بعد اتفاق البرهان-حمدوك.. هل يقف السودان على حقل ألغام؟

5
بعد اتفاق البرهان-حمدوك.. هل يقف السودان على حقل ألغام؟
بعد اتفاق البرهان-حمدوك.. هل يقف السودان على حقل ألغام؟

أفريقيا برس – السودان. الاتفاق الذي تم التوقيع عليه بين رئيس مجلس السيادة المؤقت في السودان عبد الفتاح برهان، ورئيس الحكومة عبد الله حمدوك، ما زال بعيداً عن تهدئة الجمهور في الدولة. الأحد الماضي، خرج عشرات آلاف المواطنين في تظاهرات حاشدة في الخرطوم والمدن الكبرى، وطالبوا بإلغاء الاتفاق ونقل السلطة لحكومة مدنية بصورة حصرية، دون مشاركة الجيش. كما هو متوقع، تم قمع المظاهرات بقسوة.

قتل أحد الشباب (16 سنة) وأصيب العشرات، بهذا ارتفع عدد القتلى في المظاهرات التي جرت منذ 25 تشرين الأول إلى 41 قتيلاً، وهو اليوم الذي حدث فيه الانقلاب العسكري. عدد المصابين قدر بأكثر من 400 شخص. “حمدوك باع الديمقراطية” قال المتظاهرون. “لقد وقع على اتفاق فرضه الجيش عليه بكونه سجيناً”، “يجب تقديم المسؤولين عن قتل المتظاهرين للمحاكمة”، طالبوا.

الاتفاق فيه 14 مادة، وينص ضمن أمور أخرى، على أن حمدوك لن يطلق سراحه فقط، بل سيكون رئيس الحكومة الجديد التي ستشكل من رجال تكنوقراط. إضافة إلى ذلك، تم الاتفاق على إطلاق سراح المعتقلين الذين تم سجنهم أثناء الانقلاب، وهي المادة التي بدأ تنفيذها ، وسيتم تشكيل برلمان ومحكمة دستورية، واستكمال تشكل مؤسسات الدولة الأخرى. ولكن هذا الاتفاق يحتوي أيضاً على ألغام قابلة للانفجار، التي قد تشكل ذريعة لحل الهيكل الهش للنظام المؤقت.

على سبيل المثال، تنص المادة 6 على أن “الفترة الانتقالية ستدار حسب اتفاق سياسي، يحدد إطار الشراكة بين القوى الوطنية السياسية والمدنية والمكون العسكري ولجان المقاومة والقوى الثورية وقطاع الشباب والنساء والكشافة”. من الذي سيقوم بصياغة الاتفاق السياسي؟ وما هي بنوده؟ ومن سيكون مصدر الصلاحية وكيف سيكون توزيع الصلاحيات بين الجيش والمكون المدني؟ لا يوجد في هذا الاتفاق أي تفسير أو تفاصيل، وكل جهة قد تفسر هذا البند كما تشاء.

بند آخر يتحدث عن التحقيق مع المسؤولين عن قتل وإصابة المتظاهرين. يبدو أن هذا البند لا يحتاج إلى تفسير. ولكن هل يمكن لمحققي الشرطة والقضاة المدنيين التحقيق ومحاكمة رجال جيش كانوا متورطين في قتل متظاهرين؟ ينص الاتفاق أيضاً على أن اتفاق جوبا، الذي تم التوقيع عليه في آب 2020، ونظم توزيع الصلاحيات بين مجلس السيادة المؤقت ومدة حكمه وتشكيل الحكومة ومؤسساتها، سيتم تطبيقه بالكامل. ولكنه الاتفاق نفسه الذي قام البرهان بالانقلاب بسببه.

ظاهرياً، في الأسابيع القريبة، من شأن البرهان التنازل عن منصبه كرئيس لمجلس السيادة المؤقت ونقله لشخص مدني لمدة 18 شهراً. أما زال هذا البند الذي يتضمنه اتفاق جوبا ساري المفعول، أم أن الاتفاق الجديد حول توزيع الصلاحيات سيؤثر على موعد نقل السلطة وعملية الإعداد للانتخابات المخطط إجراؤها في 2023؟

ترتيب مريح

لقد سارعت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي والنرويج إلى مباركة الاتفاق الجديد. وفي بيان مشترك حافل بالأمنيات والتوصيات، منحته هذه الدول شهادة الحلال التي قد تعيد للسودان المساعدات الأمريكية المجمدة بمبلغ 700 مليون دولار، وأن تضع شارة النصر بجانب بند السودان في الأجندة الدولية التي أصبحت فيها مثل مكرهة. يجب نسب السذاجة لهذه الدول، لا سيما على خلفية المواجهات الجديدة التي اندلعت، وإدراكها بأن الاتفاق الجديد قد جاء بصورة قسرية وليس من خلال اتفاق وطني، وأن الجيش سيواصل كونه الجهة صاحبة النفوذ في تقرير الخطوات في الدولة. ولكن يبدو أنه يوفر ترتيباً مريحاً يعرض عنواناً حكومياً يمكن للمجتمع الدولي التعايش معه بسلام، حتى لو لم يكن فيه حل بعيد المدى.

أظهر هذا الاتفاق قوة الجمهور مرة أخرى، وإن كان منقسماً وموزعاً بين قبائل ومناطق جغرافية وأيديولوجية. ومثلما تسبب الجمهور في إقصاء الدكتاتور عمر البشير في نيسان 2019، فإنه هو الذي منع سيطرة الجيش خلال أقل من شهر من حدوث الانقلاب. يمكن التقدير بأن الاتفاق الجديد والحكومة الجديدة التي سيشكلها حمدوك سيبقيان تحت رقابة الجمهور، التي أثبتت نفسها أكثر مما هو في دول أخرى حدثت فيها ثورة الربيع العربي.

الضمانة التي قد تضمن سلوك النظام القديم – الجديد الآن هو تدخل الدول الأجنبية، خصوصاً الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر و”إسرائيل”. فقد كانت رافعة تأثيرها العلاقات القوية التي أقامتها هذه الدول مع القيادة العسكرية، لا سيما مع البرهان، الذي أدرك بأنه لن يستطيع مواصلة حكمه بصورة حصرية دون المساعدات المالية الأمريكية وإسهام الإمارات ودعم سياسي من مصر و”إسرائيل”. الدولتان الأخيرتان طلبتا منهما الإدارة الأمريكية استغلال علاقتهما الجيدة لـ”يشرحا للبرهان طبيعة المسار المناسب”. ممثلو الموساد، ورئيس المخابرات المصرية عباس كامل، وصلوا إلى الخرطوم في الوقت نفسه، ويبدو أنهم نجحوا بشكل أكبر من النشاط الدبلوماسي لجيفري بالتمان، مبعوث الرئيس بايدن لصندوق إفريقيا.

نتذكر أن بالتمان وبايتون كنوفف كانا قد نشرا في أيلول 2020 في المعهد الأمريكي للسلام، مقالاً مبرراً حذرا فيه من الإسراع في التطبيع بين “إسرائيل” والسودان. “حكومة موحدة في السودان، تستند إلى تفويض من الجمهور، ستكون لديها قدرة أكبر على بلورة سلام دافئ وقابل للحياة مع “إسرائيل”، في حين أن أي اتفاق متسرع بين “إسرائيل” والسودان ستكون فيه إمكانية كامنة لتقويض انتقال السودان إلى الديمقراطية وخلق دعم جديد للإسلاميين في السودان والأجانب الذين يؤيدونهم”، كتبا. سيتسلم بالتمان منصبه مبعوثاً لصندوق إفريقيا بعد ثمانية أشهر، وقد تم تعيين بايتون نائباً له. هذا المقال كما يبدو، يريدان نسيانه. لأنه لولا اتفاق التطبيع واستجابة الرئيس ترامب لتوصية “إسرائيل” برفع السودان من قائمة الدول التي تدعم الإرهاب وضمان مساعدات مالية سخية لها، لكان من المشكوك فيه أن تقف الإدارة الجديدة المؤقتة في الخرطوم على أرجلها.

في الوقت نفسه، أنهى الضغط الدولي على البرهان قضية الانقلاب العسكري بنجاح، لكنه لم يقمع طموحات البرهان ولم يرتب علاقات القوى السياسية، وقد أوضح عجز التأثير الدولي على القوات المدنية في الدولة. يبدو أن تم الإثبات بأنه من الأسهل تسوية الأمور مع زعيم يكون جنرالاً في دولة يرتبط وجودها بالمساعدات الخارجية بدلاً من إجراء مفاوضات مع حكومات ديمقراطية. ولكن عندها لا مناص من تذكر زعماء وجنرالات مثل معمر القذافي وعمر البشير وبشار الأسد، الذين قاموا بدحض وتحطيم هذه النظرية. السودان “الجديد” غير محصن بعدُ من الانقلابات العسكرية التي رافقته منذ حصوله على الاستقلال.

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 23/11/2021

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن السودان اليوم عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here