أفريقيا برس – الجزائر. أب يتصفح هاتفه… أم تتابع مقاطع قصيرة وأبناء غارقون في ألعابهم الإلكترونية. كل فرد من العائلة يعيش عزلة رقمية رغم أنهم يجلسون في غرفة واحدة.. هكذا تمر أيام السنة في صمت تكنولوجي ثقيل، حيث تتراجع فيه الحوارات بين أفراد الأسرة والاجتماعات اليومية على طاولة واحدة، قبل أن يتغير ذلك المشهد كليا مع حلول شهر رمضان، الذي يمثل فرصة ذهبية للتواصل العائلي الذي قد يغيب وسط انشغالات الحياة اليومية طوال السنة.
يعيش الجزائريون كغيرهم من المسلمين في العالم حالة من التجدد الروحي، حيث يزداد الإقبال على الصلاة والعبادات الجماعية، وتزداد الزيارات العائلية بين الأقارب والأصدقاء، وتبدأ أولى أيام رمضان بتجمع العائلة كاملة حول مائدة الإفطار، ويستعيد الأقارب زياراتهم المنتظمة لبعضهم البعض بعد انقطاع طويل في الأيام العادية، كما تزدحم المساجد بصفوف المصلين في صلاة التراويح، الذين يجدون في رمضان فرصة للعودة إلى القيم الدينية، ويتنافس الشباب على الأعمال التضامنية والخيرية، من تنظيم موائد الإفطار وقفة رمضان وغيرها من الأنشطة الخيرية التي لا تغيب طيلة الشهر الفضيل.
ويرى مختصون في علم الاجتماع، أن شهر رمضان يعيد تشكيل سلوك الأفراد داخل الأسرة والمجتمع، حيث يتراجع الحضور الطاغي للهاتف.
كما يؤكد هؤلاء أن النسق الزمني الموحد الذي يفرضه الصيام، من إفطار وسحور وصلاة تراويح، يخلق إيقاعا جماعيا يعيد تنظيم الحياة داخل البيت بعد عام من التشتت الرقمي.
رمضان يرمم العلاقات الاجتماعية الممزقة
ومن جهتها، تؤكد الأخصائية الاجتماعية، حورية مقفوجي، أن رمضان فرصة لإعادة التوازن للعلاقات الاجتماعية، وترميم ما أضعفته العزلة التي فرضتها الشاشات طوال السنة، لما يحمله من رمزية قوية تتداخل فيها القيم الدينية والثقافية والأسرية.
معتبرة أن اجتماع الأسرة حول مائدة الإفطار “حدث اجتماعي ونفسي عميق يعيد بناء الشعور بالانتماء ويعزز الهوية الأسرية.”
كما تشير مقفوجي، إلى أن الزيارات العائلية خلال الشهر الفضيل تمثل بعدا رمزيا مهما، فهي تؤكد صلة الرحم وتعيد إحياء التضامن بين الأقارب، وتتيح فرصة تواصل مباشر بين الأجيال، بما يعزز الاستمرارية الثقافية داخل النسق العائلي.
غير أنها تنبه في المقابل، إلى أن هذه الزيارات قد تتحول أحيانا إلى “عبء اقتصادي وجسدي، خاصة في ظل متطلبات الضيافة والمقارنات الاجتماعية، ما يستدعي إعادة النظر في طريقة عيش رمضان بروح التوازن والبساطة، بعيدا عن المباهاة”.
مؤكدة إن الشهر الفضيل امتحان حقيقي لعمق الروابط الإنسانية داخل البيت الواحد، ومن يحسن استثماره يخرج بأسرة أكثر تماسكا بعد انقضائه.
ثقافة “السوبر ماركت”… ضغط استهلاكي
وبالمقابل، لفتت ذات المتحدثة، إلى بعض التحديات التي تواجه العائلات خلال شهر رمضان، وتتمثل في الضغط الاقتصادي والاستهلاكي.
مشيرة إلى أن تغير النمط الاستهلاكي، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشار ثقافة السوبر ماركت والعروض المغرية، كلها عوامل تدفع نحو مضاعفة المصاريف بشكل ملحوظ.
وأوضحت مقفوجي، أن هذا الارتفاع في الإنفاق لا يرتبط بالحاجات الضرورية فقط، بل تغذيه أيضا المقارنات الاجتماعية والصورة المثالية التي يتم الترويج لها عبر المنصات الرقمية، ما يضع بعض العائلات تحت ضغط غير مباشر للإنفاق فوق طاقتها.
وتضيف المتحدثة، أن هذا الوضع قد يخلق توترا داخل البيت، خاصة لدى الفئات الهشة ومحدودة الدخل، حيث يتحول الشهر من موسم للعبادة والتقشف إلى سباق مادي يرهق رب الأسرة ويؤثر على الاستقرار النفسي.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





