الملاعب المغاربية: فلسطين في تسعين دقيقة

2
الملاعب المغاربية: فلسطين في تسعين دقيقة
الملاعب المغاربية: فلسطين في تسعين دقيقة

محمد السيد الطناوي

أفريقيا برس – الجزائر. ما الذي يعنيه انشغال جماهير كرة القدم بحدث جدي أثناء استمتاعها بمباراة فريقها؟ يعني، بكل بساطة، أن الحدث يحمل قيمة كبرى حتى تتذكره في وقت خصصته للترفيه، ونسيان كل أمر جدي، وهو ما فعلته جماهير الساحرة المستديرة في العالم العربي، بمظاهر دعم غزة وأهلها في مواجهة العدوان الصهيوني، وإن امتاز الجمهور المغاربي عن غيره في صور تضامنه.

في اليوم التالي لعملية طوفان الأقصى التي نفذها مقاومو “القسام”، الجناح العسكري لحركة حماس، وأوقعت أكثر من 1200 قتيل إسرائيلي، كانت جماهير الناديين الأهلي والإسماعيلي المصريين الأسبق في التعبير عن دعمها لفلسطين بالهتافات والأعلام أثناء مباراة جمعت الفريقين، وهو ما تكرر في كثير من البلدان العربية. لكن المغاربة ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حيث ترددت في جنبات ملاعبهم أغاني كتبت خصيصاً من أجل فلسطين؛ لتكون حاضرة في كل مناسبة كروية.

في المغرب، ورغم اتفاقية التطبيع التي وُقّعت أخيراً مع إسرائيل، إلا أنه ومنذ العدوان على غزة والفعاليات الشعبية الداعمة لفلسطين والرافضة للتطبيع لا تنقطع. ضمن هذا السياق، جاءت أغنية “أرض الصمود”، التي أطلقها “وينرز”، ألتراس فريق الوداد البيضاوي، في مباراة الإياب بالدور ربع النهائي ـ الدوري الأفريقي، والتي أقيمت في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. أنشد الجمهور الأغنية في ملعب محمد الخامس للمرة الأولى، بينما حازت على انتشار واسع ومشاهدات كثيرة على موقع “يوتيوب”، تجاوزت المليون خلال أيام.

وبمشهد تكرر بعدها في أكثر من مباراة، ردد مشجعو الوداد: “فلسطين داري ودرب انتصاري، فلسطين تاري وأرض الصمود، فدائي فلسطين، فلسطين أرض المسلمين، آه يا صلاح الدين وعلى طريقك سايرين، آه يا صلاح الدين نموتو حنايا وتحيا فلسطين. أرض المسرى والأنبياء سقاوها بدم الأبرياء، جنين الخليل وغزة، إن شاء الله نحرروك يا أقصى”. ومع بدء المباراة، تابع الجمهور المغربي إنشاد أغنيته الجديدة: “القدس يا الحبيبة، عليك طالت الغيبة، ربي حفضها لينا، نصليو فيها مجموعين، نهزوا راية الدين، يا المقاوم هز علامك، ثلثم بلثامك، الحرية غدا غادي تجيك، ربي العالي علينا شاهد، تمنيت مقامك، على القضية نموت شهيد، هادي مدة وشعبك يقاوم يا جامي تساوم، فلسطين رمز الهمة، نصر وشهادة راشعارك فأرض المعركة، ورفعتي رأس الأمة”.

هذه التظاهرة الغنائية المهيبة، سبقتها ليلة فلسطينية خالصة في 8 أكتوبر، خلال مباراة جمعت ناديي المغرب التطواني والرجاء البيضاوي، لينشد جمهور الأخير في الدقيقة السابعة، إشارة إلى السابع من أكتوبر، اليوم الذي انطلقت فيه “طوفان الأقصى”، أغنية “رجاوي فلسطيني”، وهي أغنية أطلقتها جماهير النادي المغربي بالتزامن مع يوم الأرض في 2019 دعما للقضية الفلسطينية، وتقول كلماتها: “يا الحبيبة يا فلسطين، يالي عليك القلب حزين، وهادي سنين، تدمع العين، لحبيبة يا فلسطين، آه يا وين، العرب نايمين، آه يا زينة البلدان، قاومي، ربي يحميك، من ظلم الإخوة العديان، وليهود لي طامعين فيك، مانسمح فيك ياغزة، مالكري عليا بعيدة، يا رفح وراما الله، أمتنا راها مريضة، مرضوها بالمشاكيل، وفساد الحكومات، والعربي عايش فالويل، مستقبل كلو ظلومات، والرجاوي صوت الشعوب المقهورة، لي ماتسمعو، عايقين ليكم بالملعوب (نعلمُ ألاعيبكم)، حيت نسورا جامي نركعو (لأنّنا نسورٌ لا نركع)، إلا لرب العالمين مولانا يا مول الكون (صاحب الكون)، والحرية لفلسطين، وإن شاء الله فالقدس الفرحة تدوم، رجاوي فلسطيني (رجاوي فلسطيني)، حبيت نمشي شكون يديني (من يأخذ بيدي؟)، رجاوي فلسطيني (رجاوي فلسطيني)، حبيت نمشي شكون يديني (أحبُّ أن أذهب، من يأخذ بيدي؟)”.

الأجواء نفسها سادت الملاعب التونسية. ففي مباراة جمعت فريقي الترجي والمنستيري، انطلقت عشرات الآلاف من الحناجر في توافق أوركسترالي، تردد أنشودة، وإن كانت بسيطة في كلماتها، لكن الصدق أسبغ عليها بلاغة جعلت تأثيرها بالغا في نفوس كل من رقب تلك الجموع وهي تردد في صوت واحد: “فلسطين الأمة قضية ليها سنين، وفي عينيا دمعة والقلب عليها حزين، خانوك حكام الأمة يا كلاب إسرائيل، غابت فيهم النخوة كيف باعوا فلسطين، خانوا شعب المقاومة واحنا مناش ناسين، باعوا قضية أمة بالتطبيع الحقير، فلسطين مسرى النبي الكريم، فلسطين شعب الأقصى العظيم، فلسطين والله تدمع العين، فلسطين والله القلب حزين، كيفاش قلوبكم تنسى سبتمبر عام 2000، قتلوا محمد الدرة معنق بوه المسكين، كيفاش عقولكم تنسى اش قامو من عدوان… شعاركم السلطة وتلموا برشا أموال، وكي رضيتوا بالذلة محال تكونوا رجال… ما تغيب رجال الأمة للقضية حاملين، حالفين نزوروا الأقصى من ربي منصورين”.

في الجزائر، تبلغ هذه الحالة التضامنية الذروة، فكثيرة هي الروابط التي تمتن علاقة البلدين، منها فاتورة فادحة من الشهداء دفعها كلا الشعبين جراء الاستعمار. ويوماً، عبر الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين عن متانة هذه الرابطة، في كلمة صارت من الثوابت الجزائرية؛ فقال “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”. هذه الحالة تنعكس في مجال الرياضة جلياً، فحضور فلسطين في الملاعب لا يرتبط بحدث، بل هو دائم، وعلى أكثر من مستوى، فهناك أنشودة “فلسطين الشهداء” التي أمست أشبه بالنشيد الرسمي للجماهير الجزائرية، تردده في كل مباراة ومع كل لقاء لأحد فرقها في أي بطولة، سواء كانت محلية أم عربية أم أفريقية أم دولية، وتقول كلماتها: “فلسطين الشهداء، فلسطين الشهداء، شوفوا لأحوالنا وأفعال أعرابنا، احنا الرجالة تشهد أفعالنا، ويشهد الله… ظالمة ولا مظلومة معاها ديما واقفين، هادي مواقفنا معلومة، رانا عليها ثابتين، والأقصى لنا إلى يوم الدين”.

يستطيع المتتبع كذلك أن يرصد مستوى آخر من الحضور، متمثلا في التنوع بالهتافات والأغاني الخالصة لوجه فلسطين، فقبل الأحداث الدامية في غزة، ومع مطلع العام الجاري، نجد الجماهير الجزائرية في إحدى مباريات بطولة الأمم الأفريقية تتغنى بـ”أنا دمي فلسطيني” لمحمد عساف، مؤكدة بذلك أن اعتناءها بالقضية الفلسطينية ليس مرتبطاً بمناسبة أو حدث. هناك أيضا أغنية فلسطينية شهيرة يمكن أن نصادفها في كثير من مبارايات كرة القدم الجزائرية، هي أغنية “ولاد حارتنا” لمحمد أبو هلال، المعروف بأبو نسرين، وإن كان بعضهم ينسبها إلى محمد سعادة صالح مؤسس فرقة ترشيحا الشعبية، ليغنيها أبو نسرين لاحقاُ. في الحالتين، تحولت الأغنية من أنشودة كانت مخصصة للأطفال، إلى العمل الغنائي الأول للانتفاضة الفلسطينية الثانية، من ثم انتشرت بعدها في العديد من الدول العربية.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here