أفريقيا برس – الجزائر. على بعد ساعات قليلة من الشهر الفضيل، وفي خضم ترقب هلال الصيام والقيام، قلّ وربما تلاشى حديث الأسعار المضاعفة والنارية، التي كانت مثل السكين تقطع أوردة المواطنين والبسطاء منهم من الوريد إلى الوريد.
وبالرغم من وجود استثناءات في بعض الولايات دون الأخرى، وفي أسواق دون غيرها، فإن الإجماع كان على أن السوق الوطنية وللموسم الرمضاني الثاني على التوالي قدّم أسعارا لمواد توفرت بالكمية والنوعية اللازمة بما جعل الرضا هو الطاغي، مع استشراف تكرار ما حدث الموسم الماضي في أن تعرف السوق بعد أسبوع واحد من رمضان مزيدا من الاستقرار وحتى نزول كبير في الأسعار. الشروق تجولت في قطبين تجاريين كبيرين على مستوى الشرق الجزائري ونقلت شهادات من الزبائن والباعة في نفس الوقت.
تجار بعدد الزبائن على مشارف رمضان
في المدينة الجديدة علي منجلي بولاية قسنطينة، تتكاثر المولات الكبيرة بشكل لافت، وقبيل رمضان 2026 ظهرت مساحتين كبيرتين جديدتين قدمت مزيدا من الأجواء التنافسية ليس في النوعية فقط، وإنما في الأسعار وظهرت لأول مرة كلمة “الصولد” في المواد الغذائية بكل أنواعها، ومن الأجبان على وجه الخصوص، تحت شعار: “بمناسبة الشهر الفضيل”.
جبن “الغرويير” المستورد نزل لأول مرة منذ ربع قرن دون 1600 دج للكيلوغرام الواحد، ولحقته بقية أنواع الأجبان وعلى رأسها “الكامومبير” الذي لامس سعر القطع الصغيرة منه ذات سعة 125 غرام بسعر 100 دج وكانت تتجاوز 200 دج. وحتى برتقال العصير الذي كان سعره 70 دج للكيلوغرام الواحد، تهاوى إلى غاية 40 دج، وسجلت التمور بوفرتها وجودتها العالية وتنوعها والزيتون بوفرته الطاغية أيضا وتنوعه، أسعارا وُصفت لدى الزبائن بالمقبولة والمريحة.
فإذا كانت دقلة نور ترفض النزول من عرشها وهي تستحق، فإن تمورا جيدة بيعت بأسعار في المتناول ولم تزد عن 300 أو 400 دج، والجميل أن كثيرا من المواطنين لهم أصدقاء في عواصم دقلة نور في طولقة بولاية بسكرة على وجه الخصوص، حيث يتبادلون التمور، بخضر وفواكه من الشمال ومنها الفراولة.
وظهرت تمور ولاية تبسة في الساحة بقوة هذا العام، وكسرت الأسعار، خاصة تمور منطقة نقرين بجنوب الولاية، ذات الجودة العالية التي بيعت بأسعار مناسبة، لم يشتك منها الزبائن وزادها التعليب الفاخر رونقا وقبولا.
وفرة الزيتون هذا الموسم أحدث زلزالا في الأسعار، فقد بيع الكيلوغرام الواحد من الزيتون الأسود العادي بـ250 دج في بعض أسواق المدينة الجديدة علي منجلي، وكلمة “برومو” غزت المساحات التجارية الكبرى، وتزامنت مع تهافت المواطنين وحتى ابناء تونس وليبيا الذين صار شعبان خير شهور حضورهم للتسوق مما تقدمه الأرض الجزائرية وحتى مصانع المواد الغذائية من خيرات
وحتى أسعار اللحوم البيضاء لم تطر كما جرت العادة، صحيح أنها لم تبق في الأسفل كما كان الحال، في شهر جانفي الماضي أو أواخره، لكنها بقيت مقبولة مع وصول شحنات من اللحوم الحمراء المستوردة وحتى الدجاج البرازيلي وبقي الاستثناء في السمك، الذي توالت عليه الفصول، وحاله كما هو في العلالي.
السيد بوهروم وهو صاحب قصابة معروف في قسنطينة، اعترف باستقرار الأسواق، وقبول التجار بهامش الربح، في وجود طلب مكثف من المواطنين، كما أن توفر اللحوم الحمراء المستوردة منذ أسابيع عديدة جعل التلهف عليها يقلّ وأسعار اللحوم المحلية لا تحلق كما كان يحدث سابقا.
ولم تعرف الفاكهة نفس اللهيب الذي تعوّد عليه المواطنون، فمع تسجيل رقم 400 دج للموز، ودخول فراولة جيجل وبقوة الأسواق ونزول أسعارها إلى حدود 250 دج وما دون ذلك، منح بقية الفواكه من برتقال ويوسفي وتفاح أسعارا ستجعلها سيدة على موائد رمضان.
أما عن المشروبات وتونة وأخواتها من “سقايط” كما تسمى، فإن التنافس بينها كان في تخفيض الأسعار التي جعلت السيدة فاطمة الزهراء وهي معلمة في الابتدائي، تختصر حال السوق بالقول: “لدينا الخيار وحتى ما سعره مرتفع، يمكن تعويضه بنوعية أقل جودة أو بمادة أخرى”، وتقصد هنا البرقوق وبعض المكسرات على غرار اللوز.
عاصمة الهضاب لم تعد أسعارها الأعلى
تتجلى الظاهرة الإيجابية بشكل واضح في عاصمة الهضاب سطيف، التي كانت إلى غاية السنوات السابقة المدينة الأغلى في الجزائر بأسعارها المرتفعة في كل أيام السنة، فما بالك بالشهر الفضيل الذي شكل هاجسا جعل بعض السطايفية يسافرون إلى مدن بعيدة من أجل التسوق بعيدا عن نار أسواق مدينتهم. وإذا كانت مدينة سطيف مقارنة بقسنطينة، لا تمتلك سوى مول واحد عملاق، فإن بقية أسواقها سارت على النهج الموجود في كافة أنحاء الوطن.
ففي سوق عباشة بمنطقة أندريولي شعر الزبائن بالطمأنينة سواء بالنسبة للخضر والفواكه أو بقية المواد الغذائية مع استثناء الأسماك، وظهرت أسعار لم يتعود عليها المواطنون في بعض المأكولات من المقبلات من زيتون وزيت الزيتون والمايونيز وبعض التشكيلات الضرورية، أبهج المواطنين والمواطنات.
تقول السيدة عزيزة: “صراحة، تمكنا هذا الموسم من اقتناء ما نحتاجه بقليل من الشكوى، بداية من الأواني المنزلية، حيث اختلف المنتج بين صيني وتركي وجزائري، فكان الاختيار والتنافس لصالح الزبونة التي اشترت ببعض المبالغة، حتى لا نقول التبذير وهي راضية على الأسعار”. في سوق عباشة بقلب سطيف، صار باعة الخضر والفواكه يعلنون عن أسعارهم، وحتى بصيحاتهم “التشينة بعشرة كول يا قليل”، صيحة رددها البائع الشاب نسيم، الذي قال: “نحن التجار عندما يكون التوافد على سلعتنا كبيرا نشعر بالفرحة والرغبة في العمل، وأحيانا في مساعدة الناس ولو ببيع بعض السلع برأس مالها”.
يترجم سوق عباشة الشعبي الذي كان في سنوات سابقة يلتهب بأسعاره عندما يحل رمضان، التغير الحاصل حتى وإن كان الأمر لا يخص كل السلع ولكنها خطوة قد تتجسد أكثر في الأسبوع الأول من شهر رمضان.
وفي سوق بلعلي بمدينة العلمة التي تبعد عن سطيف بنحو 28 كلم، تنزل الرحمة أكثر، فهو سوق تجاري مطلوب من الجميع، استثمر في الشارع التجاري الذي صار مغاربيا وإفريقيا بامتياز، فجلب الزبائن من كل مكان بتنوع السلع الموجودة فيه من البرتقال إلى الكيوي ومن الفريك إلى الفِطر الطبيعي من دون نسيان اللحوم بكل أنواعها بما فيها لحم الأرانب والديك الهندي.
عمي الربيع الذي عاصر عدة عقود في هذا السوق الشهير في مدينة العلمة وصف الأسعار هذه السنة بالمريحة وأرجعها إلى صرامة الدولة الجزائرية التي حضّرت بطريقة احترافية للشهر العظيم فزودت الأسواق بكل ما طاب وسهرت بأعوانها على مراقبة كل التجاوزات وخاصة المضاربة وجاءت النتيجة الظاهرة للعيان في كل أسواق الجزائر.
كل هذه البهجة التسوّقية في المولات الكبيرة والأسواق المغطاة والأسبوعية، زادها أصحاب الشاحنات والتجار الموسميون إنعاشا، من خلال تواصل بعضهم مباشرة بأهل المزارع من المنتجين، حيث تجد تفاح أريس من المنتج إلى البائع في عنابة وفراولة جيجل من المنتج إلى البائع في بسكرة، وتضاءل دور الوسيط فكانت الأسعار مقبولة في رمضان 2026.
المصدر: الشروق
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





