أزمة السفارات المصرية… مقاربات مختلفة لـ”دبلوماسية الغضب”

5
أزمة السفارات المصرية... مقاربات مختلفة لـ
أزمة السفارات المصرية... مقاربات مختلفة لـ"دبلوماسية الغضب"

أفريقيا برس – مصر. لم يمر سوى ساعات على توقيف السلطات البريطانية المواطن المصري، أحمد عبد القادر، رئيس ما يسمى بـ”اتحاد شباب المصريين في الخارج”، حتى تحولت الواقعة إلى محور حملة سياسية وإعلامية داخل مصر، تقودها أطراف محسوبة على السلطة، وتقوم على خطاب التصعيد والتهديد بالمثل في مواجهة لندن. وكان وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، قد ربط أزمة السفارات المصرية بما وصفه بـ”خدمة الاحتلال الإسرائيلي”.

وتصاعدت الأزمة الأسبوع الحالي، مع إعلان الشرطة البريطانية، أول من أمس الأربعاء، القبض على الشاب المصري يوسف حواس على خلفية مشاركته في واقعة حماية مبنى السفارة المصرية في لندن، خلال محاولة اعتداء. وكان قد سبق ذلك القبض على أحمد عبد القادر (ميدو)، رئيس اتحاد شباب مصر بالخارج، ونائبه أحمد ناصر، في الواقعة نفسها، قبل أن يُفرج عنهما لاحقاً. وبعد التحرك السريع لوزير الخارجية والهجرة المصري، بدر عبد العاطي، الذي أجرى اتصالاً عاجلاً مع مستشار الأمن القومي البريطاني، جوناثان باول، مطالباً بالإفراج عن عبد القادر، دخلت أحزاب وقوى سياسية وإعلامية موالية للنظام المصري على خط الأزمة. روّجت تلك الأحزاب والقوى فكرة “المعاملة بالمثل”، وصولاً إلى حد التلويح بإجراءات تمس الوضع القائم للبعثات الأجنبية في القاهرة وإزالة الحواجز الأمنية المحيطة بمقراتها وسط القاهرة.

أحزاب على خط أزمة السفارات المصرية

في هذا السياق، أعلن حزب الجبهة الوطنية، في بيان أول من أمس الأربعاء، تضامنه مع بيان الخارجية المصرية حول الاتصال عبد العاطي وباول، وذهب أبعد من ذلك بالمطالبة بإزالة الحواجز الخرسانية المحيطة بالسفارة البريطانية في منطقة “غاردن سيتي”، وإلزامها بما تلتزم به باقي السفارات الأجنبية. واعتبر الحزب أن “الوقت قد حان لإعادة النظر في المعاملة الممنوحة للبعثات البريطانية”، في إشارة واضحة إلى مبدأ المعاملة بالمثل.

لكن الحزب المرتبط بشكل وثيق برجل الأعمال، إبراهيم العرجاني، لم يكن وحده؛ إذ رددت صحف وبرامج حوارية العبارات نفسها تقريباً، مركزة على أن كرامة المصريين “خط أحمر”، وأن لندن يجب أن تعتذر رسمياً عن الواقعة. وجرى تقديم القضية كصراع كرامة وطنية أكثر من كونها إجراءً قضائياً بحق شخص يواجه اتهامات محددة. وإلى جانب الأحزاب، ساهمت المنابر الإعلامية المحسوبة على الدولة في تضخيم الأزمة، عبر لغة أقرب إلى “المكايدة السياسية” منها إلى الدفاع الدبلوماسي. فالمقالات والتغطيات التلفزيونية ركزت على ضرورة “رد الاعتبار” لمصر، وتبني خطاب “لا نحمي من لا يحمينا”، وهو الشعار الذي أطلقه حزب “الجبهة” وتحول إلى أزمة متكررة في الأوساط الإعلامية.

انتقادات للدولة

ووجّه خبراء دبلوماسيون انتقادات لتعامل الدولة مع أزمة السفارات المصرية بالخارج، معتبرين أن اللجوء إلى الاستعانة بمواطنين مؤيدين للتصدي لمتظاهرين، يمثل مساراً غير سليم، في حين أن القواعد الدولية واضحة وهي أن تأمين السفارات هو واجب الدولة المضيفة أولاً. وأشار هؤلاء إلى أن الإجراء الصحيح يبدأ بتوثيق الاعتداءات، ثم استدعاء الشرطة المحلية، وفي حال الإخفاق في الاستجابة يكون الرد عبر الاحتجاج الدبلوماسي والمعاملة بالمثل، وليس عبر خلق “مواجهات شعبية” تفتح الباب لمشكلات قانونية.

وفي السياق، قال السفير المصري السابق، معصوم مرزوق، إن دعوات إزالة الحواجز المحيطة بالسفارة البريطانية في القاهرة لا تعدو كونها “تعبيرات غاضبة لموقف طارئ”، مؤكداً أن أي إجراءات تتخذها مصر لحماية البعثات الدبلوماسية على أراضيها هي في الأصل واجب قانوني وأمني. وفي رأيه “إذا كانت هذه الإجراءات غير ضرورية لتأمين البعثة، فلا مانع من رفعها دون تشنج أو انفعال، لأن القانون الدولي يفرض التزاماً واضحاً على بريطانيا بتوفير الحماية لمقر وأعضاء البعثة المصرية في لندن”. المعيار الأساسي، وفق مرزوق، هو “مدى قدرة الإجراءات الأمنية على توفير الحماية الفعلية، فإذا رأت مصر أن ذلك ممكن حتى بعد إزالة الحواجز، فلا يوجد عائق قانوني أمامها”. لكنه استبعد أن تُقدم القاهرة على هذه الخطوة دون تنسيق كامل مع السلطات البريطانية، مشدداً على أن الأمر، إن حدث، ينبغي أن يتم بالشكل والتوقيت اللذين لا يسببان أي خلل أمني قد يضر بالسفارة أو بسمعة مصر.

أما عن ردود الأفعال في الداخل المصري، فانتقد مرزوق ما وصفه بـ”التسخين الإعلامي” والدعوات لحض المصريين في المهجر على حماية السفارات المصرية بأنفسهم، معتبراً أن “هذا ليس دورهم، ولن يحققوا منه سوى إثارة الشغب بالقرب من البعثات، وربما التعرض للمحاسبة القانونية وفقاً لقوانين الدول المضيفة”. ويتمثل السبيل الأمثل، بحسب مرزوق، في “التنسيق المستمر بين السفارات المصرية ووزارات الخارجية في الدول المضيفة، بحيث تقوم الأجهزة الأمنية المحلية بواجبها في الحماية”. ولفت إلى ضرورة الانتباه إلى أن حصانة مبنى البعثة لا تمتد إلى خارجه، محذراً من التعرض لأي شخص خارج الأسوار أو محاولة جذبه بالقوة إلى داخل المقر، لما قد يترتب على ذلك من مخاطر قانونية جسيمة.

في المقابل، سعت الخارجية المصرية إلى صياغة خطاب مختلف، أكثر تماسكاً. ففي مقال له بعنوان “مصر وغزة: عندما يُستهدف مناصرو الحق” نشره في الأهرام ويكلي، الاثنين الماضي، قدّم عبد العاطي رواية رسمية تؤكد أن استهداف السفارات المصرية هو عمل “يخدم الاحتلال الإسرائيلي”، وذلك عبر تشتيت الضغط الدولي عن جرائمه في غزة وتحويل الغضب نحو مصر. وشدد عبد العاطي على أن حماية البعثات مسؤولية الدول المضيفة بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961)، واصفاً الهجمات على السفارات بأنها “اعتداء على السيادة وضرب للذات الوطنية”. كما أبرز دور مصر في إبقاء معبر رفح (بين مصر وقطاع غزة) مفتوحاً، وإرسال آلاف الشاحنات بما يمثل أكثر من 70% من إجمالي المساعدات الإنسانية إلى القطاع، فضلاً عن استضافتها مؤتمرات دولية لدعم الفلسطينيين. وفي رؤيته، فإن تحويل الغضب الشعبي من إسرائيل إلى مصر يمثل “تزييفاً للوعي” ويصبّ في مصلحة الاحتلال.

وأكد وزير الخارجية المصري أن موقف بلاده من القضية الفلسطينية “واضح وثابت”، يقوم على رفض أي مخطط لتهجير الفلسطينيين أو تصفية قضيتهم أو المساس بحقوقهم المشروعة. وبنبرة تهديد واضحة حذّر من أن السياسات الإسرائيلية الرامية إلى دفع سكان قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة نحو التهجير، تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، ومن شأنها أن تطلق موجات غير مسبوقة من الفرار والهجرة غير النظامية، لا تهدد استقرار المنطقة فحسب، بل تمتد تبعاتها لتطاول أوروبا والعالم بأسره.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here