أفريقيا برس – الجزائر. يفتح الترسيم المرتقب لمشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، إمكانية متابعة الأطراف التي تورطت في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الجزائر إبان الحقبة الاستعمارية، وهو ما سبق للسلطات الفرنسية أن عبرت عن مخاوفها من حدوثه عندما كانت تتدخل لدى السلطات الجزائرية في حالات سابقة من أجل منع تمرير هذا القانون في أكثر من مناسبة.
وقال مصدر نيابي مطلع على حيثيات المشروع القانوني، إن متابعة كل من تورط من الجنود والضباط الفرنسيين في الجرائم بكل أشكالها في الجزائر، وعلى رأسها جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، وارد في نص المشروع قيد الدراسة، وقد أشار إلى ذلك بما أسماه “تثبيت المسؤوليات”.
وتستند أحقية المتابعة القضائية ضد المتورطين في جرائم الحرب، حسب المصدر ذاته، في تأكيد مقترح مشروع القانون، على أن جرائم الاستعمار الفرنسي ضد الشعب الجزائري “لا تسقط بالتقادم”، كما يوجه تهمة “الخيانة العظمى” إلى أولئك الذين حاربوا في الجيش الفرنسي ضد إخوانهم الجزائريين، في إشارة إلى “الحركى”، الذين كرّمتهم الدولة الفرنسية في أكثر من مناسبة، بعد اتهامات داخلية طالتها بالتفريط فيهم.
وكانت فرنسا قد أصدرت قوانين عفو لحماية مسؤوليها وضباطها وجنودها من الملاحقات القضائية (مثل قوانين 1962، 1968، 1982) لمنع محاكمة مرتكبي جرائم الحرب في الجزائر خلال حقبة الاحتلال، بمن فيهم أعضاء منظمة الجيش السري الإرهابية (OAS)التي ولغت كثيرا في دماء الجزائريين، لاسيما بعد قرار وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962، وقد اعتبرت الجزائر ذلك بمثابة إفلات من العقاب.
وبينما يدافع بعض الفرنسيين ممن يحنون إلى “الجزائر الفرنسية”، بالقول إن اتفاقيات إيفيان وما تلاها من ترتيبات الاستقلال، منحت الحصانة للمتورطين في جرائم الحرب في الجزائر من المتابعة القضائية، تؤكد القوانين الدولية ذات العلاقة، بأن جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وفق المصدر.
واستنادا إلى المادة 29 من نظام روما الأساسي، فإن مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، تفتح المجال أمام محاكمة مرتكبيها في أي وقت بغض النظر عن مرور الزمن، كما يعزز هذا التوجه أيضا اتفاقيات دولية أخرى، مثل اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يؤكد عدم سقوطها بالتقادم، مما يضمن عدم إفلات المتورطين من العقاب.
كما لا يستبعد أن تكون هناك محاكمات رمزية للمجرمين والقتلة من جيش الاحتلال الفرنسي ممن غادروا الحياة، وعلى رأسهم الضباط من غلاة “الجزائر فرنسية”، من أمثال الجنرالات راؤول سالان، وإدموند جوهو، وجاك ماسو، وموريس شال، الذين أسسوا منظمة الجيش السري الإرهابية، ووفروا لقادة هذه المنظمة الحماية والتمويل والتسليح، فضلا عن كل من ثبت تورطه في الجرائم التي لا تسقط بالتقادم.
وعلى الرغم من أن المستوى السياسي في الجزائر، لم يطالب رسميا الدولة الفرنسية بالتعويض عن جرائم القتل والإبادة وسرقة ونهب الثروات الجزائرية واكتفى بالمطالبة بالاعتراف، إلا أن المصدر النيابي أكد أن التعويض يعتبر بندا أساسيا في المشروع قيد الدراسة، من خلال “ضرورة اتخاذ التدابير السيادية التي أشارت إليها البنود والمواد لتحميل الأطراف وتعويض الضحايا وذويهم ولاسيما ما تعلق بالتفجيرات النووية”، التي لا تزال تقتل إلى غاية اليوم بعد نحو ستة عقود من انتهاء الحرب.
وقد حاولت فرنسا في سنة 2010 التخفيف من حدة الانتقادات التي وجهت إليها بشأن عدم تحمّل مسؤولية تعويض الجزائريين، فقررت سن ما يعرف بـ”قانون موران”، لتعويض ضحايا التجارب النووية، غير أنها قيدته بإجراءات وتدابير يصعب تجاوزها، فبقي هذا القانون مجرد حبر على ورق، بل ولم تكتف بذلك، وواصلت في تعنتها برفض تسليم خرائط دفن نفايات تجاربها النووية والكيميائية في جنوب البلاد، وكذا عدم تجاوبها مع مطالب الجزائر بتنظيف أماكن تلك التجارب التي خلفت إشعاعات قاتلة للإنسان والطبيعة والحيوان، في موقف لا يمكن أن يصدر إلا من دولة مارقة.
المصدر: الشروق
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





