أفريقيا برس – الجزائر. قد تصادفك خلال تحركات اليومية في حالة التوجه إلى بعض الإدارات أو مؤسسات عمومية كانت أو خاصة لقضاء حوائجك، ظواهر غير محببة أو وجوه عابسة لا تسر العين ولا تمنح لك راحة نفسية في التعامل معها حتى ولو فرضت عليك ظروفك ذلك، فكلمتان منك مقابل نصف كلمة من الطرف الآخر، قد تنهي التعامل معه بغضب أو العودة من حيث أتيت وقد تصل أحيانا حتى الدخول في معركة تنتهي في الغالب بتدخل أطراف أخرى أو إنهاء التعامل معه بسرعة دون النظر إلى “التكشيرة”.
هو فن التعامل مع الجمهور أو الزبون الذي لا يفقهه إلا القلة من الموظفين بالكثير من المهن في إداراتنا، كيف لا والكل يتهم بعض العاملين والوظائف بـ”التشناف”، سواء إدارات كانت تهم القطاع العمومي أو الخاص، وخوفا من أن تمتد العدوى إلى بقية القطاعات الأخرى، يرى البعض انه حان الوقت من اجل تنظيم مجال الاستقبال أو تلك الوظائف التي تعرض خدمات بالمؤسسات أو مختلف الإدارات، وذلك بوضع أطر وقوانين تجبر العامل الذي تفرض عليه وظيفته التعامل المباشر مع المواطن، التقيد بها لضمان الزبون من جهة، وتقديم خدمة في المستوى مع إعطاء صورة مشرفة للمؤسسة، لأن الابتسامة في وجه “الأخ” صدقة رغم أن هذه الأخيرة لا تأخذ لا الوقت ولا الجهد ولا حتى المال من صاحبها.. فهل مشكلة العبوس و”التشناف” أصبحت عادة حتى يضمن الموظف “الهيبة” أو أن الأمر يتعداه بسبب الضغوطات اليومية داخل وخارج العمل فضلا عن تراكمات الحياة؟
وظائف لا يبتسم أصحابها إلا نادرا!
لا يختلف اثنان أن الطبيعة البشرية تحب الوجوه المبتسمة البشوشة، المليئة بالحياة والتفاؤل وتنفر من تلك العابسة، فما بال ان تكون الابتسامة وظيفة تستوجبها العلاقات العامة ومكاتب الاستقبال وغيرها من الوظائف المباشرة مع المواطن والزبون، وهنا تتحول الابتسامة من طبيعة إلى ضرورة حتمية يجب أن يلتزم بها ويدرب الموظف نفسه عليها مهما كانت الظروف التي يعيشها.. فمن منا من لم يصادف وجها عابسا بشبابيك البريد أو البلديات وحتى البنوك، وان كانت ظروف العمل وقلة الامتيازات والحوافز إلى جانب الروتين اليومي والضغوطات التي تفرضها بعض الوظائف من أكثر الأسباب في انتشار هذه الظاهرة، إلا أن الأمر تعدى ذلك ليصل إلى غاية الأطباء والممرضين والتجار والعاملين بالمطارات ومكاتب الاستقبال ومستقبلي الاتصالات الهاتفية، إن لم نقل أن العدوى وصلت إلى معظم الوظائف حتى النادل والقابض بالحافلات “مشنف” طوال اليوم!
أخطاء مهنية.. غياب الاحترافية وسد الثقب
ويرى الأستاذ في علم الاجتماع حسين زبير، أن التكشير في الوسط المهني يعتبر ظاهرة اجتماعية في حد ذاتها، ويتساءل الكل لماذا هي متواجدة ومتكررة في مختلف الوظائف، معتبرا إياها بالأخطاء المهنية وأخطاء في التسيير وتوجيه الأفراد، كاشفا عن مخطط المهنية المعروف بتوصيف المهنة بمعنى لكل مهنة وأدوارها، وعلى هذا الأساس يتم توظيف العمال، لأن هناك بعض المناصب –حسبه- تحتاج لمهارة و”شطارة”، فلا يمكن تشغيل بها شخص طاعن في السن او عاجز، بل شاب يتصف بالخصوصيات والميزات المطلوبة، وعكس ذلك في بعض المهن التي تحتاج لرزانة وثقل، فهي عادة ما تتطلب موظفا رصينا، حليما وحكيما. أما تلك المناصب التي لها علاقة مباشرة مع المواطن، فمن المفروض أن تكون مواصفات موظفيها معينة في الشخصية والمهنية والنفسية، ضمانا للتعامل مع المتعامل معه باحترافية ومهنية، مشيرا في السياق أن بعض المؤسسات العمومية تشغل مناصب عمل ليس لها أي علاقة بالمهنية ولا الاحترافية، بل هي مناصب لسد الثقب أكثر منها مهنية واحترافية.
التكوين.. جهد يعادل 3.. مناوشات وغياب المراقبة..
ويرجع في السياق، الأستاذ زبيري لـ”الشروق”، أن أساس الظاهرة هي قضية التكوين، فهل كون هؤلاء الموظفين لأجل التعامل مع المواطنين والزبائن باختلاف نفسيتهم وفئاتهم الاجتماعية وأعمارهم؟ فعندما يلغى التكوين تسقط كل المعايير، لأن الموظف هو بمثابة المرآة العاكسة للمؤسسة التي يعمل بها، معللا ذلك بمثال عن عمال البلدية الذين أغلبيتهم أصحاب مستوى تعليمي متواضع مقابل بعض من مستواهم يتعدى تواجدهم بوظائف في البلدية أو تلك التي تفرض المواجهة ومقابلة الزبائن، وهي من الأمور السلبية، مشيرا أن الكل يعلم كيف تنظم المساحات المهنية لاستقبال المواطنين والتي تقوم على الفوضى ويبقى –حسبه- التكوين أهم مسألة جوهرية ضمانا لتقديم الوجه المشرف للمؤسسة التي يعمل بها في حالة ما إذا كانت هذه الأخيرة تطمح للمحافظة على سمعتها لتأدية خدمة نوعية للزبائن وهو حتما ما سيجرها إلى تكوين عمالها والعكس في حالة ما إذا لم تكن تطمح لذلك، فتكون سلوكيات الموظفين بها اجتماعية يتعامل مع من يقف أمامه داخل المؤسسة مثل معاملته مع الآخر بالشارع وهو ما يخلف صدامات ومناوشات.
كما طرح المتحدث أسباب عبوس الوجوه، الناتجة عن عدم رضا العمال على أوضاعهم المهنية كتعنت الإدارة أو تعرضهم للظلم، تعديات قانونية أو إرهاق، وهنا تطرق لما يسمى بـ”بورن اوت” عندما يعطي العامل أكثر من طاقته ولمدة طويلة، ولنا ان نتصور كيف تكون مواجهته مع الزبائن الذين يأتون إلى المؤسسة ونظرتهم المسبقة القبلية السلبية على المؤسسات العمومية بسبب الفوضى وبفعل السنوات التي تركت فيها ما تركت، أصبح الكل يحمل صورة سلبية على إدارة تقوم على “المعريفة” أو القوة، ولنا أن نتصور كيف لهذا العامل أن يواجه 5 من الأشخاص –يؤكد- بهذا الشكل، بالمقابل أن المؤسسة التي يعمل بها لا يهمها الموظف ولا تمنحه ظروف عمل مواتية ككراسي غير مريحة ولا كمبيوتر سليم، كما عادة ما يعمل الموظف مكان 3 أشخاص، وهو ما ينعكس سلبا على تعامل الموظف غير الراضي عن وظيفته مع الزبون أو المواطنين العاديين.
ولتجنب الظاهرة وضمان الأداء في الوسط المهني، أشار الأستاذ إلى ضرورة التكوين المتواصل والمراقبة والمتابعة، وهي الطريقة المتعامل بها في المؤسسات التي تحترم نفسها، لأن العامل الذي يكون في الواجهة والاستقبال، عليه أن يكون تحت الرقابة مع فرض التنقيط.
من جانبه، يرى الخبير في الصحة النفسية والأستاذ الجامعي البروفيسور أحمد قوراية، أنها ظاهرة نفسية واجتماعية لم تكن موجودة من قبل، لكن ظهرت في عصرنا الحالي بعد ما طغى الجانب المادي والبراغماتي على الناس، وأصبحوا يعبدون المادة والمال ولا يعيروا اهتماما للقيم والأخلاق الإنسانية ولا للتربية والحضارة الإنسانية الصافية التي كنا نعيشها في السابق والتي ترتكز أساسا على قيمة الإنسان والتعامل معه بأدب وأخلاق، وما زاد من حدتها ظهور أمراض نفسية صامتة وخطيرة في النفوس مثل الحسد والحقد والغيرة والكراهية واختفاء قيم نبيلة مثل الحب والتعامل الأدبي في المعاملات اليومية مع الناس، فأصبح –حسبه- الكثير من أصحاب هذه المهن والوظائف يكشرون ويعنفون المواطنين في سلوكياتهم النفسية المرضية كانتقام لفشلهم في الحياة وشعورهم بأن الحياة ظلمتهم وعاكسهم الحظ والرزق الدنيوي ويحسدون من هو أحسن منهم وظهرت نعمة الله عليهم، ويحقدون على غيرهم ويكشرون، فإحساسهم بالقهر والفقر وفقدان الأمل والضياع المبرمج يشعرهم بعدم التوازن النفسي ويقومون بهذه السلوكيات النفسية لإشباع حاجاتهم الداخلية المرضية ليشعروا بتوازن نفسي كاذب وهم يتلذذون بالعدوانية النفسية الممارسة ضد المواطنين، وهي سلوكيات ترتكز – حسبه – على النفوس الضعيفة والمريضة والمكتئبة والمصاحبة للعديد من الاضطرابات النفسية المختلفة ذات الأعراض المختلفة.
وتتسم هذه الاضطرابات عموماً بوجود مزيج من الأفكار والتصورات والعواطف والسلوكيات الشاذة والعلاقات غير الطبيعية مع الآخرين، علما أن الاضطرابات النفسية تتضمن الاكتئاب، والاضطراب الوجداني والفصام والاختلالات العقلية الأخرى، والعجز الذهني وهي التي تؤثر مباشرة في المعاملات النفسية والاجتماعية في التعامل مع الآخرين بالسوء والتكشر. و”التشناف” هو المصطلح السائد اليوم في المجتمع، والتكبر والتحدث من دون أدب مع المواطنين وبعضها ناتج من سمات الاكتئاب والشعور بالحزن، وعدم الاهتمام أو التمتع بالأشياء، والشعور بالذنب أو قلة تقدير الذات، واضطراب النوم أو الشهية، والإحساس بالتعب، وضعف التركيز. وقد يعاني المصابون بالاكتئاب كذلك من شكاوى بدنية متعددة دون سبب جسماني واضح مع إضعافه بصفة أساسية لقدرة المصابين به على الأداء في العمل سواء في المهن الحرة أو في بعض الوظائف.
وقد يؤدي هذا إلي ترك اثر نفسي في نفسية المواطنين فتجد بعضهم يرفض هذه السلوكيات النفسية السلبية ويثور في وجههم مباشرة وقد تصل الأمور إلى ما لا يحمد عقباه، وكما تجد البعض الآخر يستحي ولا يرد على تكشير و”تشناف” هؤلاء من أصحاب المهن والوظائف ويترفع عليهم ولا يقدر ما يقولون ويبتعدون عن التعامل معهم حتى لا يشعروا بالضغط النفسي المرضي، فكل هذه المصائب والفتن ولدت عندما تخلينا عن التربية والتعليم الهادف داخل الأسرة أولا، وفي المجتمع ثانيا، وفي المدرسة الجزائرية ثالثا، ففاقد العلم والتربية الصالحة –يقول- هو أيضا فاقد لحسن التعامل مع الآخرين، وهذه المعادلة هي مؤشر على أن الجهل بدأ بالتحكم في السلوك النفسي والاجتماعي.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس





