مصر إذ تفشل في إدارة معركة السفارات

3
مصر إذ تفشل في إدارة معركة السفارات
مصر إذ تفشل في إدارة معركة السفارات

عمر سمير

أفريقيا برس – مصر. شوهد في الأسابيع القليلة الماضية حراكٌ كبيرٌ من المتظاهرين أمام سفارات مصرية في أوروبا والولايات المتحدة، وهو الحراك الذي انقسم القائمون به والجمهور المصري حوله إلى فريقين، فهي تظاهراتٌ لفريق عفوي غاضب من السياسة المصرية طوال هذه الحرب، بدأت لدعم غزّة باعتبار أن مصر هي من تغلق المعابر أو على الأقل لا تستطيع إدخال المساعدات الإنسانية، سواء بالتنسيق مع الاحتلال أو رغماً عنه لمنع كارثة التهجير المحققة، الفريق الآخر يبدو منظماً في ردة فعل على هذه التظاهرات، ويدّعي الدفاع عن الدولة المصرية، ويردّد عبارات ومقولات محفوظة أن القائمين على التظاهر أمام مقارّ البعثات الدبلوماسية المصرية في الخارج هم مأجورون أو إخوان أو معارضة يجب سحقها بالطرق التقليدية التي تتعامل بها الداخلية المصرية مع المواطنين في الداخل.

في أثناء هذه المعركة، شهدنا تصعيداً واستقطاباً حادّاً ليس غريباً على مصر والمصريين طوال الأعوام الـ15 الماضية منذ العام 2011، وهي الاستقطابات والانقسامات التي تفاقمت بعد انقلاب 3 يوليو (2012)، حتى ظهور فئة من المواطنين تعارف المصريون على تسميتهم المواطنين الشرفاء ممن يتطوّعون أو يكلفون بملاحقة أي معارض مصري في الداخل، الظاهرة يجرى تصديرها في موقف السفارات.

بدأت الأحداث عندما أغلق أحد المصريين في الخارج، وهو الناشط واليوتيوبر أنس حبيب، السفارة المصرية في هولندا بجنزير وقفل احتجاجاً على حجج النظام المصري غير المقنعة لغالبية المصريين والعرب بأن المعابر مفتوحة من الجانب المصري ومغلقة من الجانب الفلسطيني الذي تحتله إسرائيل، لاحقاً، توسّعت مثل هذه الفعاليات إلى سفارات أخرى في ألمانيا أو بلجيكا أو المملكة المتحدة، وأخيراً عندما احتج الناشط المصري أنس حبيب أمام السفارة المصرية في لندن، حاول شخصان التصدّي للاحتجاج الجديد، لكن الشرطة البريطانية منعتهما وقبضت عليهما، لتوكل السفارة المصرية محامياً، ويتصل وزير الخارجية بمسؤولي الأمن القومي للمملكة المتحدة لمحاولة الإفراج عنهما، وتنقلب الصحافة والإعلام المصريين بأن مصر لن تتركهما.

في أثناء ذلك، جرى تسريب لوزير الخارجية المصري يطالب فيه السفارة وأمنها بفعل ما في وسعهم لمنع المتظاهرين من لمس أسوارها حتى لو اضطروا لاستخدام العنف المفرط، وفي معرض حديثه، وجه توبيخاً ولوماً شديداً للسفير المصري في هولندا لعدم قدرته على منع تلك الاحتجاجات، وأخذ كل الاحتياطات لمنع تكرارها ولو باستعمال الأساليب نفسها التي تستعملها السلطات المصرية في الداخل لتكميم أفواه المصريين.

انقسمت الأصوات في الداخل المصري حول أغراض الاحتجاج أمام السفارات المصرية وأهدافها وجدواها، ولماذا لا تكون أمام سفارات الكيان الصهيوني؟ وهل مصر حقا تغلق المعابر أم لا؟ وهناك من ذهب إلى أن مصر أدّت ما عليها وزيادة، سواء في ما يتعلق بجمع المساعدات أو الوساطة أو الحراك الدولي، وواصل آخرون استراتيجية لوم الضحايا وتقطيعهم. وبالطبع، رد بعضهم على هذا الكلام بأن مصر لم تقم بما عليها القيام به عندما احتلت إسرائيل محور صلاح الدين (فيلادلفي)، وهو خرق لاتفاقات السلام وملحقاتها الأمنية، ولم تؤدّ واجبها عندما ضربت إسرائيل المعبر أربع مرّات، واكتفت بترميمه، ولم تقم بواجبها أيضاً عندما تراخت عن الانضمام سواء لدعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، أو حتى الانضمام لمجموعة لاهاي المطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني، وكل هذه أمور تصبّ في صالح الأمن القومي المصري، وهي كلها من دون الحرب، بل كانت قد تؤتي ثماراً جيدة لوقف الحرب، أو تشكل أدوات للضغط على إسرائيل، وإجبارها على القبول بأية صفقات تريدها مصر والمنطقة وتحول دون التهجير والدمار الحاصلين.

بغضّ النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع فكرة التظاهر أمام السفارات وجدواها، وهي حرفياً المساحة الوحيدة الآمنة للمصريين للتعبير عن آرائهم والعودة إلى بيوتهم سالمين، فقد قبض على مئات المصريين في العامين الماضيين بتهم تتعلق بالتظاهر ورفع أعلام فلسطين والانضمام إلى جماعات إرهابية لمجرّد كتاباتٍ لدعم فلسطين على مواقع التواصل. ولكن اللافت للنظر في التعامل مع ما حوّلته معركة السفارات هو أداء الدولة المصرية في هذا الملف، فقد كان أسوأ مما يتخيل أي شخص، بل إن الخارجية لم يكن أحد يتخيّل أن تدير الملف بهذا القدر من السوء والفشل، خصوصاً أنها تعلم أن غالبية الـ15 مليون مصري في الخارج غير راضين عن الوضع العام في البلاد، وأغلبهم شديد الاستياء مما يحدُث، وليس في ملف غزّة فقط.

ومنذ أول تسريب لوزير الخارجية، بدر عبد العاطي، يهين فيه السفير في هولندا والطاقم بطريقة تجعل أي منتسبٍ لوزارة الخارجية يشعر بالإهانة، خصوصاً ان هؤلاء السفراء فعلياً ليس لهم أي ذنب غير أنهم يعيشون في بلاد تتيح حرية رأي وتعبير شبه مطلقة، ولا قداسة لسفارة أو قنصلية فيها أمام حرّية الرأي والتعبير، ولا قدرة لها قانونياً لمنع جماهير تحتج أمام سفارة بلادها.

استدعت الخارجية والأجهزة السيادية الحشود المضادّة، على الطريقة نفسها في التعامل الداخلي، بحيث تصبح تظاهرات أمام تظاهرات، وكأن الموقف متساوٍ، وهناك مؤيدون ومعارضون، ثم ماذا يعني أن تطلب من أمن سفارتك أن يمارس البلطجة على مواطنيك أو أي متظاهر أمام سفارتك، كما لو كنت تتحدّث كمأمور قسم شرطة سيئ السمعة أو ضابط أمن مركزي يلاحق متظاهرين، من دون أن تراعي أنك في بلدانٍ لا بد أن تحترم قواعدها، كما أن وزير الخارجية هنا يتحدّث بلغة الناشط السياسي، ولا يراعي كونه مسؤولاً يفترض أن يمثل دولة بكل أطيافها، وما فيها من أفكار، فالخارجية وزارة للدولة المصرية، وليست ملكية للنظام السياسي، ولا يجب أن تتدهور إلى هذا القدر من الانحطاط.

كان من الممكن أن يمرّ الموضوع مرور الكرام، لو تجاهل النظام هذه التظاهرات، ولكن اختطاف أمن السفارات بعض الشباب أو تكليف آخرين بتهديد المتظاهرين والتعدّي عليهم أوجد موجة تعاطف عالمية ومحلية معهم، وأكّد كل ادّعاءات خصومه أن النظام في مصر ديكتاتورية عسكرية فاشلة في إدارة أكثر من ملف يمكن أن تربح فيه بأن يتغافل عن سلوك المتظاهرين أو يتركهم ليغلقوا السفارات تعبيراً عن غضب المصريين من استمرار الحرب، ويدعم موقفه المعلن الرافض التهجيرَ والحربَ، واستغلالها في الضغط باتجاه فرض إدخال المساعدات بأية طريقة.

صحيحٌ أن المعارضة كان يمكنها أن تستخدم هذه التظاهرات. ولكن يمكن أيضاً للنظام إعادة استخدامها لصالحه ولتقوية نفسه وموقفه، ليس فقط وسيطاً في عملية التفاوض، بل طرفاً محتملاً في الصراع، تأثر أمنه القومي بكل ما يجري في غزّة، وقد يتأثر استقراره وبقاؤه حال استمرار الحرب وتنفيذ المخطط الإسرائيلي لضم الضفة وغزة والاستمرار نحو تحقيق أحلام إسرائيل الكبرى، لكن طريقة التعامل معها أمنياً وإعلامياً تشير إلى فشل كبير وسوء إدارة لملف وقضية رابحة، بل يخسر النظام عديدين من مؤيديه بتحويلهم إلى معتقلين في دول إقامتهم وكشفهم أمام الإعلام والجمهور المصري والدفاع عنهم كما لو كانوا موظفين لديه بشكل أثار موجة من النقد والسخرية الشديدة.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here