تستثمر نقابات مهنية وعمالية في مختلف القطاعات ومعهم نشطاء في محطة الرئاسيات، للحصول على مكاسب اجتماعية “هامة”، يحاولون انتزاعها عبر التهديد بالنزول إلى الشارع أو شن إضرابات عامة، على أساس أن السلطة تحتاج إلى الهدوء لتمر الانتخابات الرئاسية المقبلة في سلام.
لا يمكن عـزل الهـزة التي يتعرض لها قطاع التربية، عبر شل التكتل النقابي للمؤسسات التربوية، عن الرئاسيات، فالتوقيت الذي اختاره التكتل لينفذ وعـيده محسوب بدقة وتزامن مع استدعاء رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة للهيئة الناخبة تحسبا لاستحقاق 18 أفريل 2019. ويعلم أ هؤلاء النقابيون، أن الفرصة بالنسبة إليهم ثمينة كي ترضخ الحكومة لمطالبهم ما دامت تبحث عن استقرار الوضع ودخول البلاد في أجواء الرئاسيات.
حتى وإن أدركت الطبقة العمالية المحتجة، أن بعض مطالبها لا تملك سندا قويا في غالب الأحيان، أو يمكن استغلال انشغالاتها كوقود للحملة الانتخابية لاحقا، إلا أنها تصر على لعب دور في الانتخابات كهيئة ناخبة وأيضا طرفا فاعلا.
انطلاق الهزات الاجتماعية من قطاع التربية، ستحسب له السلطة التنفيذية ألف حساب، في هذا التوقيت بالذات، فشل المدارس وبقاء ملايين التلاميذ بلا دراسة لأيام أو ربّما لأسابيع، حسب تجاوب وزارة التربية مع مطالب المحتجين، وبالتالي سيخلق الوضع هيجانا وغليانا في الشارع، قد يدفع المتمدرسين بالخروج إلى الشارع، وهو ما تخشاه السلطة بأن تتحول المطالب الاجتماعية والمهنية إلى سياسية على مقربة أربعة أشهر من الانتخابات.
وليس المعلمين وحدهم من قرّر استغلال الوضع لتحسين وضعهم المهني والاجتماعي، بل تجمّع تنظيمات مهنية أخرى من قطاعات مختلفة صفوفها، في محاولة الضغط لافتكاك مطالب كانت لسنوات عالقة وترفض الوزارات الوصية الاعتراف بها، أو طالبت بتأجيلها بسبب انكماش مداخيل الخزينة العمومية على إثر تهاوي أسعار النفط. ومن هؤلاء الضاغطين، المتقاعدين والمشطوبين من الجيش والبطالون وأصحاب عقود ما قبل التشغيل الذين يطالبون بمسح ديونهم، ناهيك عن انشغالات نقص وسائل النقل وتدهور الطرقات وانعدام الماء الشروب.
كما جرى عند بعض التنظيمات النقابية، استعمال لغة التهديد بمقاطعة الانتخابات الرئاسية، لإدراكها بأن أكبر “همّ” السلطة هو ضمان مشاركة قوية في الاستحقاق الانتخابي حفاظا على استقرار الوضع داخليا وتلميع صورتها خارجيا، لكنّها معادلة صعبة نظرا لأنّ قطاعات من المعارضة تحاول إبلاغ الرأي العام بأنها انتخابات محسومة مسبقة ولا تستدعي من الجزائريين المشاركة، لأنها ورقة، حسبها، ليس في صالحهم بل لفائدة السلطة.
وأصبحت عادة عند بعض التنظيمات النقابية أن تستغل محطة الرئاسيات تحديد، نظرا لأهمية هذا الموعد لدى السلطة، حيث تحتفظ الانتخابات الرئاسية لسنة 2014، كيف استطاعت عدة تنظيمات الحصول على مطالبها في “رمشة عين”. وفي هذا الخصوص، لا يمكن نسيان الضجة الكبيرة التي أحدثتها التنسيقية الوطنية لحاملي شهادات الدراسات الجامعية التطبيقية، عبر تنظيم اعتصام مفتوح أمام مقرات مديريات الوظيف العمومي عبر مختلف الولايات، لكن سرعان ما تم احتواء غضبهم عن طريق تعليمة وقّعها في تلك الفترة الوزير لدى الوزير الأول المكلف بإصلاح الخدمة العمومية سابقا، يعلن فيها معادلة شهادتهم بنظيرتها في نظام “ل.م.د”، ليكونوا بذلك حققوا مكسبا باستغلال فرصة الرئاسيات.
وكانت قبلهم التنسيقية الوطنية للحرس البلدي قد نظمت مسيرات ووقفات احتجاجية عبر 48 ولاية للتنديد بتماطل وزارة الداخلية في الاستجابة لمطالبهم، وهددوا بمقاطعة الرئاسيات في خطوة يرفعون بها من سقف مطالبهم ليضمنوا عدم رفضها من طرف الوصاية، وقد نجحوا في “خطتهم” وأعطيت لهم ضمانات مكتوبة، فتراجعوا عن قرار التصعيد.
في المقابل، يغرق الوزراء في عرض حصيلة قطاعاتهم منذ مجيء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم في 1999، فكانت البداية من قطاع البيئة التي انطلقت بشأنه وزيرته فاطمة الزهراء زرواطي في عقد جلسات جهوية حول منجزات القطاع تمهيدا للجلسات الوطنية نهاية فيفري القادم، ثم لحقها زميلها لقطاع السياحة عبد القادر بن مسعود، أول أمس، بتنظيم جلسات عاد فيها إلى سنة 2000 ليعرض ما تحقق في القطاع، فيما عرض وزير الطاقة، أمس، كذلك إنجازات القطاع. وقد علق متابعون أن الوزراء انطلقوا في حملة انتخابية مسبقة.
