القدرة الشرائية تتدهور ودائرة الفقر في اتساع

40
القدرة الشرائية تتدهور ودائرة الفقر في اتساع
القدرة الشرائية تتدهور ودائرة الفقر في اتساع

افريقيا برسالجزائر. عمال في مختلف القطاعات ومتقاعدون وحتى صغار التجار يشكون مؤخرا غلاء المعيشة، وتدهور قدرتهم الشّرائية.. فإذا كان هؤلاء وبمرتباتهم المتوسطة والمقبولة ويتذمّرون، فماذا يقول موظفو الشبكة الاجتماعية وعقود ما قبل الشغيل…

يُؤكد مواطنون أنهم يصرفون وفي جولة تسوّق واحدة، غالبا ما يناهز 5000 دج، بين مواد غذائية استهلاكية أساسية، واحتياجات الأطفال، ويرتفع المبلغ في حال تواجدت وصفات دواء.. فإذا كان هذا المبلغ يصرفه رب أسرة يتلقى أدنى راتب شهري، يتراوح بين 35 ألف و45 ألف دج.. فماذا عن يوميات مُوظفي عقود ما قبل التشغيل والشبكة الاجتماعية التي تتراوح مرتباتهم الشهرية، بين 4 آلاف دج إلى 15 ألف دج فقط؟؟

سؤال طرحناه على ثلاثة من الموظفين ضمن هذه الصّيغ، وجميعهم متزوجون وآباء أطفال..” م. ن” في 45 من عمره من ولاية وهران، والد لطفلين، يبلغان على التوالي 5 سنوات وعامين، ويقطن مع والديه وإخوته. والأخير تزوّج في سن الـ 41 سنة بسبب تكاليف الزواج الباهظة، أو كما قال لنا ” تزوجت بعدما ساعدني أصدقائي وأحبابي”.

محدثنا يشتغل ضمن عقود ما قبل التشغيل، منذ قرابة 13 سنة وبمرتب لا يتجاوز 15 ألف دج شهريا.. عن كيفية إنفاق هذا المرتب الضعيف، أخبرنا بأن نصف المرتب أي 7500 دج، يذهب لشراء الخضر مرتين أسبوعيا من سوق شعبي أو من العربات المتنقلة، وبعض البقوليات منخفضة الثمن. أما الفاكهة، فإذا وجد في السوق نوعيّة رديئة قليلا ومنخفضة، على غرار البرتقال والتفاح، فيشتري مرة في الشهر فقط. وأحيانا يشتري الخبز يوميا أو كيس فرينة 50 كلغ ولكن من النوعية الرديئة.

وبحسبه، أصحاب المرتبات الهشة، يعيشون كل يوم بيومه “فيمكن أن نجد اليوم أكلا وغدا لا نجد شيئا “.

ويؤكد محدثنا أن مرتبه لا يبقى أكثر من 15 يوما، وفي حال مرض أحد أفراد عائلته الصغيرة، فالمرتب يتبخر في يوم واحد، ويمضي بقية الشهر بالسّلف.

موظفون ومتقاعدون يشتغلون “كلوندستان”

ويساعد محدثنا نفسه بامتهان مهن معينة كل مرة، فقال: “أشتغل حمّالا في الأسواق الشعبية، أو مساعد بناء، أو أغرس بعض الأعشاب بحديقة منزلنا، مثل النعناع والبقدونس والقصبر وأبيعها في السوق.. وبواسطة هذا المصروف القليل أتمكن من إعالة أسرتي “.

أما جمال، من العاصمة، شاب أعزب في 38 سنة من عمره، يحوز شهادة ليسانس محاسبة لم يشتغل بها منذ تخرجه، ولم يتمكن من الزواج لغلاء التكاليف وفقر عائلته. ومحدثنا يشتغل في إطار الشبكة الاجتماعية بمبلغ 4 آلاف دج !! وليؤمن مصاريفه الشخصية، يمتهن بيع السجائر وبعض الحلويات في كشك صغير قرب منزله، وكثيرا ما تعرض للطرد من المصالح البلدية، فيقوم بتنصيب كشكه في مكان آخر.

أما “نبيلة”، من بلدية خميس مليانة بولاية عين الدفلى، التي تشتغل مُدرسة لتلاميذ التحضيري بالمسجد، ضمن عقود الإدماج المهني منذ عام 2012، حاصلة على ليسانس في الاقتصاد، أم لطفلين، وزوجها عامل يومي، حيث يشتغل غالبا في حمل أكياس الأسمنت في ورشات البناء.

فتقول إن معظم وجباتهم اليومية، تدخل فيها البطاطا، إما مقلية أو “المغلية” أو “المرق”، ويشترون بعض أجنحة الدجاج مرتين في الأسبوع، أو دجاجة مرة في الشهر. أما اللحم، فيدخل منزلهم في عيد الأضحى فقط.. السردين لم يتذوقوه منذ قرابة سنة، أما لمجة أبنائها عند توجههم إلى المدرسة، فهي عبارة عن “شيبس” أو حلويات لا يتعدى ثمنها 20 دج. وتؤكد نبيلة أنها باعت جميع مجوهراتها لعلاج أبنائها المصابين بالحساسية.

وأردفت: “لولا وجود ملابس وأحذية الشيفون، لما وجد أولادنا ما يرتدونه.. وللأسف، حتى الشيفون ارتفع ثمنه مؤخرا، وصار ينافس بأسعاره الملابس الجديدة “.

موظفو عقود ما قبل التشغيل يعانون

وفي الموضوع، أكد ممثل عن الموظفين ضمن صيغة الإدماج المهني، مراد عيساني لـ “الشروق”، وهو بدوره متزوج وأب لطفلين ويتلقى راتبا بـ 15 ألف دج شهريا، أن موظفي هذه الفئة يعانون بصمت وبمرارة، وقال: “مرّت علينا مراسيم وقوانين، وحفظنا مجمل الإرساليات والتعليمات، والنتيجة نفسها، إذ لا نزال نعيش بأدنى المرتبات في الجزائر.. وهذا الواقع الأليم لشباب العقود، وأنا واحد منهم، اشتغلنا لسنوات طويلة بكل نزاهة وصبر، وبمرتب زهيد، ودفعنا ذلك من أعمارنا وشبابنا، وعلى حساب سعادة أطفالنا”.

وتعيش هذه الفئة معاناة حقيقية، متمسكين بخيط أمل رفيع، بعد وعود الحكومة بتسوية وضعيتهم قريبا، وعلى مراحل. وبرر وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، الهاشمي جعبوب، أسباب التأخر الكبير في عمليات إدماج المتعاقدين في صيغ عقود ما قبل التشغيل، بعدما تم إدماج 365 ألف شاب فقط إلى غاية ديسمبر 2021، في حين كان مقررا إدماجهم جميعا خلال 3 سنوات “2019-2021″، باعتماد معيار الأقدمية. وذلك راجع إلى عدم تحرير المناصب المجمدة وتشبع بعض الهيئات، إلى جانب عدم توافق المؤهلات العلمية للمتعاقدين مع بعض المناصب.

وأبرز الوزير بلغة الأرقام، أن نسبة الإدماج لم تتجاوز 9 بالمائة من إجمالي المتعاقدين، و24 بالمائة من مجموع الدفعة الأولى.

كما كشف عن تراجع عروض العمل من 437 ألف عرض في 2019 إلى 300 ألف في 2020، أي بانخفاض 30 بالمائة، وتركزت العروض في قطاعات البناء، الري والخدمات والأشغال العمومية والصناعة، و80 بالمائة منها تأتي من القطاع الخاص.

الخبير مبتول: أسعار 85 بالمائة من المواد الأولية ارتفعت

وأكّد الخبير الاقتصادي، عبد الرحمان مبتول، لـ “الشروق”، أن القدرة الشرائية للجزائريين تدهورت لعدّة أسباب، أهمها غلاء 85 بالمائة من المواد الأولية بالسوق الدولية، وتدني الرواتب الشهرية، وسيطرة ظواهر، على غرار الرشوة والمحسوبية بسوق العمل، إلى درجة أن بعض العائلات أصبحت تعيش على الخبز والحليب فقط، وقال إن قطع غيار السيارات مثلا، ارتفعت بـ40 بالمائة.

وكشف مُحدّثنا أن الموظف، ليعيش عيشة مقبولة، لابدّ له من مرتب شهري ابتداء من 5 و6 ملايين سنيتم، ولكن شرط “ألا يكون مستأجرا لمنزل، ولا يملك سيارة حتى ينفق عليها، وليس ممن يعبئون كل شهر مبلغا معينا للهاتف، ولابد من أن تكون زوجته عاملة”. أما من يملك جميع هذه الأمور، فلابد له من مرتب ابتداء من 10 ملايين سنتيم.

وأكد أن كثيرا من الموظفين والمتقاعدين باتوا يلجؤون إلى مهنة ثانية، لضمان عيشة مستقرة، وقال: “صعدت مؤخرا مع كلوندستان، فاكتشفت أنه موظف سابق، كان يشتغل بهوستن، ويتلقى الآن تقاعدا بـ 12 مليون سنتيم، والمبلغ لا يكفيه بسبب التزاماته الكثيرة تجاه أسرته، فتوجه إلى الكلوندستان “.

وكشف مبتول، بحكم علاقاته ببعض البنوك العمومية، أن عدد الجزائريات اللواتي قمن برهن مجوهراتهن إلى البنوك خلال السنة الأخيرة “ارتفع بشكل كبير وملحوظ، بسبب تدهور مستوى المعيشة “.

واعتبر أن الانفصال الأسري، بمعنى استقرار الأبناء بمنازل خاصة بعد زواجهم، ساهم أيضا في صعوبة المعيشة، بسبب غياب التعاون الاجتماعي.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here