الرسائل المجهولة هدمت الاقتصاد الجزائري وشردت عائلات

6
الرسائل المجهولة هدمت الاقتصاد الجزائري وشردت عائلات
الرسائل المجهولة هدمت الاقتصاد الجزائري وشردت عائلات

نوارة باشوش

أفريقيا برس – الجزائر. طوى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بسيدي أمحمد، محاكمة الوزير السابق للمالية محمد لوكال ومن معه مساء الخميس، بمنح المتهمين الكلمة الأخيرة فطالبوا جميعا بـ”الإنصاف” و”رد الاعتبار لهم” وصرحوا بأنهم “أبرياء”، قبل أن يعلن القاضي رفعَ الجلسة وإحالة القضية للمداولة للنطق بالأحكام بتاريخ 10 أوت – آب الجاري.

بعد غلق باب المرافعات، شرع رئيس الجلسة في المناداة على المتهمين للإدلاء بكلمتهم الأخيرة وفقا للقانون، وكان أول من تقدم بكلمته هو الوزير السابق للمالية محمد لوكال الذي قال: “سيدي الرئيس أنا صرّحت أمامكم بتفاصيل وقائع الحال التي انطلقت من رسالة مجهولة، أصحابها لا ينتمون أصلا إلى البنك الخارجي الجزائري.. سيدي القاضي أنا عملتُ بإخلاص ونزاهة.. نعم 46 سنة قضيتها في البنك والمؤسسات المصرفية ومثلت الجزائر أحسن تمثيل في المحافل الدولية”.

وتابع لوكال: “الحمد لله والشكر له لم أبخل ولو ذرة في تقديم كل ما أملكه من خبرة للبنك، ولم أدخل فلسا واحدا ليس من حقي إلى جيبي، أنا مظلوم.. مظلوم سيدي الرئيس، فقرار شراء البناية تم اتخاذه من طرف مجلس إدارة البنك وليس مني”.

واختتم المتهم كلمته الأخيرة بآيات من القرآن الكريم قائلا بعد بسم الله الرحمان الرحيم “وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها”، مخاطبا القاضي: “والله العظيم أنا بريء.. بريء.. بريء والله على ما أقول شهيد”.

وعلى نفس النهج سار عليه بقية المتهمين المتابعين في ملف الحال، الذين طالبوا بتبرئة ساحتهم، ورد الاعتبار لهم، وأجهش” م. ص” بالبكاء وطلب من القاضي تبرئته قائلا: “سيدي الرئيس والله العظيم لا علاقة لي بمحمد لوكال ولا أعرفه تماما، أنا عملتُ بجهد وكذا وكنت أشتغل ليلا ونهارا حتى أكسب أموالي التي هي حلال في حلال.. سيدي الرئيس عائلتي تشتّتت وأنا مريض ولا أعرف مصيري منذ اليوم.. حسبي الله ونعم الوكيل”.

وشهد شاهدٌ من أهلها

أجمعت هيئة الدفاع عن المتهمين في قضية الوزير السابق للمالية محمد لوكال ومن معه على أن الملف “فارغ”، والوقائع لا تعنيهم لا من بعيد ولا من قريب، وأنه مبنيٌّ على قاعدة “احتمال وافتراض” باستفادة مشبوهة لموكليهم من عملية بيع وشراء بناية “داتا سانتر” للبنك الخارجي الجزائري ومحكمة الجنح هي محكمة الأدلة والقرائن.

قال محامي الدفاع عن الوزير السابق للمالية محمد لوكال، الأستاذ خالد بوجمعة عن قضية الحال: “إنها كارثة بكل المقاييس، ملف الحال انطلق من رسالة مجهولة على أساس عملية شراء مشبوهة للبناية بمبلغ مالي مضخم لا يمثل القيمة الحقيقة لهذه الأخيرة، سيدي الرئيس العقار محل المتابعة تم شراؤه بقرار من مجلس إدارة البنك الخارجي الجزائري الذي يعدّ هيئة لها صلاحيات الحوكمة في القرارات، بعدما تبيَّن فعلا أن حالة المقرّ القديم غير ملائم ومهدَّد بمختلف المخاطر على شاكلة الفيضانات والزلازل وانقطاع التيار الكهربائي وعدم استقرار البناية من أصلها بالنظر إلى مكان بنائها”.

وتابع الأستاذ بوجمعة: “سيدي الرئيس.. شراء مقرّ جديد للبنك كان لحاجة ضرورية وملحّة، لأن البنك القديم لا يتوافق ما تفرضه التكنولوجيا الحديثة والعصرية للبنوك، خاصة أن هذا البنك الخارجي الجزائري يقوم بعمليات مالية حصرية لأكبر مجمّع نفط في الجزائر، وكذا وزارة الدفاع الوطني إلى جانب الهيئات السيادية في البلاد والمؤسسات الاقتصادية الكبرى وعدم تسيير العمليات المالية سيسبّب كارثة بكل المقاييس، ويجعل سمعة البنك على المحك، خاصة أن هذا الأخير يعدّ البنك الأول في الجزائر وفي المغرب والرابع في أفريقيا”.

وخلال مرافعته، استظهر المحامي صورا خاصة بالبناية محل المتابعة لهيئة المحكمة، وحاول إقناع القاضي وممثل الحق العام بأن البناية ليست بسيطة كما يظن الجميع، بل تتكون من 8 طوابق ومجهزة بأحدث التجهيزات اللازمة، مؤكدا أن الديوان المركزي لمكافحة الفساد أكد في تقريره أن وضعية مقر البنك شي غيفارا، غير آمنة وأنّ البناية هشّة ومعرضة للخطر والانهيار في أي لحظة.

كما كشف الدفاع عن الميزانية المخصصة لتجهيز “داتا سانتر”، والمقدرة بـ139 مليار سنتيم، وهو المبلغ الذي تم صرفه في تجهيز أضخم قطب تكنولوجي يشمل مديرية جهاز الإعلام الآلي والرقمنة والاتصال وكذا عازل الحرارة وغيرها قائلا “كل هذه التجهيزات وردت في دفتر الشروط مع المورِّد الذي شدد على ضرورة إتّباعها حرفيا حتى تتم عملية تركيب العتاد بنجاح.. سيدي الرئيس موكلي ملزَمٌ نهاية السنة المالية بتقديم تقرير إيجابي عن البنك”.

وأردف الأستاذ بوجمعة: “هيئة المحكمة سألت موكلي: هل اعتمدتم على الخبرات لشراء العقار؟ وأنا أقول لكم سيدي الرئيس إنه لا يوجد ما يجبر موكلي على اللجوء إلى أملاك الدولة لإنجاز الخبرة، فديوان قمع الفساد أكد في تقريره أن البنك لجأ إلى الخبرة لمعرفة سقف قيمة العقار وهو غير مجبَر قانونا، وهو ما ينطبق عليه “وشهد شاهدٌ من أهلها”، كما أن المادة 7 من قانون الصفقات العمومية من المرسوم الرئاسي 15ـ 247.. سيدي وكيل الجمهورية تعطي الصلاحيات لموكلي أن يقتني العقار”.

وعاد المحامي إلى الخبرتين المنجزتين من طرف البنك واللتين قامت بهما مديرية أملاك الدولة والشركة العمومية للتأمين، الأولى حدد القيمة الإجمالية للبناية بـ102 مليار سنتيم والثانية بـ108 مليار سنتيم، مقابل 145 مليار سنتيم لصاحب العقار الذي لا يعدّ موظفا بل تاجر فهو يخضع للغة السوق أي العرض والطلب، مؤكدا أن عملية الشراء تمت انطلاقا من إعلان لا يزال متواجدا على طاولة الإعلانات بفندق الجزائر سان جورج” سابقا، إلى حد يومنا هذا.

وعرَّج الدفاع إلى شهادة الشهود، حينما قال للقاضي: “مديرة الإدارة العامة صرحت أمامكم أن العقار الذي تم اقتناؤه هو الأنسب لـ”داتا سانتر”، وشددت على أن عملية شراء البناية لم تسبب أي ضرر للبنك بل بالعكس فقد شكل إضافة كبيرة للمؤسسات الاقتصادية العمومية”، مؤكدا أنه بناءً على حل كهذا لم يتأسس البنك الخارجي الجزائري طرفا مدنيا في القضية، متسائلا “كيف للخزينة العمومية أن تتأسس طرفا مدنيا مادام المعني بالأمر لم يفعل ذلك؟”.

واستغرب الأستاذ بوجمعة من قضاة التحقيق للقطب الاقتصادي والمالي، الذين يطالبون المفتشية العامة للمالية بإنجاز خبرات في العقار قائلا: “أيُعقل أنّ خبراء في المالية ينجزون تقارير في العقار؟ هم غير مختصين في تحديد وتقييم السعر المرجعي للمتر المربع.. عجبا سيدي الرئيس أن يكون سعر المتر المربع في منطقة راقية مثل حيدرة يقدر بـ9 ملايين سنتيم..؟ وهذا حسب تقرير المفتشية العامة للمالية، هذا هراء وتأثير مباشر على مصداقية التحقيق”.

إلى ذلك، أثار المحامي مسألة الرسالة المجهولة التي قال عنها إنها “لا أساس لها، باعتبار أن تحقيقات ديوان قمع الفساد أثبت أن الإمضاءات المدوَّنة في الرسالة المجهولة لم تكن لأي إطار من الإطارات العاملة في البنك الخارجي الجزائري، وهو ما أكده المعهد الوطني للأدلة الجنائية للدرك الوطني ببوشاوي بالجزائر العاصمة”.

وقبل أن يختم الدفاع مرافعته، وجّه سؤالا لهيئة المحكمة قائلا: “هل الميراث أصبح جرما؟.. فالعقار الذي تحدّث عنه وكيل الجمهورية على أساس أنه انتقل إلى مقرّ سكن موكلي الكائن بسحاولة بالعاصمة، وأكد أنه الأمر لا يتعلق بفيلتين وإنما بقصرين، سيدي الرئيس هذا العقار ورثه هو وأفراد عائلته من والده.. لكن في نظر ممثل الحق العام فإن لوكال تحوّل إلى “بارون” مخدرات بقصور مسيَّجة”.

وفي الأخير، التمس الأستاذ خالد بوجمعة من القاضي، تبرئة ساحة موكله الذي قضى أزيد من 46 سنة بالبنوك، منها 10 سنوات بالبنوك الخارجية، و15 سنة مدير عامّ للبنك الجزائري الليبي، ثم 15 سنة رئيس مدير عامّ بالبنك الخارجي الجزائري، قبل أن يتم ترقيته إلى محافظ بنك الجزائر لمدة 3 سنوات وأخيرا وزير للمالية لمدة سنتين.

“الاحتمال والتناقض”.. هكذا بُني الملف

المحامي شوقي بن عربية المتأسس في حق وزير المالية السابق محمد لوكال، بدوره استعمل كل الأدلة والقرائن خلال مرافعته من أجل إسقاط التهم الموجهة لموكله.

وقال الأستاذ بن عربية: “سيدي الرئيس ملف الحال مبني على شيئين، هما “الاحتمال والتناقض” بالرغم من الاحتمال في الجنح قانونا لا مكانة له فهو ممنوع بل الأصح في محكمة الجنح هو الدلائل والقرائن”، وملف محل المتابعة من بدايته إلى نهايته مبنيٌّ على احتمال وتصور استفادة لوكال محمد والبائع من عملية بيع العقار”.

وأردف المحامي: “سيدي الرئيس العقار محل المتابعة كائن في منطقة راقية، حيث تتواجد تمثيليات القنصلية والدبلوماسية، والمديرية العامة للضرائب قيمت السعر المرجعي بـ51 مليون سنتيم للمتر المربع الواحد كحد أدنى في تلك المناطق، من العيب الكبير أن تحقيقات الضبطية القضائية تؤكد أن بناية من 9 طوابق تباع بأكملها بـ30 مليار سنتيم!”.

وعلى هذا الأساس يقول الدفاع: “هناك نية مبيّتة للإيقاع بموكلي من خلال تغليط هيئة المحكمة بمثل هذا التقييم، وخاصة من خبراء المفتشية العامة للمالية التي قيّمت السعر المرجعي للمترب المربع بـ9 ملايين سنتيم.. وعليه نطلب منكم سيدي الرئيس عندما تعكفون في مداولة الملف أن تأخذوا بعين الاعتبار كل هذه الحقائق وتصلوا إلى قرار صحيح في حكمكم، ونلتمس منكم في الأخير البراءة لموكلي”.

“أهل الكهف” استفاقوا بعد 8 سنوات

وصف محامي الدفاع عن المتهم محمد لوكال، الأستاذ بشير بوروشة طلبات النيابة بـ”القاسية جدا” في حق موكله قائلا “موكلي أوضح أمام هيئتكم كل تفاصيل عملية شراء البناية والدوافع التي أدت إلى ذلك، وقال إنه وفقا لتوصيات البنك المركزي فإنه كان من الواجب العمل على عصرنة البنوك العمومية والتوجه نحو الرقمنة وفعلا تم إنشاء قطب تكنولوجي يشمل مديرية جهاز الإعلام الآلي والرقمنة والاتصال وتبادل المعلومات مع الخارج، وهي الأجهزة التي كانت موزعة على أماكن متعددة، غير أن المقر الذي يحوي هذه الأجهزة الحساسة والتي تم شراؤها بأموال باهظة كان هشا ويعود تشييده إلى سنة 1900، ووجود هذه الأجهزة بمقر غير ملائم كهذا ومهدد بمختلف المخاطر على شاكلة الفيضانات، الزلازل، انقطاع التيار كهربائي، وعدم استقرار البناية من أصلها بالنظر إلى مكان بنائها، وعلى هذا الأساس تم اللجوء إلى شراء بناية جديدة بحيدرة تتوفر على المقاييس العالمية المطلوبة.. فأين هو الخطأ الذي ارتكبه موكلي؟

ورجع الدفاع إلى الرسائل المجهولة التي من أجلها انطلقت وقائع الحال: “سيدي الرئيس الرسالة المجهولة أودعت على مستوى البريد العامّ لمجلس قضاء الجزائر، إذ أنه منذ سنة 2011 أصحابها كانوا في سبات عميق.. كأنهم أهل الكهف، وبعد أن استفاقوا في 2018 قدّموا مراسلة أولى، ثم مراسلة ثانية في 2019، والهدف واضح وضوح الشمس وهو جرّ موكلي إلى السجن، بالرغم من أن العامّ قبل الخاص يعرف أن الرسائل المجهولة هدمت الاقتصاد الجزائري وشرّدت عائلات”.

كما أن محمد لوكال يقول المحامي بوروشة: “ليس من اتخذ قرار شراء العقار بل هو مجلس إدارة البنك، لكن للأسف الشديد ولا أحد من أعضاء هذا المجلس توبع اليوم أمام المحكمة، زد على ذلك فإن موكلي جنّب كارثة حقيقية لأن مبنى البنك الواقع بشي غيفارا بساحة الشهداء مهدد بالانهيار في أي لحظة، يكفي زلزال من 5 درجات على سلم ريشتر ليردي موظفي البنك جثثا هامدة”.

وختم الأستاذ مرافعته بطلب استبعاد تأسيس الخزينة العمومية كطرف مدني في ملف الحال، مادام المعني بالأمر وهو البنك الخارجي الجزائري لم يتأسس في القضية بسبب إلحاق أضرار بخزينته وهذا بشهادة شهود من داخل مبنى البنك بحد ذاته، ليلتمس البراءة ورد الاعتبار لموكله.

وعلى نفس الشاكلة، رافعت هيئة الدفاع عن المتهمين الآخرين المتابعين في ملف الحال، والذين طلبوا من قاضي الفرع الثاني للقطب الجزائي الاقتصادي والمالي، تبرئة ساحة موكليهم من كل التهم الموجهة إليهم، باعتبارهم لم يرتكبوا جرما يجرّهم إلى القضاء، كما أنّ موكليهم خلال استجوابهم من هيئة المحكمة، أصرّوا عدم معرفتهم بالوزير السابق للمالية محمد لوكال، وأجمعوا على أنهم لا تربطهم أيُّ علاقة معه لا من بعيد ولا من قريب.

والتمس المحامون في الأخير إنصاف موكليهم والنطق ببراءتهم بعد عدة أشهر من المعاناة.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here