د. الهواري غزالي
أفريقيا برس – الجزائر. إذا كان الشعر العربي الحديث، الجنس المعرفي الأكثر طواعية للعاطفة الاجتماعية والتاريخية وتجاوبا معها، قد رسخ منذ مرثيات أبي البقاء الرندي تقليدا يتسم بالبكاء على ما يعتقده ضياعا للأندلس، ولاسيما في المقولة المشهورة بآخر أنفاس العربي، فإنه لم يستطع إعطاء تصور جديد يجعلنا نهتم بما بقي من وجودها في دول الأطلس الإفريقي، المتكونة من تونس، الجزائر والمغرب على الأقل. وتكاد لا تتجاوز مراكز البحوث والجامعات العربية هي الأخرى هذا الحدس الشعري مطلقا وهي تمضغ جروحها التاريخية، بل راح معظمها يجتر المآسي في شكل مأثرة من المجد.
إن الرحلات التي قادتني تباعا إلى الأندلس أولا، والتي عقدت لها من خلال ديوان «كتاب الغبطة المتصلة» المنشور من قبل دار «الآن» في عمان عام 2022، ثم إلى المغرب وتونس فيما بعد قد مكنتني من ملاحظة التشابه المطلق بين هذه الأقاليم، ودفعتني للاعتقاد بأن الأندلس التي يبكي فقدانها الوجدان العربي لا توجد – كما هو الطرح الجغرافي السياسي – في إسبانيا، وإنما في شمال إفريقيا تحديدا، فتونس تحتوي على أقاليم منسوبة للمجتمعات الأندلسية كزغوان وتستور على سبيل المثال، والحال نفسه مع الجزائر والمغرب.
إعادة بناء مفهوم الأندلس
لكنه مقارنة بالرعاية التي تحظى بها الحاضرة الأندلسية في إسبانيا، تكاد ملامح الفضاء الأندلسي في دول شمال إفريقيا تنقرض تماما، وهي ملامح لا ترتبط بالعمران الذي لا يزال يستحق الرعاية، وإنما بالاهتمام بالنسق المهني والاجتماعي للأندلس التاريخية، التي اعتمدت على الإنتاج الفردي فيما يقابل اصطلاحا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وإذا كانت تونس لا تزال تحافظ نسبيا على الجوهر الأندلسي في بعض من ممارساتها الاجتماعية والمهنية، فإن المفاهيم التي أطرحها تعتمد على طرح إشكالات تتعلق بكيفية استنباط طرق جديدة حول طريقة إعادة بناء مفهوم الأندلس في دول الأطلس الإفريقي، انطلاقا من تجربة الأندلسيين الاسبان أنفسهم عموما، ومن تجربة بلاص إينفانتي خصوصا، والتي مكنتهم من إعادة بعث جديد لهذه المنطقة لاسيما بعد الثورة الإسبانية، معتمدين على مفاهيم من قبيل الديمقراطية، المدنية والإنسانية التي تجسدت مطلع الثمانينيات من القرن الماضي.
في نهاية القرن التاسع عشر، بدأت إسبانيا تدخل مرحلة من الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الصعبة نتيجة استنزاف ثرواتها الاستعمارية ولاسيما بعد هزيمتها وفقدانها للفلبين وكوبا سنة 1898. ولقد دفعت هذه المرحلة المجتمع الإسباني للبحث عن كيفية تعزيز التغييرات العميقة للخروج من هذا الوضع، فدقت بعض الأصوات ناقوس الخطر مقترحة بدائل جديدة، لم يتم قبولها للأسف إلا بعد انقضاء عقود من الزمن.
من بين هذه الأصوات، بلاص إينفانتي، الذي يسميه الأندلسيون بأب القومية الأندلسية، أدرك بفضل اقترابه من المجتمع الزراعي والفلاحي والمهني الفقير للأندلسيين في غرناطة عندما كان طالبا فيها في العشرينات من عمره سنة 1904، أن التخلف في الأندلس خصوصا لا تقع أسبابه بالفقر، والحرمان، والظلم، والجوع، والبطالة والتهميش، والجهل فحسب، وإنما أيضا بنكران الأندلس لتاريخها الإنساني، التي خسرتها الأندلس للأسف الشديد. وفي هذه الفترات بالضبط، سيقوم بلاص إينفانتي بصياغة محكمة للنظرية الأندلسية التي قام بتطويرها في كتاب مستقل بعد أن فتح مكتبا للمحاماة عام 1920 في إشبيلية، في تزامن مع الحرب التي كانت تخوضها إسبانيا ضد الريف في المغرب، وهو كتاب يدافع عن هوية أندلسية لا تبْنَى على العرق أو النسب، وإنما على الحضور والمعرفة.
هندسة أندلسية جديدة
وفي الواقع، لم تكن الأندلس أبدا، في اعتقادي، إقليما جغرافيا وإنما فكرة، ولم تكن واحدة وإنما متعددة، ففضلا عن وجود أندلس في إسبانيا (باعتبارها إقليما ثقافيا ساهم في نضوجها المفكر بلاص إينفانتي)، توجد أيضا أندلس أخرى في تونس (حاضرة زغوان وتستور) والجزائر (حاضرة تلمسان والبليدة) والمغرب (حاضرة طنجة وتطوان وشفشاون). وأفترض أنه قد حان الوقت، أمام تاريخ الدراسات المقارنة على الأقل، للدخول في مرحلة تأسيس نظرية حديثة للأندلس المتعددة -لاسيما في مجال الاستشراف الثقافي- ولفتح المجال العلمي أمام الأندلسيات المقارنة (Andalusismo comparado) وتحويلها إلى تخصص علمي قائم بذاته. يسمح باب هذا المجال بالتقريب بين المناطق الحضرية (التونسية والإسبانية مثلا) خصوصا لغرض دراسة أوجه الشبه اجتماعيا وثقافيا، كتناول الآداب والفنون الأندلسية المقارنة من خلال دراسة دواوين فريديريكو غارسيا لوركا المكتوبة في غرناطة مثلا والأخرى المكتوبة بالعربية بزغوان بقلم أبي القاسم الشابي مثلا، أو دراسة الموسيقى الأندلسية بما في ذلك المقارنة التي يمكن أن تعقَد بين الفلامنكو والمالوف. وليس هذا فحسب، بل وأنادي بتعميم ذلك في مجالات علمية مختلفة كالهندسة العمرانية، وتحليل اللهجات، ودراسة التاريخ والمجتمعات والثقافات، وتقاسم الأرشيف والاستثمار في القطاع السياحي ذي البعد الأندلسي مع تطويره انطلاقا من هذه المقارنات.
ولقد لفتت انتباهي عند مشاركتي ملتقى»زغوان، التاريخ والذاكرة والديناميات» الذي نظمته كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في 9 أبريل/نيسان ثم في 24 و26 نوفمبر/تشرين الثاني الماضيين في مدينة زغوان مداخلة قدمتها الأستاذة حياة بدراني في جامعة تونس، حيث عقدت في هذا الإطار مقارنة تطبيقية بين الهندسات الإسبانية والتونسية، مطورة من خلالها النموذج الأندلسي البيئي لزغوان. ومن الجدير بالذكر أن الباحثة قد قدمت في هذا المجال أطروحة تتبعت فيها التطورات في المنشآت الأندلسية الموريسكية، بالاعتماد على مناهج الدراسات التاريخية والأثرية والاجتماعية والأنثروبولوجية والمعمارية، حيث تقدم هذه البحوث معلومات عن سياق الإنتاج العام لشكل المنزل كمثال، وعن تصميمه الأندلسي الموريسكي ضمن إطار المقارنة.
إن هذه المحاضرة، تعد بالنسبة لي، تجربة خالصة تحاول تقديم قراءة في طريقة إعادة بعث هندسة أندلسية جديدة بالمستقبل تبنى على خطاها دول الأطلس الإفريقي الثلاث، بالموازاة مع الأندلس الإسبانية. يسمح مثل هذه التجارب باستخراج أساسيات كتاب النظرية الأندلسية، لمقاربتها على أرض الواقع مع التجربة الأطلسية في شكلها الخاص، والبحث عن سبل تجديد الفضاء الثقافي والاجتماعي والمهني بالاعتماد على التجربة القومية الأندلسية في شكلها العام.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس





