محمد عزام
أفريقيا برس – مصر. مع أن “جهيزة قطعت قولَ كلِّ خطيب”، لا يزال حديث المصالحة المشتهاة بين السلطة المصرية و”الإخوان” يروج بين الرائح والغادي من سواد جماهير مواقع التواصل، وقبلهم معلقون ومحللون ذهبوا يميناً ويساراً تقييماً لأهمية ما وصف بـ “المبادرة” الصادرة عن قيادات من الجماعة والمعارضة، والصواب أنهم اثنان فقط أحدهما محمد عماد صابر، يمثل جناحاً من شتات “الإخوان” ولا يعد من أبرز كوادره، والثاني هو الدكتور أيمن نور رئيس وربما القيادة الوحيدة في حزب يدعى “غد الثورة”، على ما جاء في التقرير الأول الصادر في صحيفة الشرق الأوسط السعودية، قبل أن يجري نسخه بآخر، عنوانه “‘مصالحة الإخوان’… حديث متكرر ‘لا يلقى اهتماماً في مصر ‘”، وهي أعجل متابعة إخبارية تستحق التسجيل في موسوعة غينيس، بعدما قطعت بضد قصة صنعتها الجريدة ذاتها مصداقاً لبيت الشعر “كلام الليل يمحوه النهار”.
إلى هذا الحد كان يفترض أن ينتهي المولد فصاحبه غائب، وهو هنا الطرف الأقوى، أي السلطة التي لم يتوقف الجانب الآخر، أي “الإخوان”، عن القيام بالخطوة الأولى تجاهها دون أي رد أو اهتمام منها في تعامل يصح وصفه بالماسخ، لكثرة ما عرض من “مبادرات” متخيلة لم تتوقف منذ 2013 وحتى اليوم بعضها كان عبر لقاءات مباشرة مع قيادات رفيعة من الجماعة ووسطاء مصريين وغربيين، وأخرى شخصية كما الحالية، وكلها خرجت عبر قنوات إعلامية ما تلبث أن تحوز اهتماماً هي وكل من له صلة لتفتح نقاشات وتخرج تحليلات أكثرها رغبوية يتضح في كل مرة أنها تقيم وهماً منعدماً، فلا أفق حقيقياً لحلحة الوضع الجامد في بلاد شيعت فيها السياسة إلى مثواها الأخير وشبعت مواتاً منذ 2013، وليس أدل على ذلك من قول الرئيس عبد الفتاح السيسي في ملأ من قومه خلال شهر فبراير/شباط 2018: “أنا مش سياسي.. واللي حصل من 8 سنين في مصر مش هيتكرر تاني” قاصداً ثورة يناير، ومن نافلة القول إن الإخوان كما غيرهم من المشاركين الأساسيين في أحداثها، يقبعون داخل السجون أو في المنافي، وما كل تلك “المناشدات” سوى علامة على حالة من التيه يأساً من العثور على مخرج لحلحلة المشهد، حتى لو كان لا يعدو عملياً مجرد فتح باب لإمكانية حوار لم تصل عملياً إلى تماس مصالحة متمناة بعد سنوات مات فيها الأمل جراء الإهمال الطبي داخل المعتقلات.
هذا هو بيت القصيد، الجماعة تبحث عن خلاص لألم طال زمنه وتخطى حدوده يدفع ثمنه آلاف من أعضائها مسهم وأهلهم الضر، لذا تتواتر المبادرات في كل عام أو عامين فردية أو مؤسسية، سرية أو علنية. خذ عندك في شهر أغسطس/آب 2024، طرحت واحدة بموجبها تتعهد الجماعة بالتوقف عن القيام بأي عمل سياسي لمدة 15 عاماً، وتعتذر عما قامت به من ممارسات في أعقاب سقوط حكم “الإخوان” في 2013، مقابل الإفراج عن عناصرها، وطَيِّ صفحة الماضي، وفي يوليو/تموز 2022، تعهد القائم بأعمال المرشد العام إبراهيم منير، أن الجماعة لن تخوض صراعاً جديداً على السلطة في مصر، مؤكداً أن الحوار الوطني المُعلن عنه وقتها بين الحكومة وجماعات معارضة مختارة ليس مبادرة جادة، ولا يمكن أن يحقق نتائج إذا تم استبعاد “الإخوان” منه، وقبله بعام، قال أسامة سليمان المتحدث باسم الجماعة: “نحن نقدر أن لكل شيء ثمناً، ولكننا لن نقدم أثماناً مجانية لأحد، ولكل حدث حديث، وإذا وجدنا حواراً جاداً مع أي جهة سنتقدم خطوات، وسنكون واقعيين ومنفتحين تماماً لوضع حد لمأساة المعتقلين الذين نضع قضيتهم على رأس أولويات عملنا”.
في الإبان بماذا ردت السلطة؟ يجيب مصدر مطلع على تلك الأطروحات، إن من بيده القرار توقف عن الاهتمام بحلحلة الأزمة مع الجماعة بعد انتخابات يونيو/حزيران 2014 الرئاسية، وقد سبقتها مبادرات بعضها طرحته شخصيات مشاركة في الحكم مثل التي أعلنها في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 السفير عز الدين شكري، وكان متحدثاً رسمياً باسم لجنة المسار الديمقراطي أحد روافد مجلس الوزراء وقتها، وبمقتضى المبادرة كان على الرئيس محمد مرسي الإعلان عن تنحيه من منصبه (الورقة الوحيدة الحقيقية التي كان يمكن عبرها الوصول إلى تسوية)، ويعلن المرشد العام حل جماعة الإخوان المسلمين، محمد بديع، وتقديم بيان بكافة مصادر تمويلها الداخلية والخارجية منذ توليه منصبه وأوجه إنفاق هذا التمويل، وبعدها بعدة أشهر عرض وسيط غربي على الدكتور محمد علي بشر عضو مكتب الإرشاد، مبادرة أخرى، وبمجرد أن أبدى تفهماً وإمكانية للسير في حل للأزمة جرى اعتقاله وتوقيفه، وعلى الهامش جرت اتصالات مع قيادات في مؤسسات أمنية خلال عام 2017، لكن جاء الرد بالرفض، كما تكرر الأمر على مستوى أقل خلال العام الماضي عبر وسيط إعلامي وفي حضور ممثل سابق لجهاز أمني ولم يعودوا بإجابة كذلك.
الحال هذه تشبه ما كان الوضع عليه خلال عهد الرئيس عبد الناصر فقد بقي “الإخوان” في السجون ولم يخرجوا إلا بعد وفاته وتحديداً عندما شعرت السلطة بالحاجة إلى دوزنة المجال العام المشبع بالأفكار اليسارية، فكان أن أفرغت سجونها من قيادات الجماعة وترك حرية العمل لهم، لذا فالسؤال الدقيق ليس هل تتصالح السلطة المصرية مع الإخوان؟ وإنما لماذا ومتى تتصالح معهم؟ وقد أوشكت أن أجعل العنوان لماذا لن يتصالحا، فالسياقات والظروف والخبرة التاريخية تقول إن دولة يوليو لا تفرغ معتقلاتها إلا بعد أزمة داخلية خانقة مثل احتجاجات واسعة أو فقدان للشرعية السياسية (ما جرى في 2011 وبعدها)، أو الحاجة إلى توازن قوى لمواجهة معارضة داخلية قوية (اليسار بعد عام 1971)، أو ضغوط داخلية وخارجية (ما جرى مع الرئيس حسني مبارك في الثمانينيات وبعد 2004) وغالباً ما تكون تلك المصالحات تسوية مؤقتة تكتيكية، وليست استرايتيجة هدفها الاستمرارية أكثر من فتح باب لبناء دولة ديمقراطية، خاصة أن السلطة الحالية ترى أي مقدار من المعارضة تهديداً وجودياً وسرديتها المتوخاة إما هي أو “الإخوان”، وهي ليست للبيع إلى الداخل، فقبضتها الأمنية تكفيها شعبها، وإنما تروجها للإقليم والغرب مصدر الشرعية الأساسي والمهتم باستقرار من يتحالف معه ويحقق مصالحه.
هكذا لن تتحرك السلطة إلا إذا شعرت بأن المصالحة مكسب وليست خسارة لتلك الأطراف الخارجية التي لا تستطيع الاستغناء عنها، كأن تواجه قوة سياسية أو شعبية لا يمكن تجاهلها مثل ما جرى في جنوب أفريقيا بعد تصاعد المعارضة وتغير الظرف الدولي أو في سياق صفقة إقليمية كبرى، أو في حالة وقوع تغييرات في القيادة مثل إسبانيا بعد الجنرال فرانكو، وكلها سيناريوهات تتطلب تنازلات متبادلة لكنها ليست محتملة في المدى المنظور، وإن كان المصريون يأملون في أن تتسع أخلاق الرجال وتتوقف حملات استنزاف وطن غارق في مشاكل ليس لها أول من آخر، خاصة أن الظرف الإقليمي شديد الخطورة وعموماً في جميع الأحوال، كما تقول المطربة نادية مصطفى، “الصلح خير”.
المصدر: العربي الجديد
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر عبر موقع أفريقيا برس