أفريقيا برس – الجزائر. قطب متكامل للتكوين العلمي والعسكري لإعداد قادة المستقبل للقوات البرية، وصقل خبرتهم الميدانية قبل الدخول إلى المعارك.. هنا تصنع القيادات المؤهلة في “السلم والحرب”، وتُرسخ عقيدة الجاهزية الدائمة.. على مستوى مدرسة القيادة والأركان “الشهيد سي الحواس” في تامنفوست شرق العاصمة، تتجلى قوتها في الجمع بين الصرامة العسكرية والتكوين العلمي الحديث، وجعلها نبراسا للجيش الوطني الشعبي وأحد أعمدة الارتقاء به إلى مصاف الجيوش الحديثة.
لم يقتصر دور هذا الصرح، منذ تأسيسه شهر أكتوبر 2009، على التعليم النظري، بل تعداه إلى المساهمة في تطوير الدراسات والبحث في المجال التكتيكي، وتأهيل الضابط المتربص لشغل وظائف مستقبلية في الوحدات والأركانات للحفاظ على الأمن الوطني وسلامة وحرمة التراب الوطني.. ويشمل التكوين المحاكاة العملية والتدريب عالي المستوى على أحدث تقنيات الأسلحة افتراضيا، ومواكبة التطورات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي وغيرها من التحولات الرقمية، كل ذلك في سبيل ضمان إعداد نخبة من “القادة” وهم في كامل جاهزيتهم خلال تولى مهامهم مستقبلا على رأس القوات البرية، إلى جانب التزام المؤسسة بتقديم تجربة تكوينية شاملة لهؤلاء الطلبة، تجعل من كل متربص ضابطا مؤهلا مدركا لما ينتظره من مستجدات على الساحة الدولية والإقليمية.
اعتماد مناهج تدريس وبرامج تعليمية حديثة
“الشروق” كانت لها الفرصة لقضاء يوم كامل في ضيافة مدرسة القيادة والأركان “الشهيد سي الحواس” في تامنفوست، التابعة للقوات البرية، على هامش زيارة نظمتها المؤسسة، الثلاثاء، لفائدة ممثلي وسائل الإعلام الوطنية، في إطار المخطط القطاعي للاتصال لقيادة القوات البرية لسنة 2025-2026، الهدف من هذه الزيارة كان التعريف بدور ومهام المدرسة، ومختلف البرامج التكوينية والمناهج التعليمية المعتمدة في تكوين الضابط المتربص في دروس القيادة والأركان، حيث تمكّننا خلال جولتنا من الإطلاع عن قرب على مهام المدرسة، ومختلف مرافقها البيداغوجية، وكذا المناهج الدراسية المعتمدة، التي تجمع بين التكوين العلمي والتأهيل العسكري، فضلا عن الوسائل البيداغوجية المسخرة لدعم المنظومة التكوينية، في إطار الجهود الكبيرة والمتواصلة التي تبذلها القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي في سبيل الاحترافية والجاهزية الدائمة.
تكوين عالي المستوى لإعداد نخبة من القادة
منذ الدخول لأول وهلة إلى هذا الصرح العسكري، تتضح معالم بنية تعليمية متكاملة، تُراهن على الجمع بين الصرامة العسكرية والتكوين العلمي عالي المستوى، أين تنتظم قاعات التدريس في فضاءات عصرية مجهزة بوسائل سمعية، بصرية حديثة، تعرض فيها مبادئ خوض المعارك الحديثة والخطط التكتيكية، كما تحلل السيناريوهات العملياتية الميدانية بدقة احترافية.
مع دخولنا البهو الشرفي، استقبلنا المسؤولون المكلفون بالإشراف على المدرسة، استعرضوا خلال فترة تواجدنا هناك تاريخ المؤسسة منذ تأسيسها، وتمكنا من التعرف على الدفعات المتخرجة من بينها قادة أركان الدول الأجنبية “الشقيقة والصديقة”، الذين تلقوا تكوينهم هناك، يضم البهو أيضا متحفا صغيرا يوثق مراحل التحاق الدفعات حتى الوصول إلى المقر الحالي، ويعد مرجعا بصريا للتاريخ المؤسسي، حيث يتم التقاط صورة لكل دفعة سنويا وتخزينها ضمن أرشيف المدرسة.
توجهنا بعد ذلك إلى المجمع البيداغوجي، قلب المدرسة النابض، الذي يضم 21 قاعة دراسية مزودة بشاشات تفاعلية، ومركز للغات الأجنبية، ومخابر للإعلام الآلي، ومخابر لتقنيات الاتصال، بالإضافة إلى خمس مدرجات مجهزة بأحدث الوسائل السمعية، البصرية، أين يتم تدريس مختلف التخصصات، من التأمين اللوجستي والهندسي، إلى الإسناد الناري والدفاع عن ساحل البحر، مع التركيز على التنسيق والتحليل الرقمي بين مختلف العمليات والمهام داخل المعارك، كما تم تصميم القاعات التخصصية لتعميق المعارف وتنمية الكفاءات في مجالات القيادة والأركان، بما يسمح للضباط المتربصين بتطبيق ما تعلموه عمليا في ظروف تحاكي الواقع الميداني.
اللغات الأجنبية “سلاح ناعم” لتطوير مهارات القادة
ونحن نطوف بأرجاء المدرسة للإطلاع على مرافقها البيداغوجية بما تحتويه من معدات متطورة، سنحت لنا الفرصة من أجل الدخول إلى مخبر اللغة الإنجليزية ثم باقي القاعات المتخصصة في اللغات الأجنبية والإعلام الآلي، حيث حرصت المدرسة على صقل مهارات الضباط المتربصين في هذا المجال، من خلال تلقيهم تكوينا لغويا مكثفا، يتقدمّه الاهتمام باللغة الإنجليزية باعتبارها لغة التكنولوجيا والبحث العسكري الحديث، وجعل اللغات الأجنبية سلاحا ناعما إضافيا في يد القائد، يمكّنه من الإطلاع على أحدث الدراسات العسكرية ومواكبة تيار التطور العالمي.
كما يشمل التكوين لغات أخرى على غرار الروسية والصينية، وحتى الفرنسية والإسبانية، كما لفت محدثون أن التركيز على تعلم هذه اللغات وإتقانها بشكل جيد من أجل تعزيز قدرة الضباط مستقبلا على التواصل مع الشركاء الدوليين وغيرها من المهام.
ويركّز المركز التربوي على تعليم اللغة الإنجليزية للمتربصين بهدف تمكينهم من المهارات اللغوية الأساسية وتأهيلهم لمستوى دولي، مع تزويدهم بالمعارف اللغوية الضرورية للإطلاع على الوثائق، تصفح الكتب والقواميس، واستغلالها في المجال العسكري، بالإضافة إلى تنمية رصيدهم اللغوي المرتبط بالمصطلحات الفنية والتكتيكية تحت إشراف أساتذة ومؤطرين ومستخدمين مدنيين شبيهين.
إلى جانب ذلك، يحظى الضباط بتكوين مكثف في تقنيات الاتصال والإعلام الآلي بالتحكم في نظم القيادة والسيطرة، واستيعاب أدوات التحليل الرقمي، من أجل المساهمة في خفض الخسائر ورفع فعالية الأداء العملياتي خلال المعركة الميدانية، وهو ما لمسناه خلال توجهنا نحو مخبر الإعلام الآلي المزود بمعدات تقنية حديثة، حيث ركز المسؤولون عن المدرسة من خلال هذا المخبر على إعداد ضابط وقائد معاصر بما يتماشى مع استراتيجية الجيش المتجهة نحو الرقمنة الميدانية للمعارك.
التدريب الافتراضي والمحاكاة.. المعركة قبل وقوعها
أحد أبرز محطات الجولة كان مركز التدريب والمحاكاة، يتم الاعتماد داخله على أساليب التدريب الحديثة، كما يتم من خلاله وضع الضباط المتربصين في بيئة افتراضية مماثلة لظروف المعركة الحقيقية حيث تتحول الخرائط الورقية إلى نماذج رقمية دقيقة، ويسقط السيناريو العملياتي على برامج متطورة يتم تحينها سنويا وفق متطلبات الأسلحة والتطورات العالمية.
يشمل التدريب على جميع الأسلحة للقوات البرية منها مدفعية الميدان، وكشف مرافقونا في هذا الصدد أن التركيز حاليا على هذه التدريبات الافتراضية، منصب على مواكبة التغيرات العالمية في المجال العسكري خاصة الطائرات من دون طيار والأمن السيبراني والتصدي للهجمات الإلكترونية، وتعزيز قدرة القادة والأركانات على التحليل واتخاذ القرار في الوقت المناسب، حيث يتم تدريبهم على كيفية تحليل المعطيات، ودراسة المواقف التكتيكية في مختلف ظروف الأعمال القتالية، واتخاذ الإجراءات والقرارات المناسبة.
تجربة دولية لتكوين قادة الجيوش الأجانب
خلال جولتنا داخل مدرسة القيادة والأركان “الشهيد سي الحواس”، لمسنا مدى التنوع الذي يثري تجربة التكوين، حيث تستقبل المدرسة ضباطا متربصين من مختلف الدول لتلقي دروس القيادة والأركان، ومن أبرز هذه البلدان السعودية، مصر، تشاد، موريتانيا، فلسطين، فرنسا وقطر، حيث يدخل هؤلاء الضباط إلى جانب المتربصين الجزائريين القاعات الدراسية بزيهم الرسمي المنتظم، وسط أجواء من الانضباط العسكري والجدية.
كما منحت هذه التجربة الضباط المتربصين من مختلف الجنسيات القدرة على التفاعل مع زملائهم وتبادل الخبرات وفهم أساليب القيادة، في إطار تعزيز التعاون بين الجيش الشعبي الوطني وجيوش هذه الدول.
اللواء محمد عمر: المدرسة قطب وطني لصناعة القادة العسكريين
وعلى هامش الزيارة، أكد اللواء محمد عمر، قائد المدرسة، أن هذه الأخيرة تولي أهمية قصوى للتكوين النوعي لفائدة الضباط المتربصين، حيث لم تدخر أي جهد لضمان تحصيل دروس القيادة والأركان في شقيها النظري والعملي، بما يسمح باستغلالها وتطبيقها ميدانيا داخل الوحدات القتالية، كما تحرص، يضيف المتحدث، على تلقين المواد العلمية والتقنية واللغات الأجنبية، وتمكين الضباط من التكيف مع مختلف المستجدات والتطورات العسكرية والتكنولوجية التي يشهدها العالم المعاصر.
وكشف اللواء أن مدرسة القيادة والأركان “خزان من الكفاءات” تساهم في تطوير التكوين العسكري العالي من خلال مقترحاتها ودراساتها وبحوثها المتخصصة في مجال القيادة والأركان، واعتماد مناهج تدريس وبرامج تعليمية حديثة، واستغلال هياكلها ورفع قدراتها لتكون في مصاف المدارس العسكرية العالمية، لاسيما في مجال إعداد مورد بشري يمتاز بالمهنية والاحترافية العالية.
وأوضح اللواء أن الجيش الوطني الشعبي ظلّ على الدوام يعمل على صون مقدرات الوطن، وجعل من الواجب والانضباط والتفاني في خدمته عقيدة راسخة.
وأشار المتحدث إلى أن الهدف من هذه الزيارة يتمثل أساسا في التعريف بمدرسة القيادة والأركان “الشهيد حمودة أحمد المدعو سي الحواس”، من خلال تنظيم ورشات ميدانية تُبرز مختلف الدروس التي يتلقاها الضابط المتربص في مسار القيادة والأركان.
المصدر: الشروق
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





