أفريقيا برس – السودان. البكتيريا العملاقة هي لغز بيولوجي مثير للاهتمام وغير مستكشف بعد، ومثلا تفتقر بكتيريا “إيبولوبيشيوم فيفيباروس” إلى جينات معينة مسؤولة عن التنفس، فكيف تحصل هذه البكتيريا على الطاقة؟ و
حاول العلماء الإجابة عن هذا السؤال في دراسة التي نشرت في دورية “بي إن إيه إس”، وقام بها باحثون من قسم علم الأحياء الدقيقة بجامعة كورنيل، ومختبر أبحاث الأنظمة المعقدة، ومختبر لورانس بيركلي الوطني.
بكتيريا من نوع خاص
ويقول الدكتور ديفيد سانينو، عالم الأحياء الدقيقة والباحث في جامعة غلاسكو والمؤلف الأول لهذه الورقة البحثية في تصريح حصلت الجزيرة نت على نسخة منه: “كان أحد أكبر دوافعي وراء هذا العمل معرفة كل شيء عن القدرات والاحتياجات البيولوجية لهذه البكتيريا العملاقة حتى أتمكن في النهاية من زراعتها في المختبر لدراستها بشكل أكبر”.
يصل طول هذه البكتيريا العملاقة إلى 600 ميكرومتر وعرضها 80 ميكرومتر، أي أكبر بنحو مليون مرة من حجم بكتيريا الإشريكية القولونية المعروفة، وبالتالي فإنه يمكن رؤيتها بالعين المجردة.
وتعيش هذه البكتيريا في أمعاء أسماك الجراح في علاقة تعايشية حيث تستفيد من بيئة أمعاء السمكة الغنية بالصوديوم والغذاء، ويمكن لهذه البكتيريا أن تأكل المواد العضوية المعقدة، كما أن هذه البكتيريا العملاقة لا يمكن زراعتها في المختبر.
وعلى الرغم من أن هذه البكتيريا تشترك في بعض أوجه التشابه مع أنواع أخرى من البكتيريا الكبيرة، مثل تعدد الصبغيات الشديد حيث تحتوي على أكثر من 10000 نسخة من كروموسومها، إلا أن الباحثين وجدوا أنها تفتقر إلى جينات معينة حيوية للتنفس.
وكان هذا الأمر غير متوقع بالنسبة للباحثين، نظرا لأن التنفس الخلوي ينتج أكبر قدر من الطاقة مقارنة بطرق التمثيل الغذائي الأخرى، والبكتيريا العملاقة تحتاج طاقة عالية بشكل غير عادي للحفاظ على مثل هذا الحجم الكبير.
كما أن بكتيريا إيبولوبيشيوم فيفيباروس العملاقة بكتيريا متحركة بشكل كبير وتستخدم طريقة فريدة للتكاثر تسمى الحيوية البكتيرية، حيث تنمو الخلايا الوليدة داخل الأم حتى تتسبب في انفجار الخلية الأم. وكلتا هاتين العمليتين الأخيرتين تحتاجان أيضًا إلى الطاقة. فما مصدر هذه الطاقة إذا كانت هذه البكتيريا لا تقوم بعملية التنفس؟
سر الجينوم
كافح العلماء للحصول على مادة جينومية كافية لهذه الدراسة، وذلك لصعوبة الدراسات الجينومية للبكتيريا العملاقة بسبب عدم إمكانية تنميتها وزراعتها في البيئة المختبرية حتى الآن. ولكن الباحثين جمعوا ما يكفي من العينات من قبالة سواحل أستراليا لعمل تسلسل غينومي لهذه البكتيريا العملاقة لأول مرة.
ويقول الدكتور سانينو، الباحث الرئيسي بهذه الدراسة، إنه تم تكليفه بمعرفة كيفية تجميع الغينوم بشكل صحيح، وهو ما لم يكن لديه أي فكرة عنه. ولكنهم حصلوا على الكثير من المساعدة من أحد المؤلفين المشاركين، وهو الدكتور تشارلز بيبي راني، والذي يقول الدكتور سانينو إنه ساعده بشكل كبير وعلمه الكثير.
واستخدم الفريق العلمي علم الجينوم وعلم النسخ لمعرفة خصائص التمثيل الغذائي والتخليق الحيوي لهذه البكتيريا. مما أدى إلى توليد غينوم شبه كامل عالي الجودة يبلغ 3.28 ميغا قاعدة.
وللحصول على مزيد من المعلومات حول وظيفة هذا الغينوم، قاموا بإجراء تحليلات تسلسل الحمض النووي الريبوزي لهذه البكتيريا العملاقة في مراحل الحياة المختلفة، مما خلق رؤية شاملة لعملية التمثيل الغذائي لهذه البكتيريا العملاقة مع تقدمها في السن. كما تمكن الباحثون من التعرف بشكل كبير على الجينات المسؤولة عن عملية التمثيل الغذائي.
وكشف الباحثون عن جينات فريدة بهذه البكتيريا توجه الإنزيمات لتحليل الكربوهيدرات إلى مواد يمكن تخميرها إلى خلات. ومن خلال عملية التخمير هذه بالإضافة إلى استغلال القوة الدافعة للصوديوم التي تنشأ بسبب وجود بيئة غنية بالصوديوم في أمعاء أسماك الجراح يتم تخليق جزيء الطاقة إيه تي بي، بالإضافة إلى توليد طاقة تدعم حركة السوط.
تمثيل غذائي خاص
وهكذا فإن عملية التمثيل الغذائي تتم بنفس القوة التي تحدث في خلايا الكائنات حقيقيات النواة، والتي تحتوي على ميتوكوندريا تقوم بعملية التنفس والتمثيل الغذائي لإنتاج الطاقة.
وذكر الباحثون أن طريقة التمثيل الغذائي الفريدة التي تستخدمها هذه البكتيريا ترجع إلى النظام الغذائي للمضيف لهذه البكتيريا وهو سمك الجراح البحري، حيث أن أمعاء هذه الأسماك غنية بالصوديوم والكربوهيدرات المستمدة من تغذية الأسماك على الطحالب البحرية. كما أن هذه البكتيريا العملاقة تواجه مشكلة احتياجها لمستويات طاقة عالية للحفاظ على حياتها من خلال الجمع بين عمليات تمثيل غذائي متعددة.
وتختلف طريقة التمثيل الغذائي الفريدة لبكتيريا إيبولوبيشيوم فيفيباروس العملاقة عن أنواع أخرى من البكتيريا العملاقة مختلطة التغذية أو ذاتية التغذية والتي تستخدم الضوء أو جزيئات صغيرة لتلبية احتياجاتها من الطاقة والكربون والنيتروجين.





