التمور الجزائرية.. ثروة تكسب رهانات الجودة والمكانة العالمية

التمور الجزائرية.. ثروة تكسب رهانات الجودة والمكانة العالمية
التمور الجزائرية.. ثروة تكسب رهانات الجودة والمكانة العالمية

أفريقيا برس – الجزائر. ثروة اقتصادية خارج المحروقات، عنوانها “التمور”، هو ما تضمنه الصالون الدولي “تمورنا.. أصالة واقتصاد مستدام”، في طبعته الأولى بقصر المعارض “صفاكس”، أين انبهر الزوار بتعدد الأصناف لتمورنا، وكذا الصناعات التحويلية، وتعلق الفلاحين والمستثمرين بالنخلة وما تنتجه، وهو ما يمكن أن يوفر للجزائر قاعدة اقتصادية خصبة تعتمد على إنتاج وتصدير التمور واستغلال عشرات الأصناف في الصناعات التحويلية للعديد من المواد الاستهلاكية التي من شأنها أن تساهم في تنويع الاقتصاد..

وحين تصبح النخلة الضاربة جذورها في الأرض، ورأسها مرفوع في السماء، هي أساس الخير والإنتاج الوفير من التمور، فإن مراقبة ومتابعة هذا النشاط الفلاحي بات ضروريا لتعزيز مكانة التمور في الأسواق العالمية، وتعزيز جودة الإنتاج، وحماية أصناف من الانقراض، فإذا كان إجمالي إنتاج التمور في الجزائر يبلغ 1.9 مليون طن سنويا من بينها 615 ألف طن من “دقلة نور”، وهذا، بحسب إحصائيات وزارة الفلاحة، فإن تصدير التمور رغم بلوغه 54 ألف طن خلال 9 الأشهر الأولى من سنة 2022، يحتاج إلى مزيد من الدعم وتوسيع العملية إلى متعاملين اقتصاديين آخرين.

مئات من الأصناف… وأسواق الشمال لا تعرف إلا ثلاثة

ومن خلال جولة استطلاعية، قادت “الشروق” إلى صالون التمور الذي أشرفت على تنظيمه الغرفة الوطنية للفلاحة بالتعاون مع المنظمة العربية للتنمية الزراعية، اتضح أن للتمور الجزائرية أنواعا وأشكالا وألوانا، وأحجاما، وأن لكل منطقة صنفا أو صنفين وأكثر تفتخر بها، بل إنها تنفرد بها في بعض الأحيان، فإذا كانت “دقلة نور” قد افتكت مكانتها عالميا، فإن هناك أصنافا يمكن أن تبهر كل سكان المعمورة، وتشد بشكلها أو بذوقها المستهلك في الأسواق المحلية والعالمية، ولكن ذنب بعض الأصناف من التمور، أنها بقيت رهينة بعض المناطق، أو حبيسة بساتين النخيل لبعض العائلات، والعادات والتقاليد!

فمثلا، “المجهول”، و”سيدي زكري”، “حمراية”، “بيض الحمام”، “تقربوش”، “صفراية”، “تادالة”، وغيرها من بين مئات الأصناف، لها أشكال جذابة، وذوق يستحسنه كل من يأكلها، فبإمكانها أن تنافس مستقبلا “دقلة نور” في الأسواق المحلية والعالمية..

وفي هذا السياق، أوضح الحاج بركات، فلاح من ولاية بني عباس، ورئيس مجلس مهنيي شعبة التمور بالمنطقة، أن أصناف التمور في الولاية، لا تقل عن 26 صنفا، أشهرها تمور “سيدي زكري”، التي تتميز بطعم وشكل فريد، شد حتى الوفد الوزاري الذي أشرف على افتتاح الصالون، وفي مقدمتهم وزير الفلاحة، حيث قال بركات، إن هناك عوامل عديدة من بينها المياه والجفاف وتراجع الفلاحة الواحاتية، التي كانت تمتاز بها المنطقة، وراء انقراض الكثير من أصناف التمور، إضافة إلى الطرق العشوائية في حفر الآبار الارتوازية بالقرب من بساتين النخيل، واختفاء نظام السقي بنظام “فقارات”.

تعاونيات فلاحية للبحث عن التقنيات الجديدة لتوجيه الإنتاج

وفي هذا السياق، يرى حمزة بدر الدين، مدير التعاونية الفلاحية متعددة النشاطات بمنطقة جامعة ولاية مغير، بأن دور هذه التعاونيات هو البحث عن هيكل قانوني وضعته الدولة ليكون سندا شرعيا للفلاح والمربي، ويمكن من خلال ذلك أيضا الاستفادة من تقنيات جديدة وأفكار مفيدة لتنظيم شعبة التمور.

وقال إن التعاونية تعمل على استصلاح مساحات عقارية، من خلال زرعها بالنخيل، والبحث عن كل ما يفيد للحفاظ على أصناف من التمور آيلة للانقراض، حتى تلك الأصناف التي يمكن الاستفادة منها في الصناعات التحويلية كالتمور الجافة، و”المنقر”، حيث أبدى أسفه لغياب أصناف أخرى في أسواق الولايات الشمالية، واقتصار المعرفة بـ”دقلة نور” فقط دون غيرها من التمور.

وأشار إلى أن التمور المسماة في الجزائر بـ”المجهول”، فيها كثير من الفوائد الصحية والعلمية، حيث إنها تباع في ليبيا بـ 60 دينارا ليبيا، بينما خلال رمضان الماضي بيعت في السوق الليبية بـ80 دينارا أي ما يعادل 3200 دج، ففي ثقافتنا الاستهلاكية لا نعطي أهمية لـ”المجهول”. وأكد أن هناك الكثير من الصناعات التحويلية للتمور كالسكر والخل والكحول، والمعجون، والصابون، ومواد التجميل، وصناعة خيط العمليات الجراحية، وغيرها من الصناعات كالعصائر والزيت، لكن لا يوجد بحسبه مخطط، فرغم أن تونس أقل منا إنتاجا للتمور إلا أنها تتفوق علينا في تصدير هذه الثمرة.

وفي ذات السياق، أكد طارق براهيمي، الأمين العام للمعهد التقني لتنمية الزراعة الصحراوية الكائن مقره ببسكرة، أن هناك 5 محطات للمعهد وأخرى جديدة في بشار، كمجمعات لحماية أصناف التمور، حيث تزخر جهة الجنوب الغربي بأصناف جيدة.

وقال إن المعهد سيقوم بحملات تحسيسية للتعريف بأصناف التمور، مثل “حمراية” و”تقربوشت”، وبيض الحمام، و”مخ البقري”، مضيفا أن المعهد ينسق مع مهندسين وخبراء، وتعاونيات فلاحية من أجل تثمين أي خطوة إيجابية لصالح التمور وأصنافها.

التمور لرفع ديناميكية المقايضة مع دول الجنوب

ومن جانبه، قال لحبيب كنود، الأمين العام للغرفة الفلاحية بولاية تمنراست، إن المنطقة لم تكن معروفة بإنتاج التمور، حيث كان يعتبر ذلك نشاطا هامشيا، لأن هناك اهتماما كبيرا بالأشجار المثمرة، ولكن مؤخرا تمكنت تمنراست من إنتاج كميات من تمور “تيديكلت”، وهي من بين 100 صنف يتجه نحو الانتشار في الولاية، بعد جلب فسيلات من نخيل في مناطق مجاورة.

وأوضح أن عمليات المقايضة التي تعرف بها مدينة تمنراست، تحتم عليها زيادة في إنتاج التمور رغم شح المياه، وهكذا يمكن، بحسبه، تطوير تمور “تيديكلت ” وصنفي “تقربوشت” و”القرباعي”، لاستغلاله في المقايضة، مشيرا إلى أن معظم التجار يقتنونها من الفلاحين، لبيعها إلى الدول الإفريقية.

إكثار نخيل التمر بزراعة الأنسجة النباتية

وشارك صاحب مشروع “إكثار نخيل التمر بزراعة الأنسجة النباتية”، ساسي براهيمي، في صالون التمور لعرض تجربته على الفلاحين والمستثمرين ورؤساء الغرف الفلاحية، حيث أوضح لـ”الشروق”، أن إكثار فسائل النخيل من خلال زراعة الأنسجة النباتية، يمكن أن يكثر نخيل التمر ويحافظ على أصناف نادرة.

وقال إن التجارب أكدت وجود 175 صنف من التمور في واحة وادي ريغ الذي ينتمي إليها، وإن المعهد الوطني الجزائري للبحث الزراعي كان قد أحصى 1000 صنف من نخيل التمور في الجزائر، منها 766 صنف متواجد في الجنوب الشرقي والغربي للبلاد، حيث يمكن من خلال الأنسجة النباتية الحصول على 15 ألف نخلة من نخلة واحدة، وبذلك تكون مدة استرجاع بعض الأصناف المهددة بالانقراض في أقصر مدة بإكثار عدد نخيلها.

70 صنفا من التمور في باتنة

ومن جهته، قال علاوة درام، رئيس جمعية النخيل الفلاحية ورئيس شعبة التمور على مستوى ولاية باتنة، وعضو المجلس الوطني للتمور، إن إنتاج هذه الأخيرة في الجزائر يمكن أن يتضاعف 5 مرات كما ونوعا، لكن هناك إهمالا كبيرا في الكثير من الجوانب، موضحا أن المجلس الوطني للتمور منذ تأسيسه قبل 5 سنوات تقريبا، لم يجتمع مرة واحدة لاستدراك بعض المشاكل وحلها من أجل الرفع من مستوى إنتاج التمور في باتنة.

وأكد أن ولاية باتنة تتميز بواحة عريقة، وهي واحة “امدوكال”، التي تتوفر على حوالي 100 ألف نخلة، تنتج من 70 إلى 100 صنف من التمور، لكن الأشكال المطروح، بحسبه، أن الفلاحيين لا يهتمون كما في السابق بالأصناف الأخرى، فنظرتهم للتمور باتت اقتصادية، حيث يقوم أصحاب النخيل برصد اهتمام المستهلك في السوق، الذي يختصر في الشمال على ثلاثة أصناف فقط، ما جعل الفلاحين يغرسون فسائل هذه الأخيرة مستغنين عن باقي الأصناف.

لكل منطقة أصناف من التمور وجملة من المشاكل المهددة للإنتاج

ويعتبر يوسف داودي واحدا من الفلاحين الذين يحملون هم قطع النخيل، وتقلص مساحات بساتينها، وانقراض أصناف من التمور، رغم أنها ثروة وغذاء ومنتج يمكنه أن ينافس أصناف تمور دول أخرى في السوق العالمية، ولأنه مستثمر من ولاية ورقلة، شارك بمنتجه في الصالون الدولي، قصد التعريف به، والسعي لإيجاد من يتضامن معه لوقف كل ما يضر بالنخلة وما تعطيه من ثمار.

وقال داودي لـ “الشروق”، إن المنتج كبير في ورقلة التي كانت تملك 2 مليون و500 نخلة وبعد انفراد تقرت كولاية أصبحت ورقلة تزخر بمليون و400 نخلة، إلا أن المشكل بحسب داودي، يتعلق بزحف الإسمنت على العقار الفلاحي، موضحا أن تواجد النخلة في مكانها الطبيعي يرتبط بتلك المساحات الرطبة، التي تحتوي على الأملاح، حيث دعا السلطات المحلية إلى اتخاذ قرار فوري، لمنع بيع النخيل وتحويل مساحاتها إلى سكنات.

وأكد أن العرف الذي كان يسود المنطقة يعمل بمقولة: “من أراد اقتلاع نخلة، لم تعد تنتج، يزرع بدلها 10 نخلات”.

وفي السياق، كشف موسى حماني، رئيس الغرفة الفلاحية لولاية ورقلة، عن جملة من المشاكل التي تعرقل عملية رفع إنتاج التمور في ذات الولاية، والحفاظ على بعض الأصناف، حيث رغم الظروف الطبيعية، بحسبه، وصل الإنتاج العام الماضي إلى 680 ألف قنطار، والعام الحالي إلى 760 ألف طن، وتعول الولاية على رفع الإنتاج إلى ما بين 800 ألف طن إلى 900 ألف طن خلال مواسم الجني القادمة.

وأكد أن الصناعات التحويلية للتمور غائبة في الولاية، وبالتالي، فإن كميات التمور تنتقل من ورقلة إلى بسكرة أين يتواجد المصنعون هناك، مضيفا أن المشكل المطروح في واحات ورقلة، هو التخلي عن بعض الأصناف من التمور، حيث يوجد 41 نوعا نسبة 75 بالمائة، تتمثل في “دقلة نور”، وأما الأنواع الأخرى المعروفة فهي 6 أنواع، فيما الباقي مهدد بالانقراض.

ومن جانبه، أوضح محمد حمو، رئيس الغرفة الفلاحية لولاية إليزي مكلف بولاية جانت في انتظار تنصيب أعضاء غرفتها الفلاحية، أن الصالون الوطني للتمور في طبعته الأولى أتاح فرصة عرض منتج ولاية جانت، خاصة التمور التحويلية، قائلا: “إن إليزي لم يكن لديها نخيل في السابق، ولكن بعض المساحات الزراعية التي تدخل في إطار الامتياز الفلاحي، تمكنت من إنتاج أصناف مميزة كانت متواجدة في واحات بعيدة قليلا عن الولاية”.

وأكد أن ولاية جانت تملك صنفا من التمور يسمى “تنظمان”، وآخر في إليزي اسمه “أهرهر”، مشيرا إلى أن هناك اليوم 25 ولاية جزائرية منتجة للتمور، ولها أصناف مختلفة.

بسكرة والمغير.. نهضة في زيادة الإنتاج وتنويع مشتقات التمور

وبدوره، قال الأمين العام للغرفة الفلاحية ببسكرة، محمد فوزي غمري، إن الإنتاج السنوي للتمور وفير في الولاية، لكن تبقى “دقلة نور” بحسبه، تمثل نسبة 60 بالمائة من هذا الإنتاج الذي يصل إلى 3 ملايين و800 قنطار سنويا، مشيرا إلى أن أغلب المصدرين يتواجدون في بسكرة.

وأكد أن هناك عراقيل لا تزال تقف أمام الصناعات التحويلية، التي عرفت في السنوات الأخيرة بمنطقة بسكرة قفزة نوعية، واستطاعت أن تنتشر عند المستهلك المحلي، ولكن المشاكل لا تزال تتعلق بتسويق هذه المنتجات والترويج لها في الخارج.

واشتكى من نقص المرافقة رغم وجود إرادة وتحد عند الفلاحين، حيث يرى بأن الصالون الدولي للتمور في طبعته الأولى، بمثابة فضاء كبير يمكن من خلاله كسب الثقة في بعض الشركاء والمتعاملين ومن خلال تبادل الأفكار، على أن يكون ذلك همزة وصل لتبادل خبرات وطنية.

ومن جهته، كشف الطاهر دبابي، الأمين العام للغرفة الفلاحية لولاية المغير، وجود 2.5 مليون نخلة منتجة للتمور موجودة في واحة وادي ريغ، موضحا أن منطقة مغير تنتج أكثر من مليون و800 ألف قنطار من التمر في العام، وتمثل “دقلة نور” نسبة 93 بالمائة من الإنتاج.

ويوجد بحسبه، 7 متعاملين اقتصاديين مصدرين في مغير وحدها، حيث تستفيد أسواق روسيا وموريتانيا والنيجر ورومانيا، من تمور هذه الولاية الفتية، وبحسبه، فإن إنتاج التمور قدر خلال موسم 2022 و2023، بـ14 ألفا و393 قنطار.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here