هكذا تحررت أوروبا من الثقافة الجنائزية نحو رحابة الحياة

2
هكذا تحررت أوروبا من الثقافة الجنائزية نحو رحابة الحياة
هكذا تحررت أوروبا من الثقافة الجنائزية نحو رحابة الحياة

افريقيا برسالجزائر. في كتابه “الريادة والاستجابة… قوضت أوروبا هيمنة الكنيسة فانفتحت لها الآفاق”، الصادر عن داري ابن النديم الجزائرية، والروافد الثقافية بلبنان، يوضح الفيلسوف السعودي، إبراهيم البليهي، أن الأحداث المزلزلة المتنوعة التي تواترت في أوروبا منذ القرن الرابع عشر وحتى حروب نابليون، هي التي أنقذتها من هيمنة الكنيسة ولاهوتها الخانق، وإن الانعتاق من تلك الهيمنة التي كانت مستحكمة هو الذي غير أوروبا ووضعها على مسار التحولات النوعية.

وانتهى المؤلف بأبحاثه إلى أن عمليات القطيعة مع الثقافة اللاهوتية، والتحرر من قبضة الكنيسة؛ تلك القطيعة التي كانت العامل الأهم في التقدم الأوروبي؛ لم تكن بواسطة العلوم ولا الأفكار، فالأفكار الخارقة، والعلوم الموضوعية، ضرورية لإنجاح الأهداف التحررية، وتحقيق النمو والازدهار، ولكن ذلك لا يمكن أن يحصل إلا بعد أن تفيق الأمة من التحجر وتخرج من الكهف، على حد تعبيره.

وقال الكاتب في مقدمه عمله إن الإفاقة من العمى الثقافي والخروج من كهف اللاهوت الكنسي لا يمكن أن يتحقق بالإقناع والفلسفة والعلم، بل خلقتْه الأحداث الكبرى؛ ثم أتى دور الفلسفة والعلوم في ترشيد ونجاعة الأعمال؛ ويستضيء بهما قادة الفكر والفعل.

وكان البليهي صريحا بتأكيده أنه فوجئ بهذه النتيجة التي أسفر عنها خلال سنوات طويلة؛ البحث المتواصل، والتحليل الدقيق، والتأمل العميق، في التاريخ الأوروبي؛ فقد كان قبل ذلك؛ يعتقد أن الفلسفة والعلوم وجهود التنوير هي التي أنقذت أوروبا من ذلك الوضع البائس، ولكن اتضح له لاحقا تلقائية انتظام المجتمعات في التيارات الجارية الموروثة، ورفْضها التلقائي لأي فكر مغاير، واستحالة تحويل المجتمعات بالإقناع عن تصوراتها إلى تصورات مغايرة بديلة. إن توصل المؤلف إلى هذه النتائج عن المجتمعات؛ قد بين له أن الفاعلية كانت للأحداث الفاصلة، فالعلم يضيء الطريق للسائرين في طريق التغيير، ويرشد الفاعلين، لكنه ذاته لا يحرك ولا يؤجج ولا يستنفر الطاقات، فبواعث الفعل العام الاجتماعي ودوافع السير هي بواعث ودوافع تلقائية نفعية ووجدانية؛ غير علمية، فلا نجاح لإجراءات عملية معقدة؛ إلا بالعلم، فلا يمكن مثلا إجراء عملية جراحية دقيقة إلا بمعرفةٍ علمية ومهارةٍ مهنية، لكن لابد من وجود حركة اجتماعية قائمة منظمة تستخدم العلم، وغير معاقة ثقافيا بعد أن تتحرر من موانع النهوض، وإلا سيبقى العلم ضمن دائرة شديدة الضيق؛ فالعلم ليس مؤثرا على الكيانات الثقافية، التي تتحكم بتفكير وسلوك الأمم، كما أن العلم ليس ركاما من المعلومات تضطر الأجيال إلى حفظها في المدارس والجامعات، بل إن فاعلية العلم على مستوى قادة الفكر والفعل مشروطة بتغير التصورات وتغيير محاور الاهتمام وتبديل اتجاه الحركة، أما عموم الناس وعموم المتعلمين؛ فيتبرمجون بالوضع الجديد بأسلوب الحياة خلال الأجيال، وليس بالدراسة والبحث والاستقصاء، ولا بفهم الأساس الفلسفي للوضع الجديد وقيمه الطارئة، مثلما أضاف الكاتب.

هذا الكتاب، الذي توزعه في الجزائر مكتبات ناجي ميغا بوكستور، هو جزءٌ من مشروع فكري واسع يجمعه عنوانٌ واحد هو “تأسيس علم الجهل لتحرير العقل”، فالجنس البشري لا تسوء أوضاعه من الجهل البسيط الذي تزيله المعلومات، وإنما المعضلة الكبرى العامة المهيمنة على الجميع؛ هي الجهل المركب الذي يتحكم في المجتمعات والأمم والأفراد، حيث تظل كل أمة مغتبطة بما تتوارثه وتتبرمج به وتعتبره الكمال المطلق ولا يكاد ينجو أحدٌ من هذا الوهم المخدر إلا في حالات فردية استثنائية، حين ينفلق قالب البرمجة بضغط التساؤلات العميقة الحادة، على حد وصفه.

ع.ع

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here