أفريقيا برس – الجزائر. يتصاعد القلق في الأوساط السياسية والحقوقية في الجزائر، حول مصير ناشطين وإعلاميين يجري توقيفهم تباعا من طرف السلطات الأمنية والقضائية، وهو ما يتنافى مع خطاب السلطة حول الحوار السياسي الشامل واتخاذ إجراءات تهدئة، فبالموازاة مع توقيف عدد من المدونين الذين رفعوا وسم “ما رانيش راضي”، تم وضع اعلامي تحت الرقابة القضائية بشرق البلاد، واحالة آخر على السجن المؤقت في انتظار استكمال التحقيق.
وأفاد مركز “شعاع” الحقوقي، بأن السلطة الجزائرية كثفت عملية التوقيفات في حق ناشطين سياسيين واعلاميين، كما أصدر القضاء أحكاما ثقيلة ضد البعض منهم، على غرار الناشطة عبلة قماري التي نطقت المحكمة في حقها بثلاث سنوات سجن نافذة.
وأكد على أن 15 ناشطا سياسيا واعلاميا تم توقيفهم منذ مطلع العام الجاري، وهي خطوة تتنافى مع خطاب التهدئة الوارد في بيان العفو الرئاسي الصادر نهاية العام المنقضي، كما أنه يلغم طريق الحوار السياسي الذي تطالب به مختلف القوى السياسية من أجل إرساء جبهة داخلية متماسكة قادرة على مواجهة المخاطر والتحديات التي تواجه البلاد.
وصرح المحامي والحقوقي سعيد زاهي، بأن “الانتهاكات والخروقات لا زالت متواصلة في مجال الحريات والحقوق الأساسية للمواطنين، حيث تم إخفاء الإعلامي عبدالوكيل بلام، قسريا ولم يمكّن من التواصل مع أهله أو محاميه منذ توقيفه في الـ 29 ديسمبر الماضي، وحتى وكيل الجمهورية لدى محكمة الاختصاص لم يكن بحوزته شيئا لما اتصل به فريق الدفاع للاستفسار عن حالة الإعلامي المذكور”.
وأضاف لـ”أفريقيا برس”، بأن “البند 87 مكرر من قانون العقوبات وضع جميع الجزائريين أمام فرضية الانتماء أو التواصل أو دعم الإرهاب، كونه وسّع من توصيفات وأفعال الإرهاب، لدرجة المساس والتضييق على الحريات والحقوق الأساسية للجزائريين”.
ولفت الى أن المضايقات المسجلة في الآونة الأخيرة، جاءت بالموازاة مع خطاب زعم الاستعداد لحوار سياسي ولاجراءات تهدئة، وهي معادلة غير قابلة للتحقيق، لأن الانفتاح السياسي وبناء جبهة داخلية متماسكة يتطلب نوايا حقيقية في رفع الملاحقات الأمنية والقضائية ضد الناشطين السياسيين والإعلاميين والمدونين، من أجل جبر الخواطر وطمأنة النفوس”.
وكان قاضي التحقيق لدى محكمة ضاحية الشراقة بالعاصمة وضع الناشط السياسي والإعلامي عبدالوكيل بلام، رهن الحبس المؤقت في انتظار استكمال التحقيق في ثلاثة تهم، اثنتين كيفتا كجنحتين، أما الثالثة فقد كيفت كجناية، ويتمحور الكل حول المنشورات المهددة للسلامة الوطنية، والتواصل مع إرهابيين خارج البلاد.
وأفاد بيان نيابة الجمهورية لدى محكمة الشراقة بالجزائر العاصمة، بأن “القضية بدأت بناء على معلومات تلقتها المصلحة الإقليمية للتحقيق القضائي التابعة للمديرية العامة للأمن الداخلي، تفيد بقيام شخص بنشر أخبار كاذبة ومغرضة عبر صفحته الشخصية على موقع فيسبوك”.
وأضاف: “بعد إخطار نيابة الجمهورية بالوقائع، أصدرت تعليمات بفتح تحقيق ابتدائي، أسفر عن توقيف المشتبه به المدعو (ب. ع. و)، وخلال التحقيقات، كشف استغلال الهاتف النقال الخاص بالموقوف تواصله مع إرهابيين موجودين خارج التراب الوطني”.
وتابع: “تم تقديم المشتبه به اليوم، 5 يناير 2025، أمام نيابة الجمهورية لدى محكمة الشراقة، حيث وُجهت له تهم ارتكاب جناية المشاركة في تنظيم إرهابي مع العلم بغرضه ونشاطه، بالإضافة إلى جنحة نشر أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالأمن العمومي والنظام العام، وجنحة المساس بسلامة الوحدة الوطنية، وبعد الاستماع إلى المتهم من طرف قاضي التحقيق، أصدر هذا الأخير أمرا بإيداعه الحبس المؤقت في انتظار استكمال إجراءات التحقيق”.
ويأتي ذلك أياما قليلة بعد توقيف اعلامي آخر في مدينة عنابة بأقصى شرق البلاد، ويتعلق الأمر بمصطفى بن جامع، الذي تم توقيفه لثلاثة أيام، قبل أن يفرج عنه ويتم وضعه تحت الرقابة القضائية على ألا يغادر إقليم محافظته، كما أنه ممنوع من السفر.
وكان وضع الحريات السياسية والإعلامية قد أثار انتقادات شديدة وجهتها منظمات وهيئات حقوقية للسلطة الجزائرية، على غرار مجلس حقوق الانسان الأممي خلال عرض حصيلة العام 2023، وأوفد عدة مبعوثين له الى الجزائر من أجل الوقوف على واقع الحريات السياسية وعمل الأحزاب والجمعيات والناشطين والمؤسسات الإعلامية، الأمر الذي أفضى الى صدور دعوات من أجل مراجعة بعض النصوص التشريعية كالبند 87 مكرر المثير للجدل، ورفع اليد عن حرية التعبير.
وأصدرت الجزائر في صائفة العام 2021، لائحة بأسماء عدد من الناشطين السياسيين المعارضين المقيمين في الخارج، فضلا عن حركتين سياسيتين، ويتعلق الأمر بـ “رشاد” الإسلامية، واستقلال القبائل “ماك”، وصنف الكل ضمن الكيانات والأشخاص الإرهابيين، الذين يقع التعامل أو التواصل معهم ضمن أحكام البند 87 مكرر من قانون العقوبات المخصص لمحاربة الإرهاب.
ويعد الناشط السياسي والإعلامي عبدالوكيل بلام، من الوجوه البارزة في احتجاجات الحراك الشعبي الذي عاشته الجزائر بين 2019 و2021، واشتغل في العديد من المؤسسات الإعلامية والمواقع الإخبارية المحلية، وتميز بخط سياسي واعلامي معارض وناقد للسلطة.
وتم توقيفه لمرتين خلال الأسبوع الماضي، من طرف أشخاص يرتدون زي مدني من أمام بيته بالجزائر العاصمة، حيث أطلق سراحه في المرة الأولى، بينما اختفى في الثانية لمدة تفوق أسبوع، ولم يظهر الا بتقديمه أمام قاضي التحقيق وصدور بيان من النيابة العامة بشأنه.
وكان اختفاؤه قد أثار حالة من القلق لدى الأوساط السياسية والحقوقية وعائلته، مما دفع الأخيرة بعد عدم وصول أي معلومات عنه، بتقديم شكوى لدى مصلحة الدرك بالضاحية حول اختفائه القسري، بينما تقدم فريق من المحامين الى وكيل الجمهورية لدى محكمة الاختصاص برفع شكوى مماثلة والمطالبة بتوضيح وضعيته للعائلة وللرأي العام.
وأصدر الرئيس الجزائري نهاية الشهر الماضي، عفوا رئاسيا مس قرابة 2500 سجين من مختلف الفئات، وكان من ضمنهم 14 من المحبوسين في قضايا النظام العام، ويقصد بهم ما يعرفون بسجناء الرأي، وثمانية آخرين من الفئة لا زالوا تحت قيد التحقيق.
وسادت حينها حالة من الارتياح، مع حديث بيان الرئاسة الجزائرية، عن إجراءات “تهدئة” لأول مرة في خطابها المتعلق بالشأن السياسي الداخلي، وفيما لم يكشف عن هوية المستفيدين من العفو، فان اطلاق سراح بعض الوجوه مقابل حملة اعتقالات لافتة سجلت خلال الأيام الأخيرة، أعادت القلق والشكوك في نوايا السلطة حول التهدئة الحقيقية لحالة الاحتقان السياسي في البلاد.
وصنفت منظمة مراسلون بلا حدود، الجزائر في الرتبة 129 العام 2023، مدعومة في ذلك بحالات التضييق على العمل الإعلامي، والملاحقات الأمنية والقضائية التي طالت عددا من الصحفيين بسبب خطهم التحريري المعارض للسلطة، وحشدت لذلك حملات متعددة شارك فيها مثقفون واعلاميون وأكاديميون، كان أبرزها الرسالة التي وجهتها عشر شخصيات من جنسيات مختلفة الى الرئيس تبون، من أجل اطلاق سراح الإعلامي ومالك موقع “مغرب ايمارجانت” و”راديو أم” الموقوفين، قبل أن يستفيد من عفو رئاسي مطلع شهر نوفمبر الماضي.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





