العام الأمازيغي في الجزائر.. تنازلات الأمس هي مكاسب اليوم

العام الأمازيغي بالجزائر.. تنازلات الأمس هي مكاسب اليوم
العام الأمازيغي بالجزائر.. تنازلات الأمس هي مكاسب اليوم

أفريقيا برس – الجزائر. تحتفي الجزائر بعيد الأمازيغ للعام الأمازيغي للعام السابع على التوالي، بعدما تمت دسترته كيوم وطني، وشيئا فشيئا يسير لأن يصبح عيدا وطنيا وشعبيا يجتمع فيه الجزائريون على جملة من مظاهر للبهجة والسرور التي ترسم وحدة وتماسك المجتمع، ويتكرس بذلك أن ما كان في الماضي مصدرا للشكوك والخلافات السياسية والأيديولوجية، واعتقاد بتنازل السلطة لصالح الأقلية، صار اليوم مكسبا يعزز الوحدة الوطنية ويسد عنها ثغرة استراتجية في مناخ جيوسياسي متقلب يخيم على المنطقة والعالم.

يجمع مؤرخون ومختصون في الشأن الثقافي والسياسي، تحدثت إليهم “أفريقيا برس”، على أن المسألة الأمازيغية في الجزائر، ليست أزمة أقلية مزمنة كما هو الشأن بالنسبة لبعض الأقليات الدينية والعرقية في عدد من الأقطار العربية والإسلامية، فهي ترى نفسها مكونا متجذرا لا ينزع الى الانقسام، وانما يطمح الى التمكين في جغرافيته التاريخية المعروفة بـ “تامزغا”، الممتدة عبر شمال افريقيا الى غاية حدود الساحل الصحراوي.

واعتمدت الجزائر 12 يناير يوما وطنيا للاحتفال برأس السنة الأمازيغية، وبذلك صار عيدا من الأعياد الوطنية الرسمية، بموجب قرار أصدره الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة العام 2018، تم تزكيته من طرف البرلمان، تماشيا مع التعديلات الدستورية المدرجة العام 2016، والتي تم بموجبها اعتماد الأمازيغية كلغة وطنية رسمية، ثم 12 يناير عيدا وطنيا للاحتفال بالعام الأمازيغي.

وحققت الهوية الأمازيغية، على مدار عقود عديدة، مكاسب لافتة توجت نضالات طويلة وتضحيات جسيمة، كما حدث العام 2001، فيما يعرف بـ “الربيع الأسود”، الذي سقط فيه 126 ضحية بعد مواجهات مع أفراد المؤسسات الأمنية، نتيجة نظرة السلطة القاصرة في قراءة حراك الشارع الأمازيغي.

وهي الحصيلة الأكبر في تاريخ النضال الأمازيغي، الذي تزعمته الحركة الثقافية البربرية منذ ثمانينيات القرن الماضي، لما كان الحزب الواحد يهيمن على المشهد السياسي في البلاد، ويتهم معارضيه خاصة النشطاء الأمازيغ بالخيانة والعمالة للخارج، وتحتفظ الذاكرة الأمازيغية بما يعرف بأحداث الربيع الأمازيغي (أفريل 1980) حيث شن طلبة الجامعات احتجاجات ومظاهرات للمطالبة بالاعتراف بالهوية الأمازيغية.

مكاسب أزاحت المخاوف والشكوك

وتأتي الاحتفالات السابعة الرسمية في الجزائر، في مناخ جيوسياسي إقليمي ودولي، يتسم بتوظيف ورقة الانفصال كسلاح لتصفية الحسابات السياسية، وطفت الى السطح حركة استقلال القبائل “ماك”، كتنظيم تدعمه قوى معادية للجزائر، عبر محاولته استغلال الخصوصيات الثقافية واللغوية لمنطقة القبائل كمبرر لفصلها عن الوطن الأم، لكنها وجدت في طريقها مكاسب ميدانية عززت الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي، وكرست مقولة تاريخية لكبار النضال الأمازيغي، مفاداها “لا جزائر بدون القبائل ولا قبائل بدون الجزائر”.

وحول إشكالية إمكانية تطابق المظلومية التي ترفعها الأقليات في عدة دول، مع الوضع الأمازيغي في الجزائر، بين رؤية الانصهار في الهوية العامة للبلاد، وبين فرضية البحث عن التمايز ثم المكاسب ثم الانفصال، يرى الناشط السياسي ذو الجذور الأمازيغية، ورئيس حزب سياسي معتمد (جبهة الجزائر الجديدة) أحمد بن عبدالسلام، في تصريح لـ”افريقيا برس”، بأن “المطلب الهوياتي والثقافي الأمازيغي بادرت به منطقة من مناطق الجزائر لظروف وعوامل يطول شرحها، ونظرا أيضا لملابسات محيطة بطرح الموضوع داخل الحركة الوطنية الجزائرية ثم في الدولة الجزائرية المستقلة خلف جدالا ونقاشا محتدما لم يرق لمستوى الشرخ، وهذا أثناء فترة الأحادية الحزبية وأيديولوجية الحزب الواحد”.

وقال: “بعد التعددية، وبعد الاحتكاك المباشر بين مختلف المكونات والتيارات السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية، خرج النقاش من خنادق المتمترسين خلف مواقفهم إلى مساحات التلاقي والتوافق، فتقاربت المواقف تدريجيا وتشجعت السلطة أيضا لمواكبة حركية المجتمع بالاعتراف بالبعد الأمازيغي كمكون أساسي من مكونات الهوية الوطنية الجامعة، ثم تكرست هذه القناعات في المجتمع بطريقة سلسة فأصبحت اليوم عامل جمع وتلاحم وطني قائم”.

مساحات التعددية شجعت السلطة على مواكبة حركية المجتمع

وعن بقاء بعض من خطابات التطرف المقاوم لحالة الانصهار، أكد المتحدث “وجود بعض المتنطعين أسرى عقد نفسية أو أفكار متحجرة يشكلون حالة شاذة هامشية، وأكيد أنها ستتلاشى مع الوقت، خاصة أمام هذا الاحتضان الشعبي العام لمكونات هويته وثقافته وتقاليده على تنوعها وثراءها وطبوعها، شهدنا هذه اللوحة التي رسمها الجزائريون معا رياضيا وفنيا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا، لذا لا غرو أن ترى اليوم حجم الاحتفالات الثري برأس السنة الامازيغية تعم الجزائر كلها، وأن تتفوق مناطق أخرى في احتفائها بيناير على منطقة القبائل”.

أما الإعلامي والباحث حكيم مسعودي، فقد قدم لـ”أفريقيا برس”، المطلب الهوياتي الأمازيغي في اطار تاريخي، معتبرا اياه مسارا نضاليا واكب فترات الجزائر منذ فجر الحركة الوطنية الاستقلالية (نجم شمال إفريقيا) إلى يومنا هذا، فقد ارتبط بفترات تصعيد وأخرى هادئة لاعتبارات إما ظرفية أو إستراتيجية.

وقال: “هذا الهدوء الذي نشهده اليوم على مستوى النضال الهوياتي طبيعي، وصورة تعبر عن الرضا النسبي بما تحقق من المطالب، في أعقاب الاعتراف باللغة الأمازيغية والبعد الأمازيغي في الدولة وتقنينها في دستور البلاد، وتوسيع مناطق تعليم الأمازيغية.. وما هذه الاحتفالات المنتشرة عبر مختلف مناطق الجزائر، إلا وجه من أوجه التعبير عن ذلك، وهي كذلك ترسيخ لها كعامل وحدة تجمع بين الجزائريين، رغم تسجيل بعض الحملات (التكفيرية) وتحركات على مواقع التواصل الاجتماعي من دعاة الشيطنة والتخوين، وخطاب عنصري لاستدراج مواضيعهم المؤجِجة إلى واجهة الرأي العام، غير أن ذلك لم يتحقق لهم”، ويقصد بذلك بعض البؤر الأيديولوجية التي تتحرك تحت غطاء الدين والقومية لشيطنة احتضان الشارع الجزائري لتراثه وثقافته الأمازيغية.

وأعاد المتحدث مسألة الاحتضان الشعبي الناعم للحدث، الى كون السلطة على خلاف السنوات الأولى من حكم الرئيس الحالي، لم تعد تعتقل وتسجن حَمَلة الراية الأمازيغية وتتهمهم بالانفصال وضرب الوحدة الوطنية مثلما كان الحال عليه خلال أيام الحراك الشعبي، ما يعطي الانطباع بأنها لم تكن ضد المطلب الامازيغي بالدرجة الأولى، بقدر ما كانت ضد المسيرات المطالبة بالديمقراطية والتغيير الجذري في حد ذاتها، ثم أن معظم مناضلي القضية الأمازيغية يعتبرون أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون قضيتهم مطلبا انفصاليا، بل وحدويا يتعدى الجزائر الى كل شمال أفريقيا، التي هي أرض (تمازغا) التاريخية والحضارية، والمحددة من واحة سوى بمصر الى جزر الكناري في المحيط الأطلسي، ومن البحر المتوسط الى بوركينافاسو”.

“تامزغا” مصدر الهام وحدوي للأمازيغ

ويضيف: “الأمازيغ هم الأغلبية حتى وإن فقد الكثير منهم لسانهم الأمازيغي، فان انحدارهم التاريخي لا نقاش فيه، وعليه فهم ليسوا أقلية، ومطلب الانفصال غير معقول وغير مؤسس في عقيدتهم، كما أن مكاسب الحركة الامازيغية في كل المنطقة تشهد نهضة واعترافا متناميا بقضيتها وهويتها، مما يجعلها مصدر تمسك بالأرض وليس تفكيكها”.

الى ذلك يرى يوسف مقراني، الناشط في جمعية “نوميديا”، المهتمة بالشأن التاريخي والثقافي في محافظة بومرداس (شرقي العاصمة)، في تصريح لـ”أفريقيا برس”، بأن “ما يتردد حول رفع الخصوصيات الثقافية واللغوية للمنطقة لتبرير مطلب سياسوي مدعوم من طرف جهات معروفة، لا يستقيم مع المنطق والواقع، لأن البعد الأمازيغي متجذر في الجزائر وفي عموم منطقة شمال أفريقيا، ولذلك فان الانفصال يكون عن ماذا والى أين؟”.

وتابع: “للأقليات الثقافية والدينية والعرقية خصوصيات محددة في أي من الدول والمجتمعات التي تتواجد بها، ويمكن أن تستفيد من تشريعات وخطب المظلومية، لكن الوضع الأمازيغي في الجزائر شيء آخر تماما، بسبب الانصهار التاريخي بين المكونات المحدودة جدا، فباستثناء متاعب الفتح الإسلامي للمنطقة الذي تطلب عدة عقود، لظروف وأسباب مختلفة، فان التاريخ لم يحدثنا عن مواجهات أو حروب على العرق أو اللغة”.

ويذهب الى أنه من الصعب جدا تحديد العرق الأمازيغي أو العربي في عموم المنطقة، فالتطورات السياسية والحضارية، حققت عملية انصهار عميقة، فتحت ظروف معينة، كان العرب يتمزغون والأمازيغ يتعربون، والنتيجة الآن هو مجتمع يحتاج الى التطبيع مع نفسه أكثر من الاجتهاد في العثور على بذور تفرقة عرقية.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here