجهزة إعلام آلي.
ووصف البعض الطريقة الحالية في إجراء الفروض بأنها لا تخضع لشروط الاختبار الشفاف والنزيه، التي تمكن الطالب من الاستعانة بشخص آخر خلال الدردشة للإجابة عن الأسئلة المطروحة دون رقابة، مقترحين إدراج أرضية رقمية افتراضية بالصوت والصورة داخل المؤسسة التي تستقبل المترشح، لإعطائها مصداقية أكثر وتحقيق مستوى تعليمي أفضل.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس





