أفريقيا برس – الجزائر. أسفرت زيارة رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي إلى الجزائر عن توقيع البلدين على اتفاق يقضي بزيادة تموين إيطاليا بالغاز الطبيعي بنحو 42 في المئة من الكميات الحالية، كما أعلن عن زيارة دولة قريبة للرئيس تبون إلى إيطاليا، ستكون الأولى من نوعها لبلد أوروبي منذ توليه رئاسة البلاد، ما يشير إلى التقارب الكبير بين البلدين.
توصلت إيطاليا إلى اتفاق مع الجزائر على تزويدها بكميات إضافية من الغاز الطبيعي، عبر الأنبوب الرابط بين البلدين. ووقع الاتفاقية المدير العام لشركة “سوناطراك” توفيق حكار، والرئيس التنفيذي لشركة “إيني” كلاوديو ديسكالتسي، بحضور الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ورئيس الوزراء الايطالي ماريو دراغي الذي حلّ بالجزائر قبل يومين.
ولم يحدد بيان سوناطراك حجم الزيادة في الصادرات، لكنه تناول تفصيلاً مهماً يتعلق باتفاق الشركتين على تحديد مستويات أسعار مبيعات الغاز الطبيعي تماشياً مع معطيات السوق، وذلك للسنة 2022-2023، وفقاً للبنود التعاقدية المتعلقة بمراجعة الأسعار. في المقابل، وضّح بيان شركة إيني الذي اطلعت عليه “القدس العربي”، مخطط رفع صادرات الغاز الجزائرية، حيث سيتم توفير كميات متزايدة من الغاز بشكل تدريجي ابتداء من هذا العام وصولاً إلى 9 مليارات متر مكعب سنوياً في 2023 و2024.
وتمثل هذه الزيادة نحو 42 في المئة من الكميات المباعة حالياً لإيطاليا المقدرة بـ21 مليار متر مكعب سنوياً، وهو ارتفاع معتبر في حجم الصادرات الجزائرية من الغاز، تدور عدة احتمالات في كيفية تغطيته؛ إن كان ذلك بتقليص الصادرات نحو إسبانيا التي تواجه معها الجزائر أزمة دبلوماسية، أو من خلال رفع قدرات الإنتاج في ظرف وجيز، وهو ما تعمل عليه سوناطراك من خلال بدء استثمارها نحو 40 مليار دولار في الاستكشاف والتنقيب. عدا ذلك، لا يوجد إشكال من الناحية التقنية في نقل الكميات المتفق عليها، إذ سيتم ذلك عبر أنبوب “ترانسميد” المار عبر تونس نحو الأراضي الإيطالية، الذي تقدر طاقة استيعابه 32 مليار متر مكعب سنوياً.
وفي تصريحاته في الجزائر، لم يخف رئيس الوزراء الإيطالي أن الاتفاق مع الجزائر في قضية الغاز يعود إلى الأزمة الأوكرانية الروسية، مؤكداً أن إيطاليا ترعى مصالح مواطنيها وتبحث عن بديل للغاز في ظل الأزمة الراهنة. وبدا أن إيطاليا نجحت في إقناع الجزائر في موضوع الغاز، بعد فترة تحفظت فيها على الرد خلال بداية الحرب في أوكرانيا، حيث سارع وقتها وزير الخارجية الإيطالي لزيارة الجزائر طالباً كميات إضافية من الغاز دون أن يحصل على جواب نهائي. وكانت الجزائر في تلك الفترة تراعي عدم إقحامها في الصراع الغربي الروسي بما يخل بموقفها المحايد من القضية ويضر بمصالحها الاستراتيجية مع روسيا. لكن الروس أنفسهم بعثوا برسائل تفهم للجزائر عبر سفيرهم في البلاد إيغور بيليايف، الذي أكد في أكثر من مناسبة أن زيادة صادرات الجزائر لأوروبا من الغاز مسألة تجارية بحتة لا علاقة لروسيا بها. ولعل هذا ما دفع الجزائر للاقتناع في النهاية أن زيادة صادراتها لن يكون بأي حال تعويضاً للغاز الروسي الذي يظل اعتماد إيطاليا عليه قوياً.
لكن الانتقال في الجزائر من التصريح إلى التطبيق، قد يكون له وقع آخر في روسيا. ويقول دكتور الاقتصاد محمد هشام قلمين، في تصريح لـ”القدس العربي”، إن روسيا قد تنزعج من قرار الجزائر لأنه سيسهم ضمنياً في إضعاف ورقة الغاز التي تستعملها ضد أوروبا. وأبرز المتحدث أن روسيا خسرت نحو 3 ملايين برميل من صادراتها من البترول رغم أنها لم تتعرض لعقوبات أمريكية فقط لتخوف ناقلات للنفط وشركات الإنتاج والاستغلال من عقوبات محتملة، وهي اليوم لن تكون سعيدة برؤية سوقها الأوروبية من الغاز يتبخر، لأن ذلك يشكل خطراً كبيراً على استقرارها الاقتصادي. وأضاف الدكتور قلمين أن إيطاليا تستورد حالياً 29 مليار متر مكعب من روسيا، وهو ما يمثل 40 في المئة من وارداتها، وهي تحاول بشتى الطرق التخفيف من الحصة الروسية، ولديها اليوم بمساعدة الجزائر ودول أخرى إمكانية تخفيف هذه الحصة بـ 30 إلى 40 في المئة، مما يزيد من متاعب روسيا.
وفي الشق السياسي والدبلوماسي للتعاون بين البلدين، أعلن دراغي بنفسه عن زيارة سيؤديها الرئيس عبد المجيد تبون إلى روما شهر أيار/مايو المقبل. وشدد على أن العلاقات الجزائرية الإيطالية عميقة تاريخياً، فالجزائر –حسبه- هي أول شريك تجاري لإيطاليا في إفريقيا، كما كشف دراغي عن انعقاد اللجنة الحكومية المشتركة بين البلدين في تموز / يوليو المقبل، وهي لجنة تعالج كافة مسائل الحوار السياسي والأمني ومكافحة الإرهاب وتهريب البشر والهجرة غير الشرعية، وشدد على أن الجزائر وإيطاليا تسعيان لتطوير تعاونهما في مختلف المجالات، مركزاً على الطاقات المتجددة التي تريد الجزائر الاستثمار فيها بقوة، نظراً لإمكانياتها الطبيعية من الطاقة الشمسية.
وستكون زيارة تبون لإيطاليا الأولى من نوعها كزيارة دولة لبلد أوروبي منذ وصوله للرئاسة في كانون الأول/ديسمبر 2019، حيث سبق له زيارة ألمانيا، ولكن للمشاركة في مؤتمر دولي حول ليبيا. وسبق للرئيس الجزائري أن أبدى تفضيلاً للنموذج الاقتصادي الإيطالي الذي يقوم على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، واعتبر أن بلاده يمكن أن تستلهم من هذه التجربة في مشروع تنويع اقتصادها والبحث عن بدائل لريع المحروقات.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس





