كيف علّق السودانيون على مشاورات تشكيل برلمان انتقالي؟

5
كيف علّق السودانيون على مشاورات تشكيل برلمان انتقالي؟
كيف علّق السودانيون على مشاورات تشكيل برلمان انتقالي؟

أفريقيا برس – السودان. بعد توقفها منذ نحو 5 أشهر، استأنف مجلس السيادة السوداني مشاورات لتشكيل برلمان انتقالي، وسط احتجاج من قوى موالية للجيش على ما اعتبرته تهميشا لها، مما ينذر -حسب مراقبين- بشروخ في الفصائل السياسية المساندة للجيش.

ويعود تاريخ أول مؤسسة تشريعية في السودان إلى عام 1948، في حين جرت أول انتخابات برلمانية عام 1953، واستمرت 5 دورات حتى 1986، التي قطعها انقلاب الرئيس السابق عمر البشير في يونيو/حزيران 1989.

ونصّت الوثيقة الدستورية التي أُقرت لإدارة البلاد في 2019 بعد الثورة التي أطاحت بنظام البشير، على إنشاء مجلس تشريعي انتقالي يستمر حتى إجراء الانتخابات، غير أن المجلس لم يُشكل ولم تكتمل المرحلة الانتقالية التي أنهتها إجراءات رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان في أكتوبر/تشرين الأول 2021 بحل مجلسي السيادة والوزراء وفرض حالة الطوارئ.

مشاورات

وتقوم بمهام التشريع في هذه الفترة سلطة تشريعية انتقالية تتألف من مجلسي السيادة والوزراء. وفي فبراير/شباط 2025 تم تعديل الوثيقة الدستورية التي أقرت إنشاء سلطة تشريعية مستقلة عبر التعيين، تضمن تمثيل أطراف العملية السلمية والقوى الوطنية الأخرى، على ألا يزيد عدد أعضائها على 300.

وكلّف مجلس السيادة في أغسطس/آب الماضي عددا من أعضائه، وهم شمس الدين كباشي وياسر عطا وعبد الله يحيى، للتشاور مع الكتل والقوى السياسية بشأن كيفية تشكيل البرلمان الانتقالي.

غير أن الاتصالات توقفت حتى الأسبوع الماضي، حيث دعا البرهان بعض الكتل السياسية، شملت الكتلة الديمقراطية برئاسة جعفر الميرغني وتحالف الحراك الوطني بزعامة التجاني سيسي وتنسيقية القوى الوطنية برئاسة محمد سيد أحمد “الجكومي”، وأطلعهم على تطورات الأوضاع وطلب منهم مقترحات بشأن إحداث المجلس التشريعي.

وكشفت مصادر سيادية للجزيرة نت -طلبت حجب هويتها- أن البرهان كلّف رئيس الوزراء كامل إدريس الطيب بقيادة المباحثات مع القوى السياسية، وأن لقاءه مع بعض الكتل والتنظيمات ناقش عدة قضايا، لم تقتصر على ملف البرلمان فقط. وستشمل المشاورات كافة القوى الوطنية المساندة للجيش وشخصيات مستقلة خلال المرحلة المقبلة.

وردا على عدم دعوته للقاء البرهان، شدد تحالف سودان العدالة (تسع) برئاسة وزير الصحة السابق بحر أبو قردة على ضرورة الحفاظ على اللحمة الوطنية، وطالب مجلس السيادة بالوقوف على مسافة واحدة من كل القوى السياسية الوطنية المساندة للدولة.

ودعا التحالف -في بيان- القيادة السياسية للوضوح في شأن القضايا الوطنية، وطالب بتصحيح المسار التشاوري “الخاطئ الذي انطلق لتشكيل البرلمان بأسرع فرصة”.

في السياق، قال رئيس تنسيقية العودة لمنصة التأسيس محمد وداعة، إن ما تم إنتاجه في اجتماع البرهان مع بعض القوى السياسية لم يصدر عنه بيان من أي طرف، وما تسرب منه شبيه بصيغة “الكتلة الديمقراطية +”، التي سبق ورفضتها قوى في الكتلة ذاتها، وليس واضحا بالضبط من يقف وراء إحياء هذه الصيغة.

وحسب تصريح وداعة للجزيرة نت، فإن ما جرى وضعٌ مربك ويُقدّم صورة قاصرة ومشوهة عن القوى السياسية، ويزيد من الخلافات بحيث تتجاوز عدم الاتفاق على توقيع ما يتم الاتفاق عليه، إلى فقدان الثقة بين القوى السياسية فيما بينها من جهة، ومع البرهان من جهة أخرى.

وطالب بمشاورات واسعة بشأن تشكيل البرلمان، وبصيغة أفضل عبر حوار سوداني-سوداني، بحيث يأتي المجلس التشريعي معبرا عن أوسع قاعدة تُمثّل غالب القوى السياسية والمكونات الاجتماعية، “رغم أن بعض القوى لا تريد الحوار طريقا وتعتقد أن الضغوط الخارجية ومساندة قوات الدعم السريع سياسيا، وتأليب المجتمع الدولي هو الطريق لإسقاط النظام وإقامة دولتهم على أنقاض السودان بعد إفراغه من أهله”.

ورأى وداعة أن البرهان لا يضمر شيئا، ولكنه ربما ضاق ذرعا بخلافات القوى السياسية ويسعى إلى تضييق دائرة الخلاف، وأن اجتماعه مع بعض المكونات السياسية لا يعبر عن حقيقة التوازن السياسي الذي حكم العلاقة بين هذه القوى طيلة الفترة الماضية، وربما يُمثّل انتكاسة حقيقية عن آخر تفاهم بينها ومجلسي السيادة والوزراء.

سد الفراغ

من جانبه، قال وزير العدل السابق والخبير في القانون الدستوري محمد أحمد سالم، إن تشكيل مجلس تشريعي ضرورة ملحة لسد الفراغ الدستوري الحالي، وشدد على أهمية حسن اختيار قيادته وأعضائه، وتوفّر إرادة سياسية تجاه خلق جسم رقابي فاعل ومقتدر، وألا يكون مجرد “ديكور للترضيات ويكلّف الدولة مالا وجهدا ووقتا من دون طائل”.

ورأى سالم في حديثه للجزيرة نت أن إنشاء المجلس ينهي الوضع “المعيب” بتركيز مقاليد الأمور في أيدي عدد محدود في مجلسي السيادة والوزراء، دون مشاركة واسعة مقننة، باتخاذ القرارات المصيرية في شأن الحرب والسلام ومستقبل البلاد، كما أنه يشكل قاعدة شعبية مساندة ويضفي على القرارات والسياسات شرعية وثقلا سياسيا ودستوريا.

وعاب غياب نص في الوثيقة الدستورية يحدد الجهة التي تشكل المجلس وآلية الترشيح وشروط العضوية، داعيا إلى التشاور مع سائر القوى السياسية والمدنية ومراعاة التمثيل الشامل لكل مكونات المجتمع والمناطق الجغرافية والفئات العمرية.

أما الكاتب والباحث إبراهيم شقلاوي فرأى أن غياب البرلمان منذ 2019 ترك الدولة مكشوفة أمام الانقسامات الداخلية والصراعات والضغوط الإقليمية و”الابتزاز الدولي”، ما جعل كل خطوة نحو السلام أو الانتقال السياسي مرهونة بالقدرة على بناء مؤسسات حقيقية.

وقال شقلاوي للجزيرة نت إن طلب البرهان من قوى سياسية تقديم تصوراتها حول المجلس التشريعي ومواقيته، خطوة ضرورية ظل الجميع ينادي بها لإعادة إنتاج السلطة الشرعية، وحماية القرار الوطني من الابتزاز.

ووفقا له، فإن الطريق إلى الدولة لا يكتمل بالبرلمان وحده، ويحتاج السودان إلى عقد اجتماعي جديد يربط المواطن بالدولة، ويحدد خطوطا واضحة بين السلطة والمجتمع، ويحوّل المؤسسات إلى آليات لحماية الحقوق الوطنية.

“غياب الرؤية”

في المقابل، ذهب الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم الصديق إلى أن ارتباط الحراك السياسي والفاعلية بلقاءات السلطة الحاكمة، يعطي مؤشرا لغياب الرؤية السياسية، فهذه الأحزاب جعلت معركتها الأساسية مشاركتها في أجهزة الحُكم، ودون العودة للقواعد الشعبية والرأي العام.

وحسب حديث الصديق للجزيرة نت، فإن القوات المسلحة وبحكم وضعها الدستوري ووظيفتها، ليست معنية بالمسارات السياسية، فهي ضامنة وحارسة للانتقال السياسي، وليست شريكة فيه.

وأوضح أن القوى السياسية والمدنية والمجتمعية هي من تقرّر خيارات الحكم وأولوياته ومراحله، ومن الأوفق أن يمر ذلك عبر حوار يقوده رئيس الوزراء وفريقه، ويبقى رأس الدولة مشرفا ورمزا سياديا وبعيدا عن التجاذبات السياسية.

كما أن قضية التشريع في هذه المرحلة على محدوديتها، وفق الصديق، تم التوافق عليها باجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء، وهذا -برأيه- كافٍ لقضايا هذه المرحلة، “بينما الأولى بناء أجهزة الحكم في المحليات والولايات وتكوين المفوضيات التي نصّت عليها الوثيقة الدستورية”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here