تطرح الأرقام والإحصائيات غير الرسمية، التي تقدّمها بعض الجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الجزائر الكثير من التساؤلات بخصوص مدى مصداقية تلك الأرقام التي عادة ما تتم بناء على سبر آراء حول ظواهر أو قضايا حساسة، انطلاقا من معطيات وعينات غير دقيقة لتصل إلى نتائج تستجيب في أغلب الأحيان لتوجهات الجهات التي تقدّمها، وهو ما يراه مختصون مؤشر يؤكد غياب منظومة إحصائية واضحة في الجزائر، ليبقى الديوان الوطني للإحصاء بالنسبة لهم جهاز حكومي نظري تجانب أرقامه في الغالب الحقيقة.
في المقابل يشكّك متابعون في مختلف التخصصات، في نتائج سبر الاراء والاحصائيات التي تقدمها بعض الجهات، مؤكدين تحكّم توجّهاتها السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية في النتائج، و استغلالها للفراغ الموجود في هذا المجال خدمة لمصالها الخاصة.
أرقام ديوان الإحصاء غير دقيقة
وهو ما يؤكده أستاذ الاقتصاد في جامعة البليدة الدكتور فارس مسدور، الذي يرى بأن الديوان الوطني للإحصائيات، ” يقدّم معلومات إحصائية جامدة و محرّفة و غير حقيقية”، مشيرا الى أن هناك معلومات إحصائية مغلوطة فيما يتعلّق بعديد الظواهر على غرار التضخّم و البطالة .. وهي الأرقام التي يقول مسدور بأنها رسمية لا يمكن اعتمادها. على اعتبار أن “القطاع العمومي لا يمكنه أن يقدّم معلومة حقيقية”، وعليه يؤكد ذات الخبير بأن ” كل المعلومات الاقتصادية في البلد هي معلومات غير دقيقة “.
ويرى مسدور بأن غياب المعلومة في لغة الاقتصاد، هو مرادف للتبذير والإسراف وعدم الدقة في اتخاذ القرارات، على اعتبار أن المعلومة الاقتصادية تجعل المعادلة دقيقة لأنّها ترتبط بالاقتصاد القياسي البيومتري الذي يقيس الاقتصاد بكل دقة.
ويشدّد ذات الخبير على ضرورة استحداث معاهد متخصّصة “مستقلّة” بعيدا عن كل الضغوطات الحكومية. محملا الحكومة مسؤولية تخلف الجزائر في مجال الإحصاء. وفي السياق ينتقد ذات المختص حرص الحكومة على أن تستر عيوبها بما يجعلها ترفض الافراج عن عمليات الإحصاء الحقيقية، مِؤكدا: “الحكومة التي لا تدري كم هي ثروات البلد الباطنية ولا تعلم كم يستهلك شعبها من الخبر ولا تعلم كم تستورد ادوية ولا تعلم عدد المرضى في مستشفيات بدقة فهي هي حكومة تتعامل بشكل فوضوي “.
تشكيك في احصائيات الجهات الخاصة
و في تعليق لها عن مدى مصداقية نتائج سبر الآراء التي تقدمها بعض الجهات غير الرسمية على غرار القنوات التلفزيونية و المواقع الإلكترونية .. ترى الباحثة المختص في الشأن الاجتماعي سامية قطوش بأن اغلب نتائج الاحصائيات غير الرسمية غير موثوقة تتحكم فيها الجهات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية التي تشرف على إعدادها، فيما تبقى الأرقام الرسمية التي يقدّمها الديوان الوطني للإحصاء والتي تعتبر قاعدة بيانات لكل الوزارات الأكثر اعتمادا من قبل الباحثين مع تحفظهم بخصوص تلك الأرقام التي تتحمل الجهات الرسمية مسؤولية مصداقيتها من عدمها.
وفي السياق يؤكد المختص في الإحصاء و الاستشراف بشير مصيطفى، بأنه لا يمكن اعتماد سبر الآراء الذي تعدّه بعض الجهات و الأحزاب و المواقع، لافتقاره للدقة و جودة الإحصاء التي ترتكز حسب محدثنا على فرضيات الإحصاء، مؤكدا بأن ما تقوم به تلك الجهات ليس إلاّ “تعداد” أو حساب و ليس إحصاء.
نظام الريع سبب فوضى الإحصاء
ويعلّق بشير مصيطفى أسباب عدم تحرير الحكومة لمجال الإحصاء، طبيعة النظام الاقتصادي للدولة المبني على النفط وبالتالي على ريع، وذلك بسبب ضعف نسبة الشعور بالخطر الاقتصادي وهو ما يجعل الحاجة للإحصاء غير واردة ـ يوضّح مصيطفى ـ.
ولكن وسط المتغيرات الاقتصادي وما تعيشه الجزائر من أزمة اقتصادي، و بداية الشعور بالخطر التي باتت تتجلى في تصريحات المسؤولين من انخفاض لمعدل النمو من 4.5 الى 2 المائة، وانخفاض احتياطي الصرف من 190 الى 82 مليار دولار، كلها مؤشرات يقول محدثنا بأنها تلزم الحكومة بالبحث عن حلول ميدانية انطلاقا من المعطيات الاقتصادية المستقبلية التي هي الإحصاء و الاستشراف. وعيله يقول مصيطفى انه بات ممنن الضروري تحرير الإحصاء و انشاء جهة وصية للتكفل بالمعطيات الإحصائية.
أما عن مستوى أداء معاهد الإحصاء والديوان الوطني للإحصاء، يرى ذات المختص بانها تبقى معاهد نظرية خاصة بالتدريس الجامعي، فيما تبقى عمليات الإحصاء التطبيقية الحكومية مفقودة، وذلك بسبب انعدام وصاية خاصة بالإحصاء على غرار وزارة الاستشراف ووزارة التخطيط التي تم الغاءها منذ سنوات. ليذهب معها مشروع إحصاء واستثمار مهم كانت تحضر له ذات الجهة. مضيفا بان سوق الإحصاء في الجزائر مازال سوقا عموميا يفتقد للتنافس بين القطاع الخاص والقطاع العام، وبالتالي فنحن بحاجة الى استحداث “جهة تسمح بإنتاج معطى احصائي مبني على التنافسية بين مراكز الإحصاء مبني على جودة الإحصاء الذي يرتكز أساسا على دقة الرقم الاحصائي”.
